أخبار عاجلةتقارير ومقابلاتومضات

“موطني 48” في لقاء مع المستشارة التربوية أسماء بهوتي: الصحة النفسية الجماهيرية.. من التدخل بعد الأزمة إلى الوقاية وبناء المناعة النفسية

مارية محاجنة

في ظلّ تزايد الضغوط النفسية والتربوية التي تواجه الأفراد والأسر، لم تعد العناية بالصحة النفسية شأنًا فرديًا يقتصر على التدخل بعد وقوع المشكلة، بل أصبحت حاجة مجتمعية تتطلب الوعي والوقاية والتدخل المبكر، إلى جانب بناء بيئات تربوية آمنة وداعمة.

ومن هنا يبرز مفهوم الصحة النفسية الجماهيرية، الذي يتجاوز إطار العلاج أو الاستشارة الفردية، لينظر إلى الإنسان ضمن سياقه الاجتماعي والثقافي، ويركّز على تمكين الأفراد والمجموعات وتعزيز قدرتهم على مواجهة التحديات وبناء مناعتهم النفسية قبل الوصول إلى الأزمات.

وفي هذا السياق، التقت صحيفة “موطني 48”، أسماء جهيم بهوتي من بلدة المشهد، المستشارة التربوية وموجّهة المجموعات، وأمًّا لأربعة أبناء، والحاصلة مؤخرًا على اللقب الثاني في الصحة النفسية الجماهيرية من جامعة حيفا.

موطني 48: بدايةً، نود أن نتعرّف إليكِ أكثر؛ حدّثينا عن نفسكِ، ومسيرتكِ الأكاديمية والمهنية، وما الذي قادكِ إلى مجال الصحة النفسية الجماهيرية والعمل كمستشارة تربوية وموجّهة مجموعات؟

أسماء بهوتي: أعمل مستشارة تربوية وموجّهة مجموعات، وأنا أمٌّ لأربعة أبناء. أؤمن بعمق بأن الإنسان ليس جزيرة منعزلة، وأن مشكلاته وصراعاته تتشكّل وتتأثر في سياق بيئته المحيطة.

من هذا الإيمان انطلقت مسيرتي المهنية في مجال الاستشارة التربوية، وتوجيه المجموعات وإرشاد الأهل، إضافة إلى المعالجة بواسطة القصة، وصولًا إلى تعميق معرفتي بهذا المجال من خلال حصولي مؤخرًا على اللقب الثاني في الصحة النفسية الجماهيرية من جامعة حيفا.

أكرّس جهودي لبناء بيئات تربوية آمنة وداعمة للطلاب والأهالي والطاقم التدريسي. وكان الدافع الأساسي الذي قادني إلى هذا المجال هو إيماني بأن المشكلات الفردية لا تنشأ ولا تُحلّ بمعزل عن البيئة المحيطة. لذلك، رغبت في الانتقال من دائرة التدخل العلاجي الضيق إلى فضاء أوسع يمكنني من خلاله إحداث تغيير جذري ووقائي على مستوى المجموعات والمجتمع، بما يسهم في تمكين الأفراد وتعزيز مناعتهم النفسية.

موطني 48: ما المقصود بمفهوم “الصحة النفسية الجماهيرية”، وكيف يختلف هذا التخصص في رؤيته وأدواته عن العلاج أو الاستشارة النفسية الفردية التقليدية؟

أسماء بهوتي: تركّز الصحة النفسية الجماهيرية على الجانب الوقائي والمجتمعي والتمكيني. فهي لا تنظر إلى الفرد باعتباره مريضًا بحاجة إلى علاج فحسب، وإنما تراه عضوًا فاعلًا داخل منظومة اجتماعية وثقافية، يتأثر بمحيطه ويؤثر فيه.

أما العلاج أو الاستشارة الفردية التقليدية، فتتم غالبًا داخل الغرفة العلاجية المغلقة، وتركّز على الأعراض الفردية والماضي أو الصراعات الشخصية للشخص المتوجّه.

في المقابل، تتعامل الصحة النفسية الجماهيرية مع الأنماط والسياقات الأوسع، وتسعى إلى تقليل عوامل الخطر وتعزيز عوامل الحماية على مستوى مجتمعي واسع، مع التركيز على العدالة الاجتماعية، والوصول المتساوي إلى الخدمات، وتمكين المجموعات المهمّشة أو المتضررة.

موطني 48: انطلاقًا من تخصصكِ وخبرتكِ، كيف يمكن للورشات التفاعلية ومجموعات الدعم والتوعية أن تسهم في الوقاية وتعزيز “المناعة النفسية” لدى الأهل والتربويين قبل الوصول إلى الأزمات؟

أسماء بهوتي: أعتمد في عملي كموجّهة مجموعات نهجًا تفاعليًا حيويًا، أبتعد فيه تمامًا عن النمط التقليدي للمحاضرات التلقينية، وأركّز على بناء مساحات تشاركية تحفّز المشاركين على الاستكشاف الذاتي.

يمكن للورشات ومجموعات الدعم أن تسهم في بناء المناعة النفسية بصورة وقائية؛ فهي أشبه بـ”لقاح نفسي” قبل وقوع الأزمات. ومن خلال توفير مساحة آمنة للتعبير وتبادل الخبرات، يتعلم المشاركون استراتيجيات المواجهة والتنظيم الانفعالي.

كما أن هذه المجموعات تساعد على التطبيع وتقليل الشعور بالعزلة؛ فعندما يدرك الأهل والتربويون أن التحديات التي يواجهونها ليست فردية أو ناتجة عن “فشل شخصي”، وإنما هي تحديات جماعية يمر بها كثيرون، فإن ذلك يخفّض مستويات القلق والشعور بالذنب، ويبني مرونة جماعية تمكّنهم من احتواء أزمات الأبناء بشكل أفضل.

موطني 48: ما الذي تضيفه مجموعات الدعم والورشات التفاعلية للعمل مع الأهل والتربويين، وما الذي قد لا توفره الاستشارة الفردية أحيانًا؟ وكيف يمكن لهذه المجموعات أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا ومستدامًا في الوعي والسلوك؟

أسماء بهوتي: قد تفتقر الاستشارة الفردية أحيانًا إلى “قوة الجماعة” والتغذية الراجعة المتبادلة. ففي المجموعة، لا يتعلم المشاركون من الموجّه فحسب، بل يتعلمون أيضًا من تجارب بعضهم بعضًا، ويرون أنفسهم في قصص الآخرين، وهو ما يُعرف بـ”عامل العمومية”.

أما التغيير المستدام، فيحدث عندما يتحول الوعي الفردي إلى خطاب جماعي ومعايير مجتمعية جديدة. فعندما يتدرب الأهل والتربويون معًا على أدوات تواصل واعية وفعّالة، فإنهم لا يغيّرون سلوكهم فحسب، بل يغيّرون أيضًا لغة البيئة المحيطة بالأبناء، بما يضمن استمرارية الدعم وثباته في البيت والمدرسة.

موطني 48: كيف يساعدكِ تخصصكِ في الصحة النفسية الجماهيرية على قراءة التحديات النفسية والتربوية التي تواجه الأهل والأطفال، مع مراعاة السياق الاجتماعي والثقافي للمجتمع؟ وما أبرز التحديات التي تواجهينها عند إدارة المجموعات والورشات، وكيف تتعاملين معها؟

أسماء بهوتي: يتطلب العمل في مجال الصحة النفسية الجماهيرية حساسية عالية تجاه العادات والقيم والتحديات الهيكلية والخصوصية الثقافية للمجتمع. فلا يمكن إسقاط نظريات غربية بحتة دون مواءمتها مع الواقع المحلي وأنماط التنشئة السائدة، وهذا يحتم علينا بناء جسور من الثقة واحترام الموروث الثقافي، مع تحديث المفاهيم التي لم تعد تخدم الصحة النفسية.

ومن أبرز التحديات التي أواجهها المقاومة والخوف من الوصمة أو الـ”סטיגמה”، إذ يميل البعض في البداية إلى التحفظ أو مقاومة المشاركة. وأتعامل مع ذلك من خلال بناء بيئة آمنة خالية من الأحكام، والتركيز على لغة “تمكين المهارات” بدلًا من لغة “المشكلات النفسية”.

كذلك قد تظهر تحديات مرتبطة بإدارة الديناميكيات والصراعات داخل المجموعة، وهنا أعتمد على مهارات التوجيه الفعّالة لاحتواء الآراء المختلفة، ودمج الأصوات الهادئة، وتوجيه الطاقة الجماعية نحو أهداف الورشة الإيجابية.

موطني 48: في ظل الحاجة المتزايدة إلى تعزيز الصحة النفسية في المجتمع، ما الدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات والمجتمع المحلي في الاستثمار في برامج الصحة النفسية الجماهيرية والورشات التفاعلية؟ وما رؤيتكِ المستقبلية لتطوير هذا المجال من خلال العمل التطوعي والميداني؟

أسماء بهوتي: أرى أن على السلطات المحلية والمدارس والمؤسسات الجماهيرية الانتقال من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “الاستباق والاستثمار الاستراتيجي”. ويكون ذلك من خلال رصد الميزانيات والموارد لبرامج التوعية المستمرة، ودمج الصحة النفسية الجماهيرية كركيزة أساسية في سياسات العمل المجتمعي.

أما رؤيتي المستقبلية، فهي توسيع دائرة التأثير من خلال دمج العمل الميداني التطوعي مع البرامج المؤسسية، وتطوير نماذج عمل مجتمعية مبتكرة تصل إلى الشرائح الأكثر احتياجًا، بما يمكّن كل أمٍّ وأبٍ ومعلم من أن يصبحوا وكلاء للتغيير وتعزيز الصحة النفسية في بيئتهم المصغّرة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى