أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (296) بين التعايش مع الواقع وبين تغيير

نموذج التجربة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

حامد اغبارية

 

1)

في خضمّ الأحداث التي عصفت بالأمة، وما تزال، منذ ما يزيد على مائة سنة، تحاول أن تفهم سبب التراجع والهوان الذي أصابنا، لنجد أنفسنا ليس فقط في ذيل الأمم، وإنما في حالة يُرثى لها، حيثُ نُطحنُ بين مطرقة الأعداء وسندان المنبطحين والمخذّلين والمستسلمين من المحسوبين علينا!

ولعلّ التفسير الأهم، وربما الوحيد لهذه الحال هو حرف بوصلة رسالة الإسلام عن وُجهتها. هكذا بكلّ بساطة، بكلّ صعوبة!!

2)

تعال الآن نسأل السؤال السهل/ الصعب: لأي شيء جاءت رسالة الإسلام؟ لأجل ماذا بعث الله تعالى رسولا وأنزل قرآنا؟

لقد جاء الإسلام لتغيير الواقع وليس للتعايش معه والتأقلم مع تقلباته!

جاء الإسلام ليضع حدا للنزيف الأخلاقي والقيمي الذي غرقت فيه الإنسانية، وليُخرج الناس من حالة التناقضات إلى وضعية الاستقرار والثبات على طريق واحد يلتقي فيه خيار الناس على منهج سويّ يقلِبون به الموازين التي سادت المجتمعات، ويقلِبون الطاولة على رؤوس الذين استنزفوا طاقات البشرية خدمة لمصالحهم، وإشباعا لغريزة جشعهم، في أجواء من الظلم والبطش والإيذاء والاستعلاء والاستغلال القبيح.

3)

تخيّل معي لو أن مفهومنا للإسلام أنه جاء للتعايش مع الواقع والبحث عن مكان آمن فيه، نأكل ونشرب ونتكاثر. فما هو التغيير الذي أحدثه؟!

وما الحاجة، إذن، لكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك الثلة الصادقة من الصحابة الكرام؟! ما فائدة كل التضحيات التي قدموها، لو أن الإسلام جاء من أجل التعايش مع الواقع لا من أجل تغييره؟ وهل كان يمكن لرسالة الإسلام أن تُحدث التغيير الذي سجّله التاريخ، لو أنه اختار التعايش مع الواقع الذي نشأ فيه أوّلَ ما نشأ؟!

في المحطات الفارقة من تاريخ رسالة الإسلام كان الجواب: لا للتعايش مع الواقع، إنما جئنا لنغيره. ولقد سجّل التّاريخ، وسجّلت السّيرة النّبوية أول لحظة فارقة أسقطت أسوار التعايش مع الواقع الصعب، وحطّمت أغلاله: {والله يا عمُّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته}. قالها النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمّه أبي طالب، بينما جيوش الكفر تحيط به من كل جانب، وضغوط (الواقع) تمارَس عليه من كل جهة؛ من أهله (من الداخل) ومن المشركين (من الخارج): “إن كنتَ إنّما تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به مُلكًا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه…”!! قالها ممثل قوى الباطل؛ عُتبة بن ربيعة للنبيّ عليه الصلاة والسلام، وهي مقولة ما تزال إلى اليوم علامة فارقة بين من سقطوا في شِباكِها، وبين من داسوها تحت أقدامهم.

4)

كانت هذه ذروة الثبات على المبدأ، في أصعب الظروف وفي أكثر اللحظات حرجا، وعدم الرضوخ لضغط الواقع وفلسفته وتمييعه واختلاق مبرراته…

تخيّل لو أنه صلى الله عليه وسلم قال- حاشاه: نعم، نتعايش مع الواقع لفترة ما، فالوضع الآن صعب، والظروف قاهرة، ثم نرى ما يكون بعد ذلك، نتحيّن الفرصة، فربما تسنح في لحظة ما ننتهزها!

لو وقع هذا فإلى أين كانت ستصل قافلة الرسالة؟!

لقد كان هذا الموقف العظيم (المبدأي) كلمةَ الفصل التي غيرت وجه التاريخ ومسيرته، مع إدراك تام أنَّ لهذا ثمنا وتضحيات جسامًا. وكان تطبيقا لقوله تعالى في سورة “هود”: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113)}. وقوله سبحانه: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} (الإسراء: 73). وفي قوله: {فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (الشورى: 15)، وفي قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً} (المزمل: 10)، وفي قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ } (المائدة: 67)، وفي قوله جل جلاله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} (الأحزاب: 39)، وفي قوله جل شأنه: {وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ} (الأنعام: 116).

5)

إنها الاستقامة على أمر الله، فلا ركون إلى الذين ظلموا، ولا خضوع للضغوط والإغراءات، ولا اتّباع لأهواء شياطين الإنس. وإنّه الصبر على حمل رسالة التغيير، وهجران ما دون ذلك، وإلا فإنه لو رضخ واستسلم للواقع، وبحث عن التعايش معه، ولو اختار منهج السلامة، ولو أطاع أكثر أهل الأرض من معسكرات الشرّ على اختلاف أنواعها ومشاربها وأيديولوجياتها وعقائدها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية لأضلوه عن السبيل، ولما نجح في تبليغ رسالة ربّه كما ينبغي.

6)

وإننا لو راجعنا تاريخ الأمة من لحظة نزول الوحي إلى يومنا هذا لوجدنا مشهدين يمكن أن فهم منهما الصورة الكاملة:

المشهد الأول نرى فيه أن الأمة ارتقت وسادت وتمددت ودانت لها الأمم، حين ثبتت على الطريق، وحملت رسالة التغيير.

والمشهد الثاني نرى فيه الأمة نكصت وتراجعت وانكمشت وذلّت وهانت، حين اختارت التعايش مع الواقع والتنازل عن رسالة التغيير.

ويستطيع أي باحث في التاريخ أن يدرس هذه المسألة من لحظة ثبات أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، على موقفه في محاربة المرتدّين، رغم ضغط الواقع والحالة السياسية الصعبة وارتباك المشهد، مرورا بلحظة استسلام الخليفة العباسي المستعصم للواقع الذي فرضته سطوة التتار، وصولا إلى محميّات سايكس- بيكو التي لم تستسلم للواقع وحسب، وإنما رفعت الراية البيضاء فوق كل سارية، وكانت خنجرا في خاصرة الأمة وطعنة في ظهرها بحجة أنها لا تستطيع واجهة الواقع الذي فرضته القوى الكبرى!!

7)

وماذا عنا نحن؟!

في واقع من اختلاط الأوراق والمفاهيم، وهيمنة مشهد الاستسلام للواقع الذي فرضته قوى الاستعمار (الفكري والعسكري) على بلاد المسلمين، خاصة في بلاد الشام، وعلى الأخص في فلسطين (التي هي عندي مدار كل ساكن ومتحرك فوق هذا الكوكب)، ظهرت الصحوة الإسلامية في تجربة غير مسبوقة بعد نحو ثلاثة عقود من إيقاع النكبة على شعبنا. ظهرت وهي تحمل راية التغيير التي جاء بها الإسلام من لحظته الأولى في غار حراء. كانت راية تغيير للواقع الذي ساد مجتمع الداخل في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسلوكية والسياسية والفكرية والعقائدية والاقتصادية والفردية والجمعية. فعلت ذلك في سنواتها الأولى وهي تقرأ الواقع وتفكك عُقدَهُ كي تدرس وسائل تغييره، لكنّها لم تستسلم له. والفرق شاسع بين أن تستسلم للواقع وبين أن تدرسه من أجل أن تضع الأسس الصحيحة لتغييره. وكانت الصحوة الإسلامية في الداخل تدرك تمام الإدراك أن الطريق شائك، مليء بالعقبات، ممهور بالتضحيات، وأن استهدافها كائن لا محالة من الداخل والخارج، لكنها مضت دون أن تلتفت إلى الوراء، حتى جاءت لحظة تاريخية حاسمة…

8)

تخيّل معي لو أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم ينشرح صدره لرأي أبي بكر رضي الله عنه في لحظة الحوار التاريخي بينهما في مسألة المرتدين. هذا الموقف يمكن أن يشرح لك المشهد الحالي. لو أن عمر رضي الله عنه أصر على موقفه لانشقّ صف المسلمين ولذهب كل فريق في طريق. كانت المسألة مصيرية؛ تحدّد مستقبل رسالة الإسلام: هل هي رسالة تعايش مع الواقع ورضوخ له، أم رسالة تغيير للواقع؟!

9)

أما ما حدث عندنا فإن لحظة تاريخية حاسمة عصفت بالصّحوة الإسلامية في الداخل حين اختار فريقٌ السيرَ في طريق التعايش مع الواقع إلى درجة الاستسلام التام له، فكانت النتيجة ما نرى وما نسمع. فريق اختار منهج السلامة، وهو يظن أنه بذلك يحمي نفسه ويضرب حوله “سياجا” يمنع افتراسه، ويحقق به ما توهم تحقيقه. وفريق اختار مواصلة الطريق الذي من أجله جاء، وهو تغيير الواقع، سائرا على طريق سلامة المنهج، رغم علمه بأنه يرتقي مرتقًى صعبًا، وأن الأثمان ستكون باهظة.

10)

في مسألة التمايز بين الفريقين، ودون تنطّع أو تعصّب لموقف، وبعيدا عن الانتصار للذّات: في قراءة نتائج كل طريق من الطريقين ومآلاته، أي منهما يصحّ أن يقال إنه حافظ على مبدأ: “لو وضعوا الشمس في يميني..”، ومبدأ: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا…}، ومبدأ: {فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}؟! فأي الفريقين أحق أن يُتّبع؟!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى