أخبار رئيسيةعرب ودولي

مضيق هرمز بين السيطرة العسكرية وعودة الملاحة التجارية

بين إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة باتت تسيطر بالكامل على مضيق هرمز، وبين استمرار الانخفاض الحاد في حركة السفن، يبرز تحدٍ أساسي أمام واشنطن: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى ممر تجاري آمن يعيد شريان الطاقة العالمي إلى نشاطه المعتاد؟

وقال ترامب إن الحصار البحري الأميركي، الذي وصفه بـ«الجدار الفولاذي»، منح الولايات المتحدة السيطرة الكاملة على المضيق، مؤكداً أن هذه السيطرة ستستمر، وأن إيران لم تعد قادرة على تغيير المعادلة.

وفي موازاة ذلك، أعلنت القوات الأميركية تحويل مسارات عشرات السفن التجارية، وتعطيل ثلاث سفن واقتحام سفينتين، ضمن عمليات فرض الحصار على إيران ومراقبة الالتزام به.

لكن أرقام حركة الملاحة تعكس واقعاً أكثر تعقيداً، إذ لا تزال حركة السفن بعيدة جداً عن مستويات ما قبل الحرب، ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاح واشنطن في استعادة الحركة التجارية الطبيعية عبر المضيق.

14 سفينة فقط عبرت المضيق

بحسب بيانات أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، عبرت 14 سفينة مضيق هرمز يوم الثلاثاء، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب.

وأوضحت الصحيفة أن 11 من هذه السفن استخدمت المسار الذي تديره إيران، فيما ظل استخدام الممر المحاذي لسلطنة عُمان، والذي توفر له الولايات المتحدة الحماية، محدوداً.

وتشير بيانات أخرى إلى تراجع مماثل. فقد نقلت رويترز عن منصة «كبلر» لتحليل حركة التجارة أن عدد السفن التي عبرت المضيق الثلاثاء بلغ ثماني سفن فقط، مقابل متوسط تراوح بين 130 و140 سفينة يومياً قبل الحرب. ويعود الاختلاف بين الرقمين إلى تفاوت منهجيات الرصد وتصنيف السفن والفترات الزمنية التي تعتمدها كل جهة.

وكانت الحركة قد تراجعت إلى ست سفن فقط يوم الإثنين، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 11 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة السابقة.

أما على المستوى الشهري، فسجلت حركة الملاحة نحو 26 سفينة يومياً خلال يوليو، مقابل 33 سفينة في يونيو، في مؤشر على استمرار الفجوة الكبيرة مقارنة بالمستويات المعتادة.

لماذا تتردد شركات الشحن؟

لا يرتبط قرار شركات الشحن بالوجود العسكري الأميركي وحده، إذ تدخل عوامل أمنية واقتصادية عدة في حسابات ملاك السفن وأطقمها.

وتشمل هذه العوامل مخاطر الصواريخ والمسيّرات والألغام البحرية، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، فضلاً عن المخاوف من التعرض لهجمات أو الاحتجاز.

وبحسب «وول ستريت جورنال»، تفضل بعض السفن استخدام المسارات الخاضعة لترتيبات إيرانية، بينما تعمد سفن أخرى إلى إيقاف أجهزة التعريف الآلي لتقليل فرص رصدها.

كما أدت الحرب إلى ارتفاع كبير في أقساط التأمين، حتى أصبحت تكلفة عبور بعض السفن تصل إلى ملايين الدولارات، في وقت لا يزال فيه مئات البحارة والسفن عالقين داخل الخليج أو مترددين في دخوله.

وبالتالي، فإن إعلان وجود ممر آمن لا يكفي وحده لإعادة شركات الملاحة إلى المضيق. فالعودة الواسعة تتطلب ضمانات عملية، تشمل استقرار الوضع الأمني، وتراجع الهجمات، وتوفير تغطية تأمينية مقبولة، إلى جانب وضوح قواعد العبور والجهة المسؤولة عن حماية السفن.

السيطرة العسكرية ليست كافية

تمتلك البحرية الأميركية قدرات كبيرة لمراقبة المضيق ومرافقة السفن واعتراض القطع التي تخالف الحصار، لكن التحدي الأهم أمام واشنطن يتجاوز السيطرة العسكرية إلى استعادة ثقة قطاع الشحن.

وتواجه الولايات المتحدة مهمة مزدوجة: منع إيران من تعطيل حركة الملاحة، وفي الوقت نفسه إقناع شركات الشحن بأن استخدام الممر الذي تحميه القوات الأميركية لن يعرّض سفنها وأطقمها لمخاطر إضافية.

وتتداخل هذه الحسابات مع الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بشأن التوصل إلى تفاهم مؤقت حول الملاحة. ففي حين تتهم الولايات المتحدة إيران بعدم الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بإعادة فتح المضيق، تقول طهران إن الجانب الأميركي لم ينفذ مطالبه المرتبطة بتخفيف الحصار والإفراج عن أموال إيرانية.

وهكذا، فإن إعلان ترامب عن السيطرة الكاملة على مضيق هرمز قد يمثل بداية الاختبار الفعلي وليس نهايته. فالمؤشر الأهم على نجاح الاستراتيجية الأميركية لن يكون عدد السفن التي تعترضها القوات الأميركية، بل عدد السفن التجارية التي تعود إلى المضيق وتستخدم الممر الذي توفر واشنطن الحماية له.

وإذا تمكنت حركة الملاحة من الاقتراب مجدداً من مستويات تتجاوز 130 سفينة يومياً، فسيكون بالإمكان القول إن «الجدار الفولاذي» تحول من تفوق عسكري إلى سيطرة تشغيلية فعلية على أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى