أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرالضفة وغزةومضات

هل يعود عنب وتين الشيخ عجلين إلى موائد الغزيين؟

لم يكن صيف حي الشيخ عجلين يشبه أي مكان آخر في قطاع غزة. فعلى جانبي شارع الرشيد، كانت عربات البيع تتراص محملة بعناقيد العنب والتين والجميز، يقصدها الغزيون من مختلف المحافظات لشراء ثمار ارتبطت بجودة المنطقة وخصوبة أرضها.

أما اليوم، فقد غابت تلك المشاهد، بعدما تحولت البساتين إلى أراضٍ مجرفة يغطيها الركام، وباتت عودة المواسم مرهونة بقدرة المزارعين على البدء من جديد.

من بساتين خضراء إلى أراضٍ مجرفة
تُعد الشيخ عجلين، الواقعة جنوب غربي مدينة غزة، من أبرز المناطق الزراعية التي اشتهرت بإنتاج العنب والتين على مدار عقود، وشكلت مصدر دخل رئيسيًا لعشرات العائلات التي توارثت زراعة الأرض جيلاً بعد جيل.

إلا أن الحرب الأخيرة خلّفت دمارًا واسعًا طال الأشجار والبنية الزراعية، لتفقد المنطقة أحد أهم معالمها.

وسط أرضه التي لم يبق فيها سوى الحجارة وآثار التجريف، يقف المزارع جابر الدحدوح متأملًا ما تبقى من بستانه.

ويقول إن العودة إلى الشيخ عجلين بعد الحرب كانت قاسية، بعدما اختفت الأشجار التي غرسها الآباء والأجداد، وتحولت الأرض التي كانت تنتج أجود أنواع العنب والتين إلى مساحة خالية من الحياة.

ويضيف أن الخسارة لم تكن موسمية، بل امتدت إلى أشجار احتاجت عشرات السنين حتى وصلت إلى مرحلة الإنتاج، الأمر الذي يجعل تعويضها يحتاج إلى سنوات طويلة وجهود كبيرة.

كروم تُزرع من جديد
ورغم محدودية الإمكانات، بدأ عدد من المزارعين بإزالة الركام واستصلاح أجزاء من أراضيهم، في محاولة لإعادة زراعة الغراس واستعادة النشاط الزراعي تدريجيًا.

ويؤكد الدحدوح أن نقص الغراس، وغياب المعدات الزراعية، وشح المياه، لا تزال تشكل أبرز العقبات أمام استصلاح الأراضي، لكنه يرى أن الانتظار ليس خيارًا، وأن البدء ولو بإمكانات بسيطة أفضل من ترك الأرض مهجورة.

شارع الرشيد يفتقد مواسمه
ويقيم جهاد سكيك داخل خيمة للنزوح بالقرب من الأراضي الزراعية، حيث يتابع يوميًا محاولات المزارعين إعادة الحياة إلى المنطقة.

ويقول إن الشيخ عجلين كانت تشهد كل صيف حركة استثنائية، إذ كانت عشرات البسطات تنتشر على امتداد شارع الرشيد، تعرض العنب والتين وورق العنب والجميز، في مشهد اعتاده الغزيون لسنوات طويلة.

ويضيف أن اختفاء تلك البسطات لم يكن بسبب تراجع الطلب، وإنما لأن البساتين نفسها لم تعد موجودة، بعدما تعرضت للتجريف، معربًا عن أمله في أن تعود الأشجار، لتعود معها الحياة إلى المكان.

إعادة الزراعة ليست مهمة سهلة
من جانبه، يقول الخبير الزراعي والبيئي المهندس نزار الوحيدي إن الشيخ عجلين تمتلك تاريخًا زراعيًا عريقًا، وساعدتها طبيعتها الساحلية وتربتها الخصبة على إنتاج أصناف مميزة من العنب والتين، إضافة إلى احتضانها أشجار الجميز المعمرة التي شكلت جزءًا من هوية المنطقة.

ويشير إلى أن إعادة زراعة هذه الأشجار تمثل خطوة مهمة، لكنها لن تعيد المشهد الزراعي سريعًا، لأن الأشجار التي دُمرت احتاجت سنوات طويلة حتى وصلت إلى إنتاجها الكامل.

ويوضح أن العنب والتين من الأشجار التي يمكن إكثارها بالطرق التقليدية، وهو ما يمنح المزارعين فرصة لإحياء جزء من الكروم، إلا أن نجاح هذه المحاولات يتطلب توفير الغراس، وتأهيل الأراضي، وإصلاح شبكات الري التي تعرضت لدمار كبير.

خسائر زراعية ثقيلة
ولا يقتصر الدمار على الشيخ عجلين وحدها، إذ تشير بيانات وزارة الزراعة في قطاع غزة إلى أن الحرب ألحقت بالقطاع الزراعي خسائر تُقدر بنحو 3.49 مليارات دولار، منها 1.90 مليار دولار أضرار مباشرة، و1.59 مليار دولار أضرار غير مباشرة.

كما تضرر نحو 87% من الأراضي الزراعية في القطاع، وخرج آلاف الآبار وبرك المياه وخطوط نقل المياه عن الخدمة، إلى جانب تدمير عشرات المشاتل الزراعية، وهو ما زاد من صعوبة توفير الغراس اللازمة لإعادة زراعة الأشجار المثمرة.

أمل ينمو مع الغراس
ورغم إدراك المزارعين أن الغراس الجديدة تحتاج سنوات حتى تتحول إلى كروم منتجة، فإنهم يواصلون العمل بصبر، مؤمنين بأن إعادة زراعة الأرض ليست مجرد استعادة للإنتاج الزراعي، بل محاولة لإحياء جزء من ذاكرة غزة وهويتها.

فكل غرسة تُزرع اليوم في الشيخ عجلين تمثل وعدًا بموسم جديد، وأملًا بأن يعود العنب والتين يومًا إلى بسطات شارع الرشيد، وأن تستعيد المنطقة مكانتها التي عُرفت بها طويلًا بين الغزيين.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى