كيف تمدد الإرهاب المنظم في الضفة الغربية؟

تبحث دراسة الباحث الفلسطيني صالح النعامي،”من البؤر الاستيطانية إلى وحدات مسلحة.. كيف تشكل الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية؟” ، في الأرضية التنظيمية والفكرية التي أنتجت التشكيلات الاستيطانية المسؤولة عن تصاعد الاعتداءات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتتابع نشأة هذه التشكيلات وتطورها وآليات عملها، مع التركيز على ثلاثة نماذج رئيسية: “فتية التلال”، و”التمرد”، و”وحدات الدفاع والاستنفار الاستيطانية”.
وتبدأ الدراسة من مؤشر كمي لافت: ارتفع عدد اعتداءات المستوطنين من 221 حادثة عام 2016 إلى أكثر من 1800 حادثة عام 2025، أي بزيادة تقدر بنحو 800%. كما أصبح العنف أكثر فتكًا؛ ففي النصف الأول من 2026 وحده قتل 16 فلسطينيًا في اعتداءات مستوطنين، مقابل فلسطينيين اثنين فقط طوال عام 2016. وترى الدراسة أن هذه الزيادة لا تعكس مجرد انفلات فردي، بل صعود بنى تنظيمية وفكرية متماسكة نسبيًا توفر للعنف الاستيطاني دوافع ووسائل وحماية.
“فتية التلال”.. من دعوة شارون إلى تنظيم الأرض بالقوة
تعود الدراسة بجذور “فتية التلال” إلى أواخر التسعينيات، وتحديدًا إلى ما بعد مذكرة “واي ريفر” عام 1998. ففي ذلك الوقت دعا أرئيل شارون، وكان وزيرًا للخارجية، شباب المستوطنات إلى السيطرة على التلال قبل انتقال أراضٍ من السيطرة الإسرائيلية الكاملة إلى ترتيبات أخرى مع السلطة الفلسطينية، قائلاً: “اركضوا واحتلوا التلال… كل ما نأخذه سيكون بأيدينا”. وبعد هذه الدعوة أقيمت 14 بؤرة استيطانية “غير قانونية” قبل نهاية العام نفسه.
لكن التشكيل لم يتبلور بصورة منظمة إلا ابتداء من 2002، حين بدأ عشرات الشبان بإقامة بؤر استيطانية بصورة منهجية في أنحاء الضفة الغربية، في سياق الرد على عمليات المقاومة خلال انتفاضة الأقصى. ومن هنا ظهر لاحقًا اسم “فتية التلال” لوصف المستوطنين الذين يعيشون في بؤر نائية ومعزولة وغالبًا غير قانونية.
وتوضح الدراسة أن المنتسبين إلى هذا التيار يأتون من فئتين عمريتين واجتماعيتين: مراهقون بين 15 و18 عامًا، وشبان أنهوا تعليمهم الديني أو خدمتهم العسكرية؛ كما ينقسمون اجتماعيًا بين أبناء الجيلين الثاني والثالث من المستوطنين، وشبان وافدين من المدن الإسرائيلية، ينتمي كثير منهم إلى شرائح اجتماعية واقتصادية ضعيفة أو متوسطة، بعد انفصالهم عن أسرهم أو تسربهم من التعليم.
وترى الدراسة أن خطة فك الارتباط عن غزة عام 2005 كانت نقطة التحول الكبرى في هوية “فتية التلال”. فقد أنتجت لديهم تصورًا مناهضًا للمؤسسة الرسمية نفسها، بعدما رأوا أن الحكومة والجيش قادران على تفكيك مستوطنات وإخلاء مستوطنين. ومنذ ذلك الوقت لم يعد التيار مجرد تجمع فضفاض لبناء البؤر، بل أصبح حركة أيديولوجية تواجه الفلسطينيين والدولة الإسرائيلية معًا عندما ترى أن الأخيرة قد تتراجع عن المشروع الاستيطاني.
الغطاء الفكري للعنف
تربط الدراسة صعود “فتية التلال” أيضًا بأفكار دينية خلاصية، أو مسيانية، تتبناها مرجعيات دينية متطرفة، أبرزها الحاخام يتسحاك غينزبرغ. وترى أن قطاعات من المنتسبين إلى “فتية التلال” تأثرت كذلك بأفكار حركة “كاخ” التي أسسها مائير كاهانا، والتي دعت صراحة إلى طرد الفلسطينيين.
وتكمن خطورة هذا البعد في أن بعض أتباع هذه التيارات لا ينظرون إلى الفوضى والعنف باعتبارهما مجرد أدوات سياسية أو أمنية، بل يربطونهما بتسريع “الخلاص” وظهور المخلّص المنتظر. وبهذا يتحول الاعتداء على الفلسطينيين من فعل انتقامي أو استيطاني إلى ممارسة تمنحها بعض المرجعيات الدينية معنى عقديًا وأخرويًا.
“تدفيع الثمن”.. العنف لردع الفلسطيني والدولة والجيش
بعد سنوات من التركيز على إقامة البؤر، طوّر “فتية التلال” آليات أكثر تنظيمًا، أهمها عمليات “تدفيع الثمن” وإقامة المزارع الاستيطانية.
وتشرح الدراسة أن فلسفة “تدفيع الثمن” تقوم على ما تسميه “الردع الثلاثي”: ردع الفلسطينيين عن مقاومة إقامة البؤر، وردع الحكومة الإسرائيلية عن اتخاذ قرارات بإخلائها، وردع الجيش نفسه عن تنفيذ أوامر الإخلاء.
ولهذا لم تقتصر الاعتداءات على الفلسطينيين، بل استُخدم العنف كذلك رسالة إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية نفسها. وتنوعت العمليات بين رشق المنازل بالحجارة، والاعتداء على المزارعين، وإحراق الحقول، واقتلاع الزيتون، وإحراق المنازل والسيارات وإطلاق النار، فضلًا عن استهداف المساجد والكنائس. وتشير الدراسة إلى تعرض 45 مسجدًا لاعتداءات مستوطنين خلال عام 2025 وحده.
المزارع الاستيطانية.. الأرض أكبر من المستوطنة
تولي الدراسة اهتمامًا خاصًا لما تسميه المزارع الاستيطانية، لأنها تعتبرها الأداة الأكثر فاعلية في السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.
بدأ هذا النمط، بحسب الورقة، كرد على خطة سلام فياض عام 2009 لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. واتجه “فتية التلال” إلى إقامة مزارع في المنطقة “ج”، التي تمثل نحو 60% من الضفة الغربية، لا داخل التجمعات الاستيطانية القائمة فحسب، بل قرب القرى والبلدات الفلسطينية.
والهدف ليس زراعيًا بالمعنى التقليدي؛ فهذه المزارع تستخدم لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، ثم تحويل الأراضي إلى حقول أو مراعي تحت سيطرة المستوطنين، فضلًا عن استخدامها قواعد انطلاق للاعتداء على القرى المجاورة ودفع سكانها إلى الرحيل.
وتكشف الأرقام التي توردها الدراسة أهمية هذه الأداة: حتى يونيو/حزيران 2026 أقام “فتية التلال” 156 بؤرة استيطانية، لكنهم أقاموا في الوقت نفسه 204 مزارع استيطانية. والأخطر أن هذه المزارع تنتشر على نحو مليوني دونم من الضفة الغربية، أي ما يعادل أربعة أضعاف المساحة التي تقوم عليها جميع المستوطنات.
وتربط الدراسة بين هذه المزارع والتهجير المباشر؛ إذ تشير إلى أن اعتداءات مستوطني مزرعة “ميتاريم” جنوب جبل الخليل أدت إلى تهجير جميع سكان خربة زاتونة.
من عنف استيطاني إلى مشروع لإسقاط الدولة
التشكيل الثاني الذي تناقشه الدراسة هو تنظيم “التمرد”، الذي ظهر عام 2013 من داخل بيئة “فتية التلال”، وقاده مائير إيتنغر، حفيد مائير كاهانا.
ويمثل “التمرد” تطورًا نوعيًا؛ فبعكس الطابع الفضفاض لـ”فتية التلال”، كان تنظيمًا أكثر مركزية، له قيادة واحدة ومنطلق أيديولوجي وخطة عملية واضحة.
وبحسب بيانات “الشاباك” التي تعتمد عليها الدراسة، لم يكن هدفه مجرد توسيع الاستيطان أو الاعتداء على الفلسطينيين، بل تغيير النظام السياسي في إسرائيل وإقامة “دولة شريعة” دينية، عبر نشر الفوضى والعنف بواسطة هجمات ضد الفلسطينيين ومقدساتهم الإسلامية والمسيحية.
وصاغ التنظيم منطلقاته الفكرية عام 2013 وخطته التنفيذية في 2014، ثم بدأ بإحراق ممتلكات فلسطينية ومنازل مأهولة، واستهداف المسيحيين والكنائس. ومن أبرز عملياته إحراق كنيسة “الخبز والسمك” عام 2015، ثم إحراق منزل عائلة دوابشة في قرية دوما، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من أفراد الأسرة وإصابة طفل بجروح خطيرة. وبعد حملة أمنية إسرائيلية واسعة ضد عناصره، توقف ظهور اسمه في العمليات منذ مطلع 2016.
الأخطر: عندما يصبح المستوطن جزءًا من الجيش
تعتبر الدراسة وحدات الدفاع والاستنفار الاستيطانية أخطر التشكيلات التي تتناولها، لأن أعضاءها لا يتحركون خارج المؤسسة الرسمية، بل داخل إطار عسكري قانوني.
كان الجيش الإسرائيلي قد خصص قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 2500 جندي احتياط لحماية المستوطنات النائية. وبعد السابع من أكتوبر جند 5500 مستوطن إضافي، وخاصة من “فتية التلال”، في وحدات الاحتياط المسؤولة عن حماية المستوطنات والبؤر والمزارع.
وهنا ترى الدراسة أن الخط الفاصل بين المستوطن المسلح والجندي الرسمي بدأ يختفي.
فبحسب تحقيقات إسرائيلية تستشهد بها الورقة، شارك بعض المنتسبين إلى هذه الوحدات في إطلاق النار على الفلسطينيين وضربهم ورشقهم بالحجارة، وبعضهم سبق أن اعترف أمام النيابة بالمشاركة في سرقات واعتداءات.
وتعتبر الدراسة أن الجيش منح بذلك عناصر من “فتية التلال” غطاء قانونيًا وصلاحيات أمنية رسمية لممارسة العنف في مناطق إقامتهم.
وتكشف الدراسة أيضًا أن أنشطة هذه الوحدات لا تقتصر على محيط المستوطنات، بل تمتد إلى داخل وتخوم القرى الفلسطينية. وتورد مثال الحاخام ليفي فاينلط، أحد قادة هذه الوحدات، الذي سبق أن فرضت عليه إدارة جو بايدن عقوبات بسبب قيادته مجموعات من المستوطنين التي أقامت حواجز للبحث عن فلسطينيين والاعتداء عليهم.
ولهذا تصف الورقة هذه الوحدات بأنها الأخطر؛ لأنها تجمع في الشخص نفسه بين أيديولوجيا المستوطن المتطرف وسلاح وصلاحيات المؤسسة العسكرية.
كيف تصاعدت الاعتداءات؟
تقدم الدراسة سلسلة زمنية توضح التحول الكمي في العنف الاستيطاني. فقد بلغ عدد الحوادث 221 عام 2016، ثم انخفض قليلًا إلى 175 في 2017، قبل أن يبدأ في الارتفاع المتواصل تقريبًا: 217 في 2018، و343 في 2019، و358 في 2020، و496 في 2021، ثم 849 في 2022، و1229 في 2023، و1400 في 2024، وصولًا إلى 1800 في 2025.
ولا ترى الدراسة هذه الزيادة مجرد انعكاس لارتفاع عدد المستوطنين، بل نتيجة تحول البيئة السياسية والدينية والعسكرية التي تعمل فيها هذه التشكيلات.
ثلاثة عوامل وراء الصعود
تحصر الورقة العوامل الرئيسية في ثلاثة
الأول هو الدعم الديني والفكري؛ إذ انخرط حاخامات ومرجعيات دينية في تأصيل العنف ومنحه شرعية دينية، وبرز يتسحاك غينزبرغ خصوصًا باعتباره أحد أهم المرجعيات الفكرية لـ”فتية التلال” و”التمرد”.
والثاني هو التحول السياسي بعد انتخابات 2022، التي أوصلت إلى الحكومة أحزابًا تتقاطع مع أهداف هذه التشكيلات، وعلى رأسها “الصهيونية الدينية” و”القوة اليهودية”، ولاسيما في ما يتعلق بضم الضفة وحسم مستقبلها لصالح إسرائيل.
أما العامل الثالث فهو تعاظم حضور التيار الديني القومي المتطرف داخل المستويات القيادية في الجيش الإسرائيلي، وخاصة الضباط الذين تخرجوا من مؤسسات دينية في مستوطنات الضفة، بما أدى، وفق الدراسة، إلى زيادة التعاطف داخل المؤسسة العسكرية مع هذه التشكيلات.
الخلاصة
الخيط الأهم الذي ترسمه الدراسة هو أن هذه التشكيلات لم تعد جماعات هامشية تعمل بعيدًا عن الدولة.
بدأ المسار بمستوطنين شباب يقيمون بؤرًا “غير قانونية” على التلال، ثم انتقل إلى عنف “تدفيع الثمن”، ثم إلى المزارع التي تسمح بالسيطرة على مساحات هائلة من الأرض، ثم ظهر تنظيم “التمرد” بمشروع ديني سياسي صريح، وأخيرًا دخل بعض عناصر هذه البيئة إلى وحدات عسكرية رسمية تمنحهم السلاح والصفة القانونية.
وبهذا تصبح الظاهرة، وفق الدراسة، شبكة متداخلة بين العقيدة الدينية المتطرفة، والمشروع الاستيطاني، والدعم السياسي، والتغلغل داخل المؤسسة العسكرية.
وتخلص الورقة إلى أن هذه التشكيلات تمثل تهديدًا مباشرًا للوجود الفلسطيني في الضفة، ليس فقط بسبب العنف ضد المدنيين، وإنما لأن العنف نفسه يؤدي وظيفة جغرافية وسياسية: إخلاء الفلسطينيين من أراضيهم، السيطرة على مساحات أكبر، وتغيير الواقع الديمغرافي على الأرض. وترجح أن يتفاقم هذا الخطر مع استمرار الغطاء السياسي والعسكري الإسرائيلي، وغياب موقف دولي وإقليمي قادر على كبحه.
