من هنا نبدأ

الشيخ رائد صلاح
نحن الآن في الداخل الفلسطيني مجتمع سائل، يصلح أن يقال عنه هو لا مجتمع، وهو تجمع أفراد يزيد عددهم عن مليونين، ومع شديد الأسف يفرق بينهم الفردانية، وكأن لسان حال كل واحد منهم يقول: نفسي نفسي، أو مصلحتي الشخصية، وليكن بعدها الطوفان، أو لتخرب البصرة ولأعش أنا.
ولذلك فقد تلاشت الأصول التي تجعل من مجتمعنا مجتمعًا. ويوم أن تلاشت، فقد تحول مجتمعنا إلى مجرد تجمع أفراد، يفتقرون إلى التواصل بينهم، وإلى التماسك، وإلى وحدة الهم الواحد، والألم الواحد، والمصير الواحد، إلا من شعارات قد نسمعها في المناسبات المختلفة، أو قد نقرأ عنها في بعض المقالات اليتيمة، أو قد نطرب لها في قصيدة شعرية.
ولأننا كذلك، فإن ما يميز سلوكياتنا هو العجب العجاب. فيكفي لجورج وسوف أو كاظم الساهر أن يعلن عن حفل غنائي في قُطر عربي شقيق، حتى يتوافد عشرات الآلاف من أبناء مجتمعنا، ليتوسدوا الصف الأول في هذا الحفل الغنائي! وقد يضطر أحدهم أن يقترض من السوق السوداء حتى لا يفوته هذا الحفل المصيريّ! وقد تتعارك جموع الزاحفين إلى هذا الحفل الخالد بالأيدي! وقد تسيل دماء بعضهم عند المعابر شرقًا وغربًا وبرًا وبحرًا وجوًا، خوفًا أن تفوتهم فرصة المشاركة في هذا الحفل البهيج!!
ثم يكفي لموقع تواصل رياضي أن يعلن عن موعد مباراة كرة قدم ساخنة في إحدى بلداتنا في الداخل الفلسطيني، حتى يهرول إليها الآلاف، وحتى تعيش تلك البلدة أزمة سير خانقة لساعات طويلة، وحتى تضج أجواء تلك البلدة بصراخ المشجعين لفريقهم!!
ثم يكفي أن تعلن المدارس عن بداية العطلة الصيفية الطويلة، حتى تنساب آلاف العائلات في (شمّات هوا) لأسابيع، ما بين طابا وشرم الشيخ، مرورًا بأذربيجان والمغرب العربي وما بينهما!!
ثم يكفي لأحدنا أن يحل عليه زواج ابنه الغالي، حتى يخرج عن صوابه، وحتى يصادم تفكيره السويّ، وحتى يبيح لنفسه الانفلات في إقامة الأفراح والليالي الملاح، مستبقًا موعد العرس بعشر ليالٍ على الأقل، ومجتهدًا أن يعطي لكل ليلة من هذه الليالي اسمًا يميزها عن سائر هذه الليالي العشر، ومبيحًا لنفسه أن يسرف في التبذير في كل ليلة من هذه الليالي أكثر مما قد ينفقه في يوم العرس!! وقد يختم كل هذا الانفلات المسمى بالفرح، بدعوة احد مغني الفجور إلى حفل العرس. وهناك يحتشد الآلاف الذين يبدأون بالطواف حول هذا المغني !!
وهناك قد يتجرأ بعضهم ويطلق الرصاص، بأسلحة مختلفة، تعبيرًا عن تبجيله لهذا المغني وأغانيه الفاجرة!!
وهناك ينتشي البعض نشوة عمياء، فيغرق مع الغارقين في تناول البوركسيت والخمور، وقد يتناول ما هو أشد من ذلك!!
وهناك تتساقط أوراق المئة دولار على هذا المغني كأنها رذاذ المطر. وقد يُختتم العرس بمآسٍ، وتتفرق آلاف الحضور عن مآسٍ، كما بات معلومًا لكثير منا!!
وهذه المشاهد المضحكة المبكية التي أوردتها هي غيض من فيض مشاهد الفردانية التي غاصت في مجتمعنا حتى النخاع، وحتى تحول من مجتمع إلى تجمع أفراد، قد تجمعه المطاعم الفاخرة، ودور ماركات الأزياء الصارخة، ومنتجعات الغفلة، وسهرات الضياع، وعلب الليل، ومعابر السفر، والطائرات النفاثة، بوينغ وغيرها، والمسارح الملغومة، ومواعيد الفجور، والرسائل الهابطة المشفرة عبر مواقع التواصل، والمراكز التجارية البراقة، والحافلات الشعبية السيارة بلا توقف!!
وقد تجمعه صرخة: (وين النشاما وين؟!) في انتخابات السلطات المحلية العربية، وفي انتخابات الكنيست، ثم ما سوى ذلك هو مجتمع مفكك ممزق متنافر، ومجتمع اختفى منه ابن المجتمع البار بانتمائه الإسلامي العروبي الفلسطيني. وهو مجتمع تكاد تختفي منه الأسرة القائمة على المودة والرحمة. وهو مجتمع توارت منه أدبيات البر بالوالدين، وعلاقة التكامل في البيت الواحد بين الزوجين، وعبق الحنان الأمومي بين الأم وأولادها، وعبق العطف الأبوي بين الأب وأولاده، وعبق الأخوّة الصافية بين الإخوة الأشقاء في البيت الواحد.
وكما تحول هذا المجتمع إلى لا مجتمع، فقد تحول البيت في هذا المجتمع إلى شبه لا بيت، وقد تحولت الأسرة إلى شبه لا أسرة، وأصبحت العلاقة التي تربط بين الزوجين وأولادهما أوهى من بيت العنكبوت!
فقد ينعمون بوجبة غداء تجمع بينهم يوم الجمعة، وقد لا ينعمون بها، وقد يمر اليوم الواحد على البيت الواحد ولم يرَ بعضهم بعضًا!!
وقد يكون الوالدان قد أكلا من طعام البيت، وقد يكون الابن قد طلب وجبة بيتزا عبر النقل السريع، وقد تكون البنت قد طلبت وجبة همبرغر ساخنة متقززة من طعام أمها!!
وقد يكون الحال أشد غربة في البيت الواحد مما وصفت.
وهكذا أصبح الواحد فينا مهددًا من داخله، فهو لا يدري من هو، وهو لا يصون انتماءه ولا هويته، وهو لا يحفظ جذوره وقيمه، وهو لا يبالي إذا ضحى بلغته العربية، وبات يتفيهق بعبارات دخيلة من لغات شتى، لدرجة أن هذا الفرد المسكين بات يشعر بالنشوة والفخار إذا أكثر من استخدام العبارات الدخيلة، التي توقع علةً في الأذن، ولدرجة أنه بات يظن أن دكانه أو مكتبه أو مطعمه أو مخبزه لن يجلب له الزبائن، ولن يدر عليه الأرباح إلا إذا وضع على مدخله لافتة عملاقة بأية لغة من لغات الدنيا إلا اللغة العربية!!
وكم يصلح في هذا الفرد التائه المثل الشعبي: (ويش ينفع الكي برة والوجع جُوّة). وهكذا يتحول هذا الفرد إلى ما كنا نسميه في صفوف البستان (المعجونة). نعم، يتحول إلى معجونة قابلة أن تأخذ أي شكل في الحياة!!
وقد يرضى لنفسه هذا المشهد الذي رأيته بأم عيني قبل أيام، حيث رأيت كما يرى اليقظ، لا كما يرى النائم، في إحدى بلداتنا في الداخل الفلسطيني، شابين قد امتطى كل منهما جوادًا مزينًا حتى أقدامه، ومزودًا بإشارة الضوء التحذيرية الشرطية!! وكان خلفهما سيارة شرطة جماهيرية منعت أي سيارة أن تتجاوز ذاكين الشابين الغارقين في الخدمة المدنية في خانة الشرطة الجماهيرية!! ثم سار كل واحد منهما بجواده راقصًا على أقدامه، فكان مشهد استعراض يخطف أبصار المغفّلين، ويجذبهم كما يجذب المغناطيس برادة الحديد إلى الخدمة المدنية، كمقدمة ملغومة قد تجذبهم إلى الخدمة العسكرية، أو حتى إلى الخدمة المخابراتية!!
ولأن هذا الفرد تحول إلى معجونة قابلة أن تأخذ أي شكل افتراضي، فقد تكثر أشكال هذا الفرد، وقد تتقلب عليه هذه الأشكال، لدرجة أنه سيفقد التمييز بين الأصالة والتبعية، وبين الانتماء والميوعة، وبين الأمانة والخيانة.
ولدرجة أنه قد يتحول إلى (سنجير) في متاهات العنف الأعمى، أو قد يتحول إلى بائع مخدرات البروكسيت لطلاب المدارس، أو قد يتحول إلى جابي الديون لدى عنوان للسوق السوداء من جيوب الكثير من المتعثرين، رجالًا ونساءً، الذين أتعسهم تفكيرُهم وشهواتُهم، ومدوا أيديهم مرتجفة إلى السوق السوداء!! أو قد يتحول إلى تاجر سلاح أعمى، يوزع السلاح بكل حرية كما يوزع الخباز خبزه على الناس يوميًا.
