عرب الـ”مع” انتخابات الكنيست وعرب الـ”ضد” وأكذوبة المساواة

الإعلامي أحمد حازم
يوجد مثل عربي يقول: “شرّ البلية ما يضحك”. والمقصود هنا ليس الضحك انطلاقًا من الإيجابية، بل العكس تمامًا، أي بسبب السلبية. والحديث بشكل عام، في هذه الأيام، في الشارعين العربي واليهودي، يدور حول انتخابات الكنيست المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام. والملفت للنظر، وكالعادة طبعًا في كل انتخابات كنيست، الحركة النشطة جدًا للأحزاب العربية الموالية للكنيست، الذي صوّت لعشرات القوانين العنصرية ضد عرب هذه الدولة، التي اختارت لهم اسم “عرب إسرائيل” في محاولة لتجريدهم من فلسطينيتهم.
الذين يدعمون انتخابات الكنيست، لم يفهموا بعد أن هذه الدولة هي دولة يهودية فقط، وأنهم، أي “عرب إسرائيل”، موجودون لتجميل وجهها، لا أكثر ولا أقل.
ألم يسمع هؤلاء بقانون القومية الذي وافق عليه الكنيست في 19 يوليو/تموز 2018، وهو قانون أساس ينص على أن إسرائيل هي الوطن القومي لليهود، ويحدد حق تقرير المصير فيها لليهود حصريًا، وليس لكل المواطنين، مما أثار انتقادات واسعة بسبب تكريسه الفوقية اليهودية وتهميشه للحقوق الوطنية والمدنية للفلسطينيين؟ وعلى فكرة، وافق على هذا القانون عضو الكنيست منصور عباس، رئيس “القائمة العربية الموحدة”، الذي يؤيد الدخول في ائتلاف حكومي.
هم يقولون، وبكل وقاحة: “إن هذه الدولة يهودية”، فلماذا الركض وراءهم في وقت يتجاهلوننا؟ هم يتحدثون كذبًا في الخارج، وأحيانًا في الداخل، عن المساواة في هذه الدولة. وهم يعرفون تمامًا أنهم غارقون حتى رؤوسهم في العنصرية. وهناك فرق كبير بين الواقع والدعاية. والماكينة الإعلامية في هذه الدولة “شغّالة” على الكذب بكل أنواعه، ولا سيما في عهد نتنياهو.
المستفيد فقط من الوجود العربي في الكنيست هو إسرائيل بالدرجة الأولى، وأعضاء الكنيست العرب بالدرجة الثانية. لماذا؟ إسرائيل تتحدث إلى أوروبا وأمريكا عن المساواة في المجتمع الإسرائيلي، وأن “كل شيء سمن بعسل”، والكنيست مثال على ذلك، ففيه عرب ويهود. وأعضاء الكنيست العرب يجنون الملايين من وراء عضويتهم في هذا المنبر.
حتى في انتخابات الكنيست، اختلف هؤلاء الـ”مع”. لم يختلفوا على كيفية “خدمة” المواطن العربي، بل على توزيع المقاعد والمناصب. اليهودي في الكنيست يخدم ناخبيه ودولته، لكن العربي في الكنيست يخدم من؟ الجواب واضح مثل وضوح الشمس: هذا الوجود العربي يجمّل الوجه العنصري لهذه الدولة.
منذ عشرات السنوات، يتحدثون عن تأسيس جامعة عربية للمجتمع العربي، ولم يتحقق ذلك حتى الآن. منصور عباس “بدو شوية مصاري يسكت العرب”، مقابل كمّ الأفواه عن القضايا الحساسة، ومقابل مواقف تخدم اليمين، مثل الخدمة المدنية وقانون القومية وغيرهما، والأمثلة عديدة على ذلك.
تاريخ انتخابات إسرائيل يقول إن حركة مقاطعة انتخابات الكنيست كانت كبيرة طوال العقود الأخيرة، وقد بلغت ذروتها في انتخابات عام 2001، عقب انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث كانت نسبة المشاركة في تلك الانتخابات 18%، أي إن 82% قاطعوا الانتخابات. والملاحظ، حسب المعلومات المتوفرة، أن نسبة مشاركة العرب في انتخابات الكنيست، منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 حتى عام 2013، كانت في تناقص دائم، بينما كانت نسبة المقاطعين في ازدياد دائم.
عضو الكنيست أيمن عودة يقول، في دراسة له بعنوان “حول انتخابات الكنيست والمواطنين العرب”: “يمكن الإشارة إلى ميزتين أساسيتين في تصويت المواطنين العرب: الأولى، هي الهبوط الدائم بشكل عام؛ ففي السنوات 1949–1969 تراوحت نسبة التصويت بين 80% و90%. وفي السنوات 1973–1999 تراوحت بين 68% و78%، وقد هبطت نسبة التصويت بشكل حاد في ثلاث جولات انتخابية: في العام 2003 بلغت 62%؛ وفي العام 2006 بلغت 56%؛ وفي انتخابات 2009 بلغت 53%”. وقد بلغت النسبة في انتخابات عام 2013 نحو 56%.
وتقترب نسبة مقاطعة انتخابات الكنيست في المجتمع العربي من النصف؛ إذ بلغت نسبة التصويت في آخر انتخابات تشريعية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، 53.2% فقط، مما يعني أن 46.8% من الناخبين العرب قاطعوا الاقتراع. وتشير تقديرات واستطلاعات الرأي للانتخابات القادمة، المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، والمعلومات المتوفرة، إلى استمرار هذا الاتجاه، كما أن نسبة المشاركة المتوقعة في هذه الدورة تتأرجح بين 52.4% و53%.
وتتأرجح دوافع المقاطعة، كما تقول المعلومات، بين أسباب أيديولوجية مبدئية وأخرى ناتجة عن الإحباط العام. فهناك تيار يرفض شرعية الكنيست ويعتبره مؤسسة صهيونية لا تمثله، ويرى أن المشاركة تمنح “غطاءً ديمقراطيًا” للسياسات الإسرائيلية. وهناك شريحة واسعة تشعر باليأس من ممارسات الأحزاب العربية، إضافة إلى قناعة الكثيرين، خاصة جيل الشباب، بأن نوابهم لا يملكون القدرة على حل الأزمات الداخلية الملحّة، مثل تفشي الجريمة والعنف، وأزمات السكن، وتدني الميزانيات. ويبدو بشكل واضح من هذه المعطيات والحقائق أن حركة مقاطعة انتخابات الكنيست كانت ولا تزال حركة قوية بين فلسطينيي الـ48.