أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرعرب ودولي

تحوّلات سياسية في إسبانيا… اليمين على أبواب السلطة

لم تكن الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في إقليم الأندلس في إسبانيا في 17 مايو/أيار الماضي، والتي فاز فيها حزب الشعبي اليميني، إلى جانب حزب فوكس اليميني المتطرف، إلا انعكاسًا للمشهد السياسي الداخلي المضطرب في إسبانيا، والذي عانى في الأشهر الأخيرة تغيّرات جذرية، أدت إلى تراجع شعبية اليسار التقدمي في إسبانيا وذلك لمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية. وإن كانت هذه الخسارة لتكتل اليسار في إقليم الأندلس هي الأصعب والأقسى، لأن الإقليم كان تاريخيًا معقل اليساريين، فإنها في الحقيقة ليست إلا استكمالًا لسلسلة من الخسائر الانتخابية التي عاناها هذا التكتل في غيره من الأقاليم، كما هو الحال في أراغون، وكاستيا وليون، وكاستيا لا مانشا، حيث استطاع اليمين المحافظ استغلال اللحظة التي يمرّ بها اليسار التقدمي الذي يعاني من تمزّقات داخلية، وتحقيق انتصارات.

صعود اليمين المتطرف في إسبانيا
غير أن اللافت في هذه الانتخابات كلها، هو صعود اليمين المتطرف، خصوصًا “فوكس”، الذي صار حزبًا أساسيًا في العديد من هذه الأقاليم بعد دخوله حكوماتها، فعدم تمكّن اليمين المحافظ من الحصول على الأغلبية البرلمانية، فرض عليه إبرام اتفاقيات مع “فوكس”، وكان آخر هذه الاتفاقيات هي تلك الموقعة في الأندلس مع الحزب الشعبي، حيث فرض فيها الحزب المتطرف مبدأ “الأولوية الوطنية”. وإذا كان هذا حال المشهد في الأقاليم، فإن المشهد السياسي في إسبانيا ليس بالأفضل بالنسبة للحكومة اليسارية التقدمية. منذ أكثر من شهرين، لا تفعل حكومة بيدرو سانشيز إلا المماطلة وإدارة الوقت وتقديم التبريرات أمام البرلمان، بما في ذلك تبريرات للحلفاء أنفسهم الذين ضاقوا ذرعًا بقضايا الفساد واستغلال النفوذ المفتوحة بحق الحزب الاشتراكي، والتي طاولت شخصيات من الصف الأول بالنسبة للحكومة الإسبانية.

حرص سانشيز منذ وصوله إلى السلطة في عام 2018، على تقديم نفسه بوصفه القائد الذي جاء لتخليص إسبانيا من أزمة الفساد التي ارتبطت بالدرجة الأولى بالحزب الشعبي اليميني، ونجح إلى حدٍ ما في تقديم نفسه بهذه الصورة التي بناها حتى الأشهر الأخيرة. ويمكن اعتبار قضية “كولدو” نقطة التحوّل الأولى في بداية انهيار الحزب الاشتراكي والصورة العامة التي رسمها سانشيز عن حكومته. وبدأت القضية مطلع عام 2024، مع اعتقال كولدو غارسيا، المستشار المقرب من وزير النقل السابق خوسيه لويس أبالوس، الرجل الثاني بالنسبة لسانشيز. وطاولت التحقيقات بعد ذلك أبالوس نفسه، الذي يعدُّ مهندس صعود سانشيز داخل الحزب الاشتراكي، للاشتباه به في إبرام عقود شراء كمامات ومستلزمات طبية وغيرها من الأمور غير القانونية. وسارع سانشيز إلى تدارك الموقف، وقبل إثبات المحكمة أي تهمة، اتخذ ساتشيز خطوات حاسمة داخل الحزب، فألغى عضوية كل من كانت له علاقة بالقضايا، وقدّم كل التعاون الممكن مع القضاء، كما أنه فتح تحقيقًا رسميًا داخل الحزب.

لكن ذلك كله لم يكن كافيًا، فالتهمة أثبتت على رجله الأول، وحُكم عليه بالسجن 24 عامًا. حاول سانشيز المناورة، واعترف بأن قضية الفساد حالة شخصية وليست حالة عامة موجودة في الحزب، لكن الضربات تلاحقت، مع فتح القضاء الإسباني تحقيقًا أوليًا ضد بيغونيا غوميز، زوجة سانشيز، على خلفية مزاعم تتعلق باستغلال نفوذ زوجها والكسب غير المشروع. ثم فتحت المحكمة تحقيقًا ضد أخيه دافيد سانشيز بتهم مشابهة، مرتبطة باستغلال النفوذ والكسب غير الشرعي. وأظهرت وثيقة قضائية، صدرت الثلاثاء الماضي، ونشرتها وكالة رويترز، أن دافيد أُدين بارتكاب مخالفة إدارية، وحُكم بمنعه من تولي مناصب عامة لمدة تسع سنوات، وذلك على خلفية قيام حكومة إقليم باداخوز بتعيينه في منصب ثقافي رفيع عام 2017.

واستقال أيضًا القيادي سانتوس سيردان، حين تبيّن ورود اسمه في تحقيقات مرتبطة بالشبكة نفسها التي كان يديرها أبالوس. هنا لم تعد أساليب الدفاع التي كان يستخدمها سانشيز والحزب الاشتراكي كافية، فالحديث عن حالات فردية لا معنى له أمام تحقيقات تثبت وجود عمليات فساد تديرها شبكة منظمة داخل الحزب. لكن الضربة التي كسرت ظهر الحكومة والحزب الاشتراكي في إسبانيا بشكل عام، هي التحقيقات ضد رمز الاشتراكيين التاريخي، رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو، داعم سانشيز الأول، والذي اتهمه القضاء باستغلال نفوذه في قضية شركة الطيران “بلس ألترا”، للاشتباه في قيادته شبكة منظمة للاتجار بالنفوذ وغسل الأموال مرتبطة بعملية الإنقاذ الحكومي للشركة خلال تفشي وباء كورونا في عامي 2020 و2021.

في السياق، يقول المحلل السياسي خافيير ماس، في تصريحات صحفية، إن “هذه القضايا أصابت الحزب الاشتراكي والحكومة الإسبانية الحالية، بضرر كبير، لأن رئيس الحكومة وجد نفسه مضطرًا للدفاع أو لتبرير أفعال شخصيات كانت تشكل جزءًا من دائرته القيادية، وهو ما أضعف صورته أمام الناخبين، قبل صدور أي حكم قضائي. ومن ناحية أخرى، تركت هذه القضايا أثرًا تراكميًا يستهلك الحكومة ويستنزفها، ويساعد المعارضة، في الوقت نفسه، خصوصًا الحزب الشعبي، على تعزيز روايته بأن الحزب الحاكم فاقد للشرعية الأخلاقية”. ويتابع ماس، متحدثًا عن استغلال المعارضة، خصوصًا الحزب الشعبي وحزب فوكس اليميني المتطرف لذلك.

ويقول: “استطاع الحزب الشعبي أن يحول القضايا من ملفات قضائية منفصلة ضده إلى رواية سياسية إعلامية مفادها أنها حكومة فاقدة للثقة، وقد نجح إلى حدٍ ما في تحويل هذه القضايا، التي لا تزال في الأطر القضائية، إلى قصة سياسية يفهمها الناخب الإسباني مباشرة، مفادها أن الشخص الذي جاء ليطهّر البلاد من الفساد هو الآن مشرف على حزب وعلى حكومة غارقين في الفساد”، أي سانشيز نفسه.

وإذا كان الحزب الشعبي قد استفاد من هذه القضايا لتعزيز صورته على الصعيد الوطني بديلًا حكوميًا في الانتخابات المقررة العام المقبل، فإن حزب فوكس اليميني المتطرف كان المستفيد الأكبر مما حصل، كما يوضح خافيير بايارت، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوتونوما في تصريحات صحفية.

ويضيف: “استطاع فوكس استثمار حالة الاستياء المتنامية من الحكومة الحالية، وربط ذلك بخطاباته المتطرفة عن الهجرة وتأثيرها على الاقتصاد والأمن. والنتيجة كانت فوزه في الانتخابات المحلية في أكثر من إقليم وآخرها الأندلس، حيث استطاع أن يفرض على الحزب الشعبي شروطه وأبرزها مبدأ الأولوية الوطنية. أما الأمر الآخر الذي استغله جيدًا حزب فوكس فهو تكريس نفسه لاعبًا يصعب تجاهله في معسكر اليمين على الصعيد الوطني أيضًا. إذ لا يمكن اليوم لليمين المحافظ أن يشكل وحده أية حكومة لأنه لا يمتلك الأغلبية المطلقة، وبالتالي سيحتاج إلى حزب فوكس. ويعرف فوكس جيدًا هذه الحقيقة، كما أنه يعرف كيف يستغلها”.

وأمام هذا كله لا يبدو أن الإنجازات السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد شفعت لحكومة سانشيز أمام الناخب الإسباني، وهو ما يشير إليه المحلل السياسي والإعلامي خوان كروز، إذ يقول في تصريح إعلامي، إنه “رغم النمو الاقتصادي الذي شهدته ولاية سانشيز، وانخفاض معدلات البطالة وارتفاع الحد الأدنى للأجور، ورغم الإصلاحات الاجتماعية التي تبنتها حكومته التقدمية خلال هذه السنوات الثماني، والتي شملت تعزيز حقوق العمال، وإطلاق مسار التسوية الاستثنائية للمهاجرين غير القانونيين، ورغم انفراده على الصعيد السياسي الأوروبي في رسم صورة مغايرة لإسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي من خلال موقف إسبانيا البارز تجاه حرب الإبادة على غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية واعترافه بالمجازر، ورغم وقوفه وحيدًا في وجه (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب بشأن عدم رفع النفقات العسكرية، يبدو أن هذا كله ليس كافيًا لتحصين حكومته من التآكل السياسي الذي تعانيه”.

ويتابع كروز: “الناخب الإسباني يفصل إلى حد كبير بين نجاح الحكومة في إدارة شؤون البلاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبين الأداء السياسي الداخلي، حيث طغت قضايا الفساد والانقسامات داخل الحزب الحاكم، وبذلك تبدو اليوم عاجزة عن الخروج من هذا المآزق، وهي بمثابة حكومة تسيير أعمال لا أكثر، ذلك أن الحلفاء أنفسهم لا يتفقون فيما بينهم في البرلمان”. بالنظر إلى استطلاعات الرأي الأخيرة حول شعبية الحكومة والانتخابات المقبلة في إسبانيا في عام 2027، على اعتبار أن سانشيز أعلن أنه لن يدعو إلى انتخابات مبكرة وسيكمل ولايته الشرعية، فجميعها تشير إلى تراجع شعبية الحكومة الائتلافية، وتقدّم واضح لتكتل اليمين الذي يتصدر نيات التصويت.

وآخر هذه الاستطلاعات أجراه معهد “40dB” لمصلحة صحيفة “إل باييس” وإذاعة “سير”، ونُشر الاثنين الماضي، حيث برز “فوكس” بوصفه أكبر المستفيدين من حالة الاستقطاب السياسي التي تعيشها البلاد، بعدما ارتفعت شعبيته بنحو 4.8 نقاط مئوية، مقابل تراجع الحزب الاشتراكي أربع نقاط، والحزب الشعبي نقطة واحدة، فيما خسر تكتل سومار اليساري نحو 6.5 نقاط مئوية مقارنة بالانتخابات الأخيرة. ووفقًا لنتائج الاستطلاع، حقق تكتل اليمين تقدمًا واضحًا على تكتل اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي، وتكتل “سومار”، وحزب “بوديموس”، إذ حصد 49.2% من نيات التصويت، مقابل 36.9% لمعسكر اليسار.

في العموم تشير معظم هذه الاستطلاعات إلى أن الحزب الاشتراكي فقد حشدًا كبيرًا من ناخبيه، وأن اليمين سيفوز بأية انتخابات مقبلة، وأن أصوات ناخبي الحلفاء لن تسعف سانشيز في الفوز في أي انتخابات مقبلة. ربما من هنا يمكن فهم استغلال الحلفاء هذه اللحظة السياسية الضعيفة التي يمرّ بها الحزب الاشتراكي لتعزيز مواقفهم التفاوضية، خصوصًا في السياسات الداخلية التي تعني الإقليم، وملف العفو في كاتالونيا، والموازنات المالية. هذا هو حال حزب جونتس الكتالوني، الذي بسببه يمتلك الحزب الاشتراكي وتكتل سومار اليساري الأغلبية في البرلمان، والذي صوّت أخيرًا، كشكل من أشكال الضغط على سانشيز، على مبادرة الحزب الشعبي غير المُلزمة بحجب الثقة عن سانشيز في البرلمان ودعوته إلى الاستقالة.

أما اليسار الإسباني الذي يدعم سانشيز في الحكومة، والذي لا يزال يعاني هو كذلك من انقساماته الداخلية، وغياب رؤية سياسية واضحة للمرحلة التي تشهدها إسبانيا، إضافة إلى مشكلاته الأخرى المتعلقة بالقيادة والشخصيات، فلم يمنع نفسه أيضًا من توجيه الانتقادات لسانشيز ومطالبته باتخاذ خطوات جدية لمحاسبة جميع الفاسدين داخل صفوف حزبه.

ما هي السيناريوهات المطروحة أمام الحكومة الإسبانية؟
أمام هذا كله، وبين تآكل سياسي يرمي بثقله على الحكومة وصيف حاسم بشأن تحقيقات المحكمة حول قضايا الفساد، وانتخابات على الأبواب، تبدو الحكومة الإسبانية مُقبلة على عدة سيناريوهات، أرجحها استمرارها حتى موعد الانتخابات المقبلة عام 2027، فهي حكومة تمتلك أغلبية برلمانية لازمة للبقاء بالسلطة، رغم انتقادات الحلفاء الذين، في نهاية المطاف، لا يملكون مصلحة مباشرة في إسقاطها، بل على العكس قد يستغلون الفرصة كي يحصلوا على مكتسبات خاصة. أما السيناريو الثاني، وهو قليل الاحتمال لكن لا يمكن استبعاده، فهو حجب الثقة عن الحكومة والمطالبة بإسقاط سانشيز، وهو ما يحاول تكتل اليمين المحافظ واليمين المتطرف القيام به، عبر الحصول على أغلبية في البرلمان واستمالة الأحزاب القومية، لا سيما حزب جونتس، لكن الأمور حتى الآن تبدو متعسرة.

أما السيناريو الثالث، فهو سيناريو يبقى مرتبطًا بأية فضيحة جديدة ممكن أن تظهر إلى العلن، تدفع سانشيز إلى الدعوة لانتخابات عامة مقدمًا استقالته، رغم أنه صرّح أكثر من مرة أنه لن يعلن عن انتخابات مبكرة كما تطالبه أحزاب البرلمان، ولن يستقيل من منصبه. لكن مهما كان السيناريو، فإن حكومة سانشيز تعد أيامها الأخيرة، وخسارتها في الانتخابات تكاد تكون شبه مؤكدة، وانتخابات الأقاليم، شاهدة على ذلك. يبدو أن صفحة اليسار التقدمي في إسبانيا تكاد تنطوي، في حين يستعد تكتل اليمين إلى قيادة البلاد نحو أفق آخر، ولن تكون ضمن أولوياته السياسية الاعتراف بالإبادات أو الترحيب بالمهاجرين وتسوية أوضاعهم أو رفض الحروب، بل على العكس تمامًا، قد يشارك في هذه الحروب ويدعمها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى