أخبار عاجلةمقالاتومضات

معركة الوعي (299).. إستراتيجية تفكيك المجتمع المسلم (1-2)

حامد اغبارية

1)
منذ أحكَمَ الاستعمار قبضته على العالم العربي والإسلامي، بعد نجاحه في إسقاط الخلافة العثمانية أوائل القرن العشرين، أدرك منذ البداية أن حركة التاريخ أثبتت أن القوة العسكرية لا تكفي لبسط الهيمنة، وأدرك أن الاستعمار العسكري، إذا ظلّ الوسيلة الوحيدة للسيطرة، فسوف تأتي لحظة ويزول أو يرحل أو يُجبر على الرحيل، لذلك لا بد من وسائل أخرى تُبقي الاستعمار متجذرا، ضاربا أطنابه في كل بقعة وزاوية.

2)
وكان من أخطر الوسائل التي جعلها الاستعمار استراتيجيته للبقاء أطول مدة ممكنة في المجتمعات العربية والإسلامية، حتى لو انتهى بقاؤه العسكري، هي استراتيجية تدمير هذه المجتمعات.
وعلى رأس هذه الاستراتيجية التفكيك الأخلاقي، الذي يُعدّ من أشد أسلحة الهيمنة فتكا بالمجتمعات.
ولأجل تحقيق هذا الهدف وُضعت خططٌ، وأُعدت وسائلُ، ودُّربت مجموعات تأثير في مجالات الإعلام والفن (سينما، مسرح، تلفزيون، غناء، الخ) وفي مجالات التربية والثقافة والعلوم النفسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، وخصصت لها ميزانيات ضخمة. وقد عملت هذه المجموعات بالتوازي في مختلف المجالات ليتسنى لها تحقيق الهدف، بحيث إذا فشلت في مجال نجحت في آخر.

3)
كان الأسلوب المتبع لتدمير المجتمعات وتفكيكها، العمل على تدمير جيل بأكمله، في فترة تتراوح بين خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة، وهي الفترة التي تنشأ فيها أجيال جديدة، يجري العمل على قطع علاقتها بالأجيال السابقة.
وقد شمل التدمير الأخلاقي عدة مجالات، على رأسها تدمير علاقة الفرد والمجتمع بالدين، والسخرية منه والتشكيك به، وفي المقابل التركيز على قضايا هامشية ووضعها في مركز اهتمام الأفراد والمجتمعات.
ولعل من أقرب الأمثلة التي لها علاقة ببدء مشروع التفكيك عقب إسقاط الخلافة، السياسة التي اتبعها مصطفى كمال أتاتورك، وكيل الاستعمار في إدارة شؤون “تركيا الحديثة”، بعد أن نجح الاستعمار والصهيو- صليبية العالمية في تمزيق الجغرافيا الإسلامية إلى محميّات تابعة. صحيح أن أتاتورك لم يكن مستعمِرا بالمفهوم التاريخي للاستعمار، لكنه كان من ثماره السيئة، وأدى الدور على أفضل (أسوأ) ما يكون.
كان الاستعمار العسكري الذي غزا بلاد المسلمين منذ أواخر القرن الثامن عشر، وتمددت سيطرته خلال القرن التاسع عشر، وأحكم قبضته حتى منتصف القرن العشرين، مهموما بكيفية قطع علاقة الفرد المسلم والمجتمع المسلم بدينه: إبعاد المسلم عن دينه، أو إبعاد الدين عنه. ولأن مهمة إبعاد المسلم عند دينه تُعدّ من المهمات الصعبة، لكنها ليست مستحيلة، فكان إبعاد مظاهر الدين عنه أسهل. وهذا ما فعله أتاتورك، من خلال إلغاء (إخفاء) كل ما له علاقة بالدين، مثل منع اللغة العربية واستبدالها بحروف لاتينية، ومنع اللباس الشرعي للمرأة، ومنع إطلاق اللحية للرجال، ومنع علماء الدين من الظهور بلباس العلماء الخاص، ومنع تعليم الدين في المدارس، ومنع تحفيظ القرآن والجهر به، وعلمنة منهاج التعليم، وتحويل أكبر رمز يفخر به الأتراك خاصة والمسلمون عامة، وهو مسجد آيا صوفيا، إلى متحف، ونشر الدعارة وفتح باب الفساد والإفساد على مصراعيه. وقد أصبحت التجربة الأتاتوركية نسخة أصلية نُسخت إلى العديد من الأقطار العربية والإسلامية.

4)
إلى حدّ كبير، نجح مشروع تفكيك المجتمعات العربية والإسلامية في جعل الدين في حياة الناس مسألة هامشية، وتحويله في أوساط الشرائح الهشة والضعيفة إلى موضوع للسخرية بتأثير من الإعلام والفن السينمائي بشكل خاص. بل نجح المشروع في إيجاد البيئة القابلة للتأثُّر بشكل تلقائي، وذلك من خلال العمل على تجهيل المجتمع وإفقاره، ومقابل ذلك صنع أصحاب المشروع التدميري أنظمة تمارس القمع والبطش، فتحقق المرجو أو أغلبه: السعي الفردي لتحصيل لقمة الخبز والتخلص من الفقر، وفي التالي الانشغال عن القضايا المهمة، يسند ذلك الجهل المطبق؛ سواء على مستوى التعليم، أو على مستوى المعرفة الدينية، ووراء ذلك سلطة أمنيّة قامعة باطشة تعدّ على المواطن أنفاسَه وحركاتِه وسكناتِه.

5)
إلى جانب ذلك عمل مشروع تفكيك المجتمعات على زعزعة الوشائج داخل المجتمعات المختلطة، من خلال تقسيمها إلى طوائف متصارعة، سواء إسلامية – مسيحية، أو إسلامية – إسلامية (سنية وشيعية)، وتأجيج الصراعات بينها، تلك الصراعات التي بدأت كصراعات فكرية- فقهية، وانتهت إلى صراعات دموية استنزفت مقدرات الشعوب، حتى العظم، إلى هذه اللحظة.

6)
إلى جانب ذلك كله ركّز مشروع الخراب، الذي انتشر في مجتمعاتنا انتشار النار في الهشيم، منذ ثلاثة قرون، تحت شعارات براقة تبهر الأبصار وتخطف العقول، بما فيها عقول النُّخب من كُتاب وأدباء وإعلاميين ومفكرين وسياسيين وأكاديميين وغيرهم؛ ركّز على تربية الأفراد على الفردانية، حتى نشأت أجيال تفكر بنفسها ومصلحتها الشخصية ومستقبلها الشخصي، وأُنسِيَتْ الانتماء إلى الهمّ الجمعيّ الذي ربّى عليه الإسلام أبناءه الذين بنَوْا أعظم حضارة في تاريخ البشرية من حيث الإنجاز العلمي، والسياسة النظيفة، والالتزام الأخلاقي الذي أدرك مشروعُ الخراب أنه رأس الأمر كله، فإن نخر فيه السوس انهار البناء تلقائيا..
لقد نشأت، أو بتعبير أدق، صُنعت، أجيال على ما يسمّى بالحرية الشخصية أو الفردية، ما أدى إلى صراع شرس ومتواصل بين قيم الأنانية والقيم الجامعة للمجتمعات ما يزال مستمرا إلى يومنا هذا. هذه الأجيال لم تعد تهتم بمجتمعها وأمتها، ولا بقضاياها الكبرى، ولا بحفظ الدين والذود عنه، ولا بأخلاقيات المجتمع وقِيَمه الإسلامية، ونشأ من خلالها تيارات تهاجم الإسلام وتعتبره “دقة قديمة” لا يصلح لزماننا، وأجيال تشكك فيه، من خلال التشكيك بآيات من القرآن والسنة النبوية، عن طريق الطعن في كتب الصحاح، خاصة البخاري ومسلم، والسيرة النبوية، من خلال التشكيك بروايات وأحداث، والطعن بعدالة الصحابة، وغير ذلك الكثير.

7)
لم يكتفِ المجرمون من أصحاب مشروع التفكيك والخراب بذلك، وإنما أشاعوا الانحراف الأخلاقي، وأشاعوا الفحشاء والعلاقات المحرمة، وشرب الخمرة وما شابهها من موادة مخدرة، فجعلوها من باب الحريات الشخصية، وأعدّوا لها “شيوخَ خراب” يُفتون الناس بتحليل ما حرم الله، بحجة أن القرآن لا يحرّم كذا وكيت، وأخرجوا في وسائل الإعلام ألسنة وأقلاما مأجورة، من أصحاب الشهادات العليا كي يدلسوا على الناس بـ “تفسيرات عصرية” للقرآن الكريم، طعنت في حدود الإسلام، مثل حدّ الزنا والخمرة وما يشبههما!!
وإنّ من أقذر ما أشاعه هذا المشروع في مجتمعاتنا الشذوذ الجنسي؛ سواء في أوساط الرجال أو في أوساط النساء، بذريعة أن هذه الميول الجنسية الشاذة إنما هي مسألة شخصية، وليس للشخص (ذكرا أو أنثى) ذنب فيها، لأنه خلق كذلك، وأنه ظاهرة طبيعيّة! وفي المقابل شنوا حملات شنيعة ضد حدّ الشذوذ في الإسلام، ليس بألسنتهم وأقلامهم فحسب، وإنما بألسنة وأقلام من عملاء الاستعمار وعبيد الشيطان والدولار الذي يعيشون في مجتمعاتنا العربية والإسلامية!

8)
ثمّ عمدت الأنياب المسعورة من جيوش مشروع الخراب والتفكيك إلى التاريخ الإسلامي، فطعنت وشككت، وراحت تشكك بالشخصيات الإسلامية، بدءا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ الصحابة رضي الله عنهم، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، وسائر الصحابة العُدول، ثم في التابعين، وتابعيهم، من الشخصيات التي صنعت أمجاد الأمة بجهادها وفتوحاتها، مثل صلاح الدين الأيوبي، والأسرة الزنكية، ودولة المماليك، والدولة العثمانية، وقائمة طويلة لا تنتهي من الشخصيات التي صنعت ذلك التاريخ، وأدخلت التشكيك بها في مناهج التعليم، حتى أصبح المتلقّون يُبغضون تلك الشخصيات، مقابل التعلق بشخصيات أجنبية من الغرب والشرق أُدرجت في كتب التاريخ على أنها من الشخصيات التي أثرت في المجتمعات، من خلال تغليفها ببطولات وهمية وإنجازات إنسانية، ليس لها علاقة بالواقع التاريخي ولا بالقيم الإنسانية والأخلاق. ومن هذه الشخصيات كولمبس وماجلان وشكسبير وغاندي وآينشتاين ونابليون وبوذا وماوتسي تونغ وماركس ولينين وداروين وستالين وروسو ومكيافيلي وغيرها مئات الشخصيات التي صوروها بطريقة تثير الأعجاب إلى درجة التقديس، ومثلها شخصيات من عالم الفنون المختلفة (خاصة السينما والغناء والموسيقى والرقص) وكرة القدم وغيرها.

في الجزء الثاني سيكون الحديث عن القضايا التي تتعلق بالمرأة. (يتبع).

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى