إلى أين وصلت قضية اعتقال إندونيسيا لناشط فلسطيني وتسليمه إلى قبرص؟ (شاهد)

تتواصل تداعيات قضية اعتقال السلطات الإندونيسية للفلسطيني عبد الكريم رائد مقداد وترحيله إلى قبرص بعد أقل من 24 ساعة من توقيفه، وسط تضارب بين الرواية الرسمية الإندونيسية التي تقول إنه مطلوب للإنتربول على خلفية اتهامات مرتبطة بالإرهاب، وبين تحذيرات حقوقية ومخاوف عائلية من احتمال وجود دوافع سياسية قد تفضي في نهاية المطاف إلى تسليمه لإسرائيل.
رواية الشرطة الإندونيسية
وفي أحدث تطور للقضية، أكدت الشرطة الوطنية الإندونيسية، أمس الاثنين، أن عبد الكريم رائد مقداد، الذي يحمل جواز سفر فلسطينيا، مدرج على قائمة النشرة الحمراء الصادرة عن الإنتربول بناء على طلب من مكتب المنظمة في نيقوسيا بقبرص، وأن توقيفه جاء في إطار التعاون الدولي لإنفاذ القانون.
وقال أمين المكتب المركزي الوطني للإنتربول في إندونيسيا، العميد أونتونغ ويدياتموكو، إن مقداد “ليس ناشطا كما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو متهم في قضايا إرهابية”، مشددا على أن الإجراءات اتُّخذت استجابة لطلب رسمي من السلطات القبرصية عبر قنوات الإنتربول.
وبحسب المسؤول الإندونيسي، فإن عملية الاعتقال جرت في 16 يوليو/تموز، ونُفّذ قرار الترحيل إلى قبرص في اليوم التالي مباشرة، بعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية المطلوبة.
كما كشفت الشرطة أن عبد الكريم مقداد كان يحمل ثلاثة جوازات سفر، أحدها فلسطيني واثنان أوروبيان، وقالت إن التحقيقات أظهرت أن الجوازين الأوروبيين مزوران ومدرجان ضمن قاعدة بيانات الإنتربول الخاصة بوثائق السفر المفقودة أو المسروقة.
ونفت جاكرتا بصورة قاطعة ما تردد عن وجود ترتيبات لنقله إلى دولة أخرى غير قبرص، في إشارة إلى إسرائيل، مؤكدة أن تحركها اقتصر على تنفيذ الطلب الوارد عبر منظومة الإنتربول الدولية، دون اعتبارات سياسية أو ارتباط بمواقفه أو نشاطاته الشخصية.
الجزيرة حصلت على صورة لمذكرة اعتقاله .. إندونيسيا ترحل ناشطًا فلسطينيًا إلى قبرص ⏬#ألبوم pic.twitter.com/uP7T7ovQ0P
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) July 18, 2026
الجزيرة تكشف مذكرة اعتقاله
وكان موقع الجزيرة نت أول من كشف تفاصيل الاعتقال والترحيل، مستندا إلى مذكرة اعتقال حصل عليها.
ووفق المذكرة التي نشرها الموقع، فإن السلطات الإندونيسية بررت التوقيف بوجود مخاوف من هروب المشتبه فيه أو إخفائه للأدلة، واستندت في إجراءاتها إلى قوانين مكافحة الإرهاب الإندونيسية، إضافة إلى النشرة الحمراء الصادرة عن الإنتربول بطلب من مكتبه في نيقوسيا.
وأشارت الوثائق إلى أن قرار الاعتقال صدر عن الوحدة 88 الإندونيسية المختصة بمكافحة الإرهاب، وهي من أبرز الأجهزة الأمنية المكلفة بملفات التطرف والإرهاب في البلاد.