وقد يتحول إلى عاطل عن العمل مشاغب، همه أن يركب سيارة سوداء، وأن يلبس جارزة سوداء، وقبعة سوداء، وسروالًا أسود، وأن يواصل التجوال بسيارته في شوارع بلدته إلى ما قبل صلاة الفجر بقليل، مزعجًا النيام، والمرضى، والأمهات، والرضع، والأطفال، والعمال الكادحين، وطلبة المدارس، وكأن متعته بإزعاج الآخرين!!
وهكذا بات الطالب منذ المرحلة الابتدائية في خطر، سواء كان في بيته أو في مدرسته أو في الحيز العام من بلدته.
وهكذا بات آلاف الشبان في خطر في كل بلدة من بلداتنا، حتى لو كانت متواضعة العدد، وبات كل شاب من هؤلاء الآلاف عُرضة للانحراف في كل لحظة، إلى حد أنه بات عُرضة أن يتحول إلى (طخيخ)، أو (قاتل مستأجر)، أو (جاسوس) لإحدى عصابات الجريمة في كل لحظة!!
وهكذا باتت الفتيات في فوضى مقلقة منذ المرحلة الإعدادية فصاعدًا! ويكفي لأحدنا أن يرقب حركة هؤلاء الفتيات في الشوارع، وفي محطات الحافلات، وفي مطاعم البيع السريع، وفي المتنزهات العامة، حيث يواصلن هذا الحراك الفوضوي نهارًا وليلًا!!
فأي مجتمع هذا الذي ندّعيه، والذي بات فيه الطالب في خطر، والشاب في خطر، والفتاة في خطر؟!
وهكذا باتت حصوننا المجتمعية مهددة من الداخل قبل أن تكون مهددة من الخارج، بداية من البيت والأسرة، ومرورًا بالمدرسة ورسالتها، ثم مرورًا بالحيز المجتمعي العام، ثم وصولًا إلى هذا التجمع العددي الذي يجمع بيننا ما بين الجليل، والمثلث، والنقب، والمدن الساحلية: عكا، وحيفا، ويافا، واللد، والرملة.
وهكذا بات هذا المجتمع العددي- الذي لا نزال نظن أنه لا يزال مجتمعًا- بات مفرغًا من السلوكيات الأصيلة التي كنا نفخر بها ذات يوم، بداية من صلة الأرحام، فأين هي اليوم إلا من طقوس الأعياد وطبخة رمضان؟! ومرورًا بالجيرة الصالحة بين الجار وسائر جيرانه، التي قامت ذات يوم على قاعدة: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه”، ومرورًا بالتكافل المجتمعي الذي ذهب ولم يعد، والذي تنكرت له الغالبية من هذا المجتمع العددي!! فيكفي أن تدخل بيت عزاء حتى تعلم أن أدب التعزية قد اختفى، إلا من الوجوه ذاتها قليلة العدد في كل بلداتنا.
لا، بل إن بعض الأهل ممن مات لهم ميت، باتوا يشعرون كأن بيت العزاء تحول إلى جبل فوق ظهورهم، وباتوا يقلصون عدد أيام العزاء من أصل 3 أيام إلى يومين! بل إن البعض قلصها إلى يوم يتيم، وكأن ميّتهم كان عابر سبيل بينهم!!
وفي المقابل، إذا حل عليهم فرحُ عرس لابنهم الغالي، فإنهم يباشرون بإحياء مظاهر البهجة والطرب قبل العرس بأربعين ليلة في بعض الأحيان!!
ويكفي لأحدنا أن يراقب أثر وقوع جريمة كضحية للعنف الأعمى في إحدى بلداتنا، وما هو هذا الأثر على أهل البلدة التي وقعت فيها هذه الجريمة؟ الجواب: لا شيء ولا أثر، حيث يواصل الناس حياتهم العادية كأن جريمة لم تقع!! وقد يتحرك العشرات من أهل النخوة في هذا البلد المنكوب، ويتوجهون إلى بيت القتيل، ويواسونهم ويصبرونهم، ويشاركونهم همهم ووجعهم. وأما ما سوى ذلك من هذا التجمع العددي في هذا البلد المنكوب، فيواصل أفراحه، ويواصل الازدحام في المطاعم، ويواصل السفر إلى (شمات الهوا) في أحضان الطبيعة!!
وهكذا يكاد أن يختفي أدب عيادة المريض، وأدب جبر الخواطر، وأدب صدقة السّر، وأدب المعاملة الحسنة، وأدب التاجر الأمين، وأدب الحداد المتقن لصنعته، وأدب الحِرَفيّ المحافظ على وعوده، وأدب السياسي الصادق في برامجه الانتخابية، وأدب الإعلامي المنحاز لهموم شعبه، وأدب الفنان الأصيل على اختلاف وسائل التعبير عن فنه، وأدب الشاعر الذي إذا قال شعرًا عمل بما قال، وأدب الباحث الذي ينتمي إلى مجتمعه قبل أن ينتمي إلى الصناديق الممولة.
باختصار، بات حالنا كما قال رسول الله ﷺ: “…. حتى يقال ان في بني فلان رجل أمين”، كناية عن ضياع الأمانة، حتى تصبح عملة نادرة يبحث عنها الناس بسراج وفتيل!
وهذا يعني أنه يكاد أن يختفي الإنسان منا الذي يلتزم بثوابته الإسلامية العروبية الفلسطينية، بغض النظر عن لقبه السياسي أو الجامعي أو المهني!!
ومما زاد الطين بلة، التسلل الصامت للفكر النسويّ المنحرف المموَّل من صناديق ملغومة إلى مجتمعنا، بداية من الفرد ثم الأسرة.
وأنا شخصيًا، وبعد دراسة عميقة ورصد طويل، أعتبر هذا الفكر النسوي المنحرف امتدادًا للحروب الصليبية الغربية، ولكن ليس بأسلوب عسكري، بل بأسلوب مزخرف ومبطن وصامت وناعم.
وكم كثر عدد البيوت التي قوّض أركانَها هذا الفكر النسوي المنحرف، وكم كثر عدد ضحاياه!! وأعني ما أقول، وفي جعبتي ما فيه من الأدلة ما يضع النقاط على الحروف إزاء كل ما ذكرت. فواهِمٌ من يظن أن إنقاذ مجتمعنا الذي بات لا مجتمع، يبدأ من الكنيست وينتهي إلى الكنيست، أو يبدأ من لجنة المتابعة وينتهي إلى لجنة المتابعة، أو يبدأ من أحزابنا وحركاتنا في الداخل الفلسطيني- كما هي الآن بماهيتها الواهنة ودورها الموسمي- وينتهي إليها، بل نحن بحاجة إلى حراك إنقاذ لمجتمعنا يسعى إلى بعث هذا المجتمع من الموت السريري الذي يعيش فيه.
ومن هنا نبدأ في حمل هموم مجتمعنا ونقله من هذا الحال المائج المضطرب الذي يكاد أن يغرق فيه إلى شاطئ الإيمان والأمن والأمان، والتزين مظهرًا وجوهرًا، وفهمًا وسلوكًا، وظاهرًا وباطنًا، بثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية.
وحتى يتحقق ذلك، لا بد من حراك تغيير شعبي اجتماعي، يقوم على قاعدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، بشرط أن يتزود هذا الحراك الشعبي الاجتماعي بمنهج دعوة وتربية، وتخلية وتحلية، وإصلاح وتصحيح يجدد العهد بهذه الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية في حياة الفرد وهويته، وفي حياة البيت وأسرته، وفي حياة المجتمع وأصوله، كيما نجدد صناعة حياتنا من جديد؛ صناعة حياة تحكي دون أن تتكلم، وتنطق دون أن تكتب، وتعرّف على نفسها دون حاجة إلى منصة خطابة، معلنة للقاصي والداني أنها الحياة النابعة من الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية، وأن الفرد فيها، والبيت فيها، والمجتمع فيها، كلها منتمية قولًا وعملًا، وشعارًا وواقعًا، وتنظيرًا وتطبيقًا إلى هذه الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية.
وهذا يحتاج إلى دوام التواصل مع الأفراد، والبيوت، وسائر حيّزنا المجتمعي، وفق منهج سير قلبي وعقلي ونفسي وسلوكي، يعيد صناعة الفرد، وصناعة البيت، وصناعة المجتمع. ويتوج ذلك بصناعة حياة حية نابضة بمعالم امتدادنا إلى أمة إسلامية، وعالم عروبي، وشعب فلسطيني، لا تسمح لأحد أن يسعى لفك الارتباط معها.
وقد يكون هذا الطريق طويلًا، ولكن لا يوجد غيره إلا التلهي في مسيرة حياتنا، الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه.
نعم، وألف نعم، هذه قناعتي بعد أن اشتعل الرأس شيبًا، ولا أفرضها على أحد.
فمن يملك منا هذا المنهج الدعوي التربوي الإصلاحي التصحيحي الصمودي في عالم الضمير والواقع، فليترجل وليملأ الفراغ!!
وأنصح في الختام وأقول: من هنا نبدأ.