اعتقال الناشط الفلسطيني عبد الكريم رائد مقداد في إندونيسيا وترحيله إلى قبرص بناء على طلب من الإنتربول#الجزيرة_رقمي pic.twitter.com/NWvTpY2CLP
— قناة الجزيرة (@AJArabic) July 20, 2026
شبهات أثارتها سرعة الترحيل
غير أن القضية أثارت تساؤلات بعدما أظهرت المذكرة أن السلطات كانت تملك صلاحية احتجاز مقداد فترة أطول قد تصل إلى أسبوعين مع إمكانية تمديدها، بينما جرى ترحيله إلى قبرص خلال أقل من يوم واحد من اعتقاله.
وتقول الجهات الحقوقية إن هذا التسارع في الإجراءات يثير تساؤلات بشأن مدى حصول الموقوف على الوقت الكافي للطعن في الترحيل أو ترتيب دفاع قانوني مناسب قبل نقله إلى قبرص.
من جانبه، أعلن مجلس جنيف للحقوق والحريات متابعته الحثيثة للقضية منذ الساعات الأولى لاعتقال مقداد، معربا عن قلق بالغ إزاء سرعة ترحيله إلى قبرص.
وقال المجلس إن الوثائق التي اطلع عليها لا تتضمن عرضا واضحا للوقائع المنسوبة إلى مقداد أو طبيعة الأدلة أو الأفعال المحددة التي بُنيت عليها التهم، معتبرا أن ذلك يثير تساؤلات تتعلق بحقوق المحتجز وضمانات المحاكمة العادلة.
كما أشار المجلس إلى أن الاعتماد على نشرة الإنتربول الحمراء لا يعفي السلطات المختصة من واجب التأكد من سلامة الإجراءات القانونية واحترام حقوق الدفاع والطعن.
اعتقلت السلطات الإندونيسية الناشط الفلسطيني عبد الكريم رائد مقداد، ونفذت بحقه ترحيلًا إلى جمهورية قبرص، وسط تحذيرات حقوقية من تواطؤ دولي قد يفضي إلى تسليمه للاحتلال الإسرائيلي. pic.twitter.com/soEdbCnzAL
— مقاطعة (@Boycott4Pal) July 19, 2026
قلق من تسليمه لإسرائيل
وأبدى مجلس جنيف للحقوق والحريات قلقا خاصا من احتمال أن يشكل ترحيل مقداد إلى قبرص خطوة أولى نحو تسليمه إلى إسرائيل، محتجّا بأخطار قد يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية.
وفي السياق نفسه، لفت المجلس إلى أن مقداد معروف بنشاطه الداعم للحقوق الفلسطينية ومناهضته للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، داعيا إلى تدقيق قضائي مستقل للتأكد من عدم توظيف آليات التعاون الجنائي الدولي لأغراض سياسية.
العائلة تطعن في قانونية الإجراء
عائلة عبد الكريم مقداد أعربت بدورها عن قلقها من مصير ابنها، ووصفت عملية اعتقاله وترحيله بأنها تستند إلى شبهات مصدرها جهات معادية.
وقالت العائلة إنها استشارت خبراء قانونيين راجعوا الوثائق المتاحة، وأكدوا أن ملفات الاتهام لا تتضمن شرحا واضحا للوقائع المنسوبة إليه أو الأدلة المؤيدة لها، مما يثير تساؤلات حول مدى احترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة.
وطالبت العائلة السلطات القبرصية بضمان جميع حقوقه القانونية، بما في ذلك الحصول على محام، والتواصل مع أسرته، والطعن في قانونية احتجازه أو أي إجراءات نقل أو تسليم مستقبلية.
كما دعت إلى الإفراج عنه وإعادته إلى أسرته وأطفاله المقيمين في جاكرتا.
بيان صادر عن هيئة علماء فلسطين بشأن اعتقال الشيخ عبد الكريم رائد مقداد وترحيله من إندونيسيا والتحذير من تسليمه إلى الاحتلال الصهيوني
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ… pic.twitter.com/J5EgEm7hGy
— هيئة علماء فلسطين (@palscholars48) July 19, 2026
مطالب بتوضيحات رسمية
على المستوى الداخلي في إندونيسيا، دخل مجلس العلماء الإندونيسي على خط القضية، مطالبا الحكومة والأجهزة الأمنية بتقديم توضيح رسمي للرأي العام بشأن ظروف الاعتقال والترحيل.
وقال رئيس شؤون العلاقات الخارجية والتعاون الدولي في المجلس، الدكتور سودارنوتو عبد الحكيم، إن المجلس يحترم صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون والتزامات إندونيسيا الدولية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الالتزام بمبادئ الشفافية والإجراءات القانونية الواجبة واحترام حقوق الإنسان.
وأضاف أن أي إجراءات قانونية بحق مقداد يجب أن تُدار بصورة علنية ووفق الأصول القانونية السارية، مع ضمان حقه في الحصول على المساعدة القانونية والحماية القضائية الكافية طوال مراحل القضية.
من جانبها، أكدت هيئة علماء فلسطين أن عبد الكريم مقداد عضو في الهيئة، وطالبت السلطات الإندونيسية بالكشف الكامل عن أسباب اعتقاله وطبيعة الاتهامات الموجهة إليه والأدلة التي تستند إليها، مع ضمان تمكينه من الدفاع عن نفسه أمام قضاء مستقل يتمتع بكل الضمانات القانونية.
وحذرت الهيئة من أي إجراءات قد تفضي إلى تسليم مقداد لإسرائيل، معتبرة أن أي خطوة من هذا النوع تمثل خطرا على سلامته وحقوقه الأساسية. كما شددت على ضرورة منع أي مسار قانوني أو إداري يمكن أن يقود إلى وضعه تحت سلطة جهات قد تهدد أمنه أو حريته.
وطالبت الهيئة السلطات في جاكرتا بالتواصل مع السلطات القبرصية لمنع أي خطوات قد تؤدي إلى تسليمه، والعمل على تأمين عودته أو انتقاله إلى بلد آمن.
كما حثت الهيئة السلطات القبرصية على وقف أي إجراءات مباشرة أو غير مباشرة قد تقود إلى تسليمه لإسرائيل، وضمان حصوله على تمثيل قانوني مستقل وتمكينه من التواصل المنتظم مع أسرته والجهات الحقوقية، داعية في الوقت ذاته الجهات الفلسطينية الرسمية ومنظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية إلى تحرك دبلوماسي وقانوني عاجل لمتابعة القضية وتوفير الحماية القانونية اللازمة له.
حذرت هيئة علماء فلسطين من احتمال تسليم عضو الهيئة الشيخ عبد الكريم رائد مقداد إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، عقب اعتقاله في إندونيسيا وترحيله بصورة عاجلة إلى قبرص، معتبرة أن القضية تستدعي تحركًا قانونيًا ودبلوماسيًا عاجلًا لمنع تعريضه للخطر.
📷لمتابعة التفاصيل على موقعنا:… pic.twitter.com/N2FYrf5CQo
— وكالة قدس برس (@qudspressagency) July 20, 2026
إلى أين وصلت القضية الآن؟
حتى الآن، تؤكد السلطات الإندونيسية أن عبد الكريم مقداد أُرسل بالفعل إلى قبرص في 17 يوليو/تموز 2026 تنفيذا لطلب صادر عبر الإنتربول، وأن القضية تتعلق باتهامات تصنفها نيقوسيا ضمن ملفات الإرهاب، في حين لم يصدر عن السلطات القبرصية أي تعليق بخصوص القضية.
في المقابل، تواصل منظمات حقوقية وعائلة مقداد المطالبة بالكشف عن تفاصيل التهم والأدلة الموجهة إليه، مع التركيز على ضمان عدم اتخاذ أي خطوة مستقبلية قد تقود إلى تسليمه لإسرائيل قبل استكمال مراجعة قضائية مستقلة.