أخبار وتقاريرمقالاتومضات

ماذا وراء إعادة إصدار كتاب «الخطاب السياسي المبتور» لعزمي بشارة؟!

الشيخ رائد صلاح

صدر كتاب «الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى» لعزمي بشارة لأول مرة عن مؤسسة “مواطن” في رام الله عام 1998، ثم صدر هذا الكتاب عن مركز “مدى الكرمل” بحيفا عام 2026.

وفي مقدمة هذه الطبعة الجديدة (2026) يقول عزمي بشارة: (وأشد ما كانت مفاجأتي بعد قراءته مجددًا، إذ تبين لي أن الكتاب حافظ على راهنيته على الرغم من انقضاء كل هذا الوقت على صدوره).

وهذا يعني أن عزمي بشارة ما زال مصرًا على ما ورد في هذا الكتاب كله، كما كان مصرًا على ما ورد فيه كله عندما صدر لأول مرة عام 1998.

وبناء على ذلك أورد هذه الملاحظات:

  1. 1. لا يزال بشارة مصرًا على ما سماه “الإسلام الشعبي” عندما تحدث في هذا الكتاب عن انطلاقة الحركة الإسلامية في الداخل قبل حظرها إسرائيليًا، فهي التي نقلت- وفق حساباته- الإسلام الشعبي من الضفة الغربية وغزة إلى الداخل.

يترك بشارة هذا المصطلح في كتابه بلا تعريف، وفي الوقت نفسه لم يتطرق إلى “الإسلام غير الشعبي”. وبطبيعة الحال لم يبيّن لنا- وفق حساباته- ما هو الإسلام غير الشعبي، لأنه لم يتطرق إليه أصلًا، ولا أدري من الذي خوله أن يفرض على الإسلام هذا التقسيم المبهم!!

ولو فرضنا، جدلًا، أن أحدهم استخدم مصطلح “المسيحية الشعبية”، لاستشاط بشارة ومن يدور في فلكه غضبًا، ولرجم من يستخدم هذا المصطلح بالطائفية. ولكن بشارة يوهم نفسه أنه يجوز له ما لا يجوز لغيره، فيجوز له أن يستخدم مصطلح “الإسلام الشعبي” هكذا استخدامًا غامضًا لا تعريف له، ولا يجوز لأحد أن يتهمه بالطائفية لأنه “مفكر”!!

  1. 2. وفي المقابل، عندما يصف بشارة الحركة الإسلامية قبل حظرها إسرائيليًا في هذا الكتاب بأنها ردة فعل تجاه حالة من الشذوذ الحضاري، فقد قام بتعريف هذا المصطلح، (الشذوذ الحضاري)، ولا أدري لماذا سكت عن تعريف مصطلح “الإسلام الشعبي”.

وبطبيعة الحال فإن وصف الحركة الإسلامية، قبل حظرها إسرائيليًا، بهذا الوصف مغاير للفهم السليم للإسلام ولخطاب تلك الحركة التي صارت محظورة إسرائيليًا، وهو وصف مغاير للواقع، وفيه تعسّف في الوصف لا محل له من الإعراب.

لماذا؟

لأن الحركة الإسلامية يوم أن قامت، قبل حظرها إسرائيليًا، لم تقم كما يتوهم بشارة، لأنها اصطدمت بحضارة وثقافة الآخر، المسيطرة والمتفوقة، بل قامت لأنها سعت للعودة إلى انتمائها الإسلامي العروبي الفلسطيني، وإلى ثوابت هذا الانتماء وهويته.

وبطبيعة الحال، فإن بشارة ما كان في يوم من الأيام وصيًا على هذا الانتماء الإسلامي العروبي الفلسطيني، حتى يحدد ماهيته ويمنح صكوك العروبة والفلسطينية لمن يشاء، ويحجبها عمّن يشاء. ولم تنتظر الحركة الإسلامية، قبل حظرها إسرائيليًا، أي شهادة من بشارة، ولم تتأثر بشطحاته الطائفية.

  1. 3. ثم يسمح بشارة لخياله أن يسبح بعيدًا، ويتهم الحركة الإسلامية، قبل حظرها إسرائيليًا، أنها ذات مهمة كلاسيكية للحركات الأصولية، ولأنها كانت كذلك، فقد كانت تمتنع عن إعطاء بديل تتوافر فيه عناصر مجابهة للواقع.

وهكذا يجوز لـبشارة أن يتجاهل الواقع كما هو، وأن يفترض واقعًا متخيلًا، وأن يصدر، بناء على هذا الواقع المتخيل، أحكامًا على الآخر. فهو “مفكر!”، ولأنه كذلك فيحق له ما لا يحق لغيره.

ويا عجبًا، لماذا تجاهل بشارة أن الحركة الإسلامية، قبل حظرها إسرائيليًا، قد أقامت أكثر من 30 مؤسسة قطرية، اجتهدت من خلالها أن تحيط بواقعها بكل أبعاده وتشعباته، وأن تحدد دورها بناء على ذلك، وأن تقوم بواجبها تجاه كل ما هو مطلوب في هذا الواقع، في كل أبعاده الإسلامية العروبية الفلسطينية.

ولكن بشارة تجاهل كل ذلك، وواصل تجاهل كل ذلك حتى بعد حظر الحركة الإسلامية إسرائيليًا عام 2015. ولم نسمع منه كلمة عن ذلك الحظر، ولم نقرأ له كلمة عنه، وكأنّ مداده الفكري قد نفد في تلك الأيام.

ولله، ثم للتاريخ أقول: قامت الحركة الإسلامية بذلك الدور، قبل حظرها إسرائيليًا، ولم تكن تحظى بدعم مالي بملايين الدولارات كما هو عليه حال بشارة حتى الآن. ولم تكن تحت وصاية أحد، ورفضت أن تكون تحت وصاية أحد، وآمنت منذ خطواتها الأولى أن اللقمة إذا كانت من الفأس كانت الفكرة من الرأس.

وقد جرَّ عليها ذلك المتاعب الشديدة، حيث عاش الكثير من أبنائها في السجون لسنوات طويلة، ولأكثر من مرة، وعاشوا مطاردين في الداخل والخارج، في الوقت الذي كان يتجول فيه بشارة حرًا طليقًا، لا يسأله أحد عما قال أو كتب.

  1. 4. ثم لا يفوّت بشارة الفرصة، ويجتهد أن يكرس في كتابه مقولة “الإسلام السياسي”، وأن يزين هذه المقولة ببعض من صناعة الكلام الذي يتقنه ولا يباريه فيه أحد، حيث يقول في هذا الكتاب: (لا شك أن الإسلام السياسي يتضمن عناصر قوية من اللا تسييس في الموقف من الواقع والدولة).

ولـبشارة أن يكتب ما يحلو له، وأن ينكر ما يحلو له على قاعدة: «عنزة ولو طارت». إلا أن الواقع كما هو بعيد عن واقع بشارة المتخيل، حيث إن الصحوة الإسلامية المعاصرة كتبت آلاف الكتب حول الواقع والدولة على امتداد هذه الصحوة العالمية، وبشتى لغات أهل الأرض. ولذلك من الإنصاف أن نقول: ليس كل ما يجهله بشارة غير موجود.

ثم لا زلت ألفت الانتباه أن مقولة “الإسلام السياسي” هي مقولة صهيونية في الأساس، كمقولة “الإرهاب”، ومقولة “التطرف”، ومقولة “التحريض”.

وقد قام الخطاب الصهيوني بإطلاق هذه المقولات على الصحوة الإسلامية، إلى جانب إلصاقها بالمسيرة الفلسطينية.

وعليه أقول: نحن لا نعرف شيئًا اسمه “الإسلام السياسي”، بل هناك السياسة الإسلامية، والفرق بينهما كبير، ويحتاج إلى مقالات.

  1. 5. ثم يصل بشارة إلى غاية الاستخفاف بعقل كل قارئ عندما يقول في كتابه: «… وبعد قيام أنماط جديدة من العمل السياسي العربي غير المرتبط تاريخيًا أو ثقافيًا بالحركة الوطنية الفلسطينية، وأقصد الحزب العربي والتيار الإسلامي الذي ما لبث أن تحول إلى حركة إسلامية». ويبدو أن بشارة يعاني من عقدة المتخيل، فهو يحاول أن يفرض في كتابه واقعًا متخيلًا بعيدًا عن الواقع كما هو، وتاريخًا متخيلًا بعيدًا عن التاريخ كما هو، ووطنيةً متخيلة بعيدة عن الوطنية كما هي، وقوميةً متخيلة بعيدة عن القومية كما هي، وإسلامًا متخيلًا بعيدًا عن الإسلام كما هو.

وكأنني به، وهو يسعى أن يفرض تاريخًا وطنيًا متخيلًا، يتجاهل في هذا التاريخ وجود قيادات إسلامية كانت قبل أن يُخلق بشارة، أمثال الشيخ نمر الخطيب، والشيخ عبد القادر الحسيني، والحاج أمين الحسيني، والشيخ حسن البنا، والشيخ مصطفى السباعي، وغيرهم العشرات الذين ارتبط اسمهم ودورهم بتاريخ الحركة الوطنية في كل أبعادها الإسلامية العربية الفلسطينية. ويطول الحديث عن هذا الموضوع، بل كُتبت عشرات الكتب عن هذا الموضوع.

ولا أدري هل تتوفر هذه الكتب في مكتبة بشارة أم لا، ولكن فصل الخطاب، أو فصل المقال كما يحلو ذلك لـبشارة أن يقال: إن أسماء هؤلاء الشيوخ كلهم لم تهرب في اللحظات التي كُتب عليها فيها أن تدفع استحقاقاتها خلال حراكها الوطني في أبعاده الإسلامية العروبية الفلسطينية. وكذلك الحركة الإسلامية، قبل حظرها إسرائيليًا، لم تهرب عندما كُتب عليها دفع بعض من هذه الاستحقاقات.

فأما بشارة فقد هرب، ولم يعقّب عند أول موقف وجب عليه أن يدفع فيه استحقاقًا أولًا لمواقفه، حيث استيقظنا ذات صباح، وإذا بالإعلام المرئي والمسموع والمكتوب يتحدث أن بشارة هرب خوفًا من السجن ولم يعد!!

وكم حاول، هو أو من يدور في فلكه، أن يخرّج ذاك الهروب كأنه بطولة خارقة وغير مسبوقة، ولكن هيهات هيهات أن يُصلح العطار ما أفسد الدهر.

ولا أدري عن أية وطنية أو أية قومية لا يزال يتحدث بشارة، ولا يزال يصر على أقواله في هذا الكتاب الذي صدر عام 1998 كأنه صدر لأول مرة قبل أيام.

ثم في الوقت الذي كان يرتجف فيه الآلاف من الحركة الوطنية الفلسطينية في الزنازين من شدة البرد والجوع وقلة النوم والعزل، كان بشارة يتجول بين تل أبيب ودمشق، وبين الكنيست والقصر الجمهوري السوري.

ولا تزال أخبار هذه التحركات طي الكتمان، ولكن سيأتي يوم وسيتم الكشف عن هذه الأخبار، سيما بعد سقوط حقبة آل الأسد، وبعد عودة الحرية والاستقلال إلى الشعب السوري.

وأظن أن بشارة بات يعيش نهاره وليله غارقًا في قلقه، لأن الرئيس أحمد الشرع قد يقوم بكشف هذه الأخبار المحفوظة في أرشيف وثائق آل الأسد السرية.

ولا أدري هل هو من باب التوجس من وقوع هذا الاحتمال، أعلن بشارة سلفًا العداء للشعب السوري ورئيسه أحمد الشرع، وبات بشارة يحرك كل إمبراطوريته الإعلامية لمواصلة تشويه مسيرة الدولة السورية اليوم، شعبًا وحكومة، لأن فرصته الوحيدة في بقاء أرشيف وثائق آل الأسد سرية هو إسقاط مسيرة الدولة السورية اليوم، والتعاون مع كل نطيحة ومتردية التي تسهر ليلها لإسقاط الدولة السورية اليوم، شعبًا ورئاسة.

  1. 6. ثم يواصل بشارة في هذا الكتاب مناطحة الأمة الإسلامية بقرني طائفيته، متخفيًا بتقية القومية المتخيلة البعيدة عن القومية العروبية كما هي، حيث يقول في هذا الكتاب: (الطائفية تعصب لجماعة عضوية متخيلة، ونقول متخيلة لأنها ليست حقيقة في الممارسة الاجتماعية- الاقتصادية، بل هي تنمو وتتسنن أيديولوجيًا في الحداثة كبديل عن الجماعة العضوية التي جرى تدميرها. وليست الطائفية تعصبًا لقيم دينية، بل لعلاقات دنيوية من نوع معين. صحيح أن أنماطًا معينة من الأصولية الدينية تغذي الطائفية، لأنها تقوم على اعتبار الانتماء الديني انتماءً لأمة بديلة للقومية…)!

وهكذا، بجرة قلم، يطمع بشارة أن يشطب الأمة الإسلامية التي مضى عليها في تكوينها الأخير ما يزيد على 1400 عام، ويعتبرها كأنها ما كانت.

ومن الواضح لي، بناء على شطحات بشارة حول العلاقة بين الأمة الإسلامية والقومية العربية، أنه يصر على افتعال صدام وهمي في هذه العلاقة، ولأنه يصر مبدئيًا على افتعال هذا الصدام، فهو يرفض مبدئيًا وجود أمة إسلامية.

ولأن الخلافة الإسلامية هي وليدة هذه الأمة الإسلامية، فهو يرفض مبدئيًا تجديد دور الخلافة الإسلامية، يوم أن رفض مبدئيًا وجود الأمة الإسلامية، وهو ما يفسر لنا سر عداء بشارة للمشروع الإسلامي العالمي في امتداده الإسلامي العربي، لأن هذا المشروع كان ولا يزال يسعى لإحياء دور الأمة الإسلامية والعالم العربي كتكامل لا بد منه، كان ويجب أن يعود بين الإسلام والعروبة لتجديد دور الخلافة الإسلامية، وهو ما سيكون حتمًا، سواء أحب ذلك بشارة أو كره.

وإن ظل بشارة على ما هو عليه الآن، معلنًا الحرب على الصحوة الإسلامية، والمشروع الإسلامي، وحتمية تجديد دور الخلافة الإسلامية، فلن يحصد بشارة في المستقبل القريب إلا الخسران والندامة، سيما وأن بشارة لم يأتِ بجديد، فهو امتداد لمن سعوا في الماضي القريب لإسقاط الخلافة من رواد الدعوة القومية العمياء، حيث تعاونوا مع الصليبية العالمية والصهيونية العالمية لإسقاط الخلافة، في الوقت الذي تغنّوْا فيه بالقومية العمياء.

وها هو بشارة يتخذ من القومية العمياء التي يدعو لها، ويفترض فيها مصادمة الإسلام والأمة الإسلامية، يتخذ منها طاقية خفاء لإحباط كل الجهود الساعية لتجديد دور الخلافة الإسلامية.

  1. 7. حرصت الصحوة الإسلامية على امتدادها الإسلامي العروبي الفلسطيني، على رفض أي صوت نشاز يدّعي افتعال صِدام بين هذه الأبعاد الثلاثة، ورأت بمن يفتعل صدامًا ما بين الإسلام والعروبة عدوًا للعروبة والإسلام في الوقت ذاته، ودعت الصحوة الإسلامية لتعليم أولادها الوطنية كما تعلمهم القرآن الكريم، ودعت إلى رفض احتكار تفسير الدين، وإلى عدم التلاعب بتفسير الدين.

وإلى جانب ذلك رفضت احتكار تفسير القومية والوطنية وفق مقاسات تقوم، سلفًا، على افتعال صِدام وهمي متخيل بين الإسلام والعروبة أو بين الإسلام والوطنية.

  1. 8. العجب كل العجب أن بشارة يؤكد في كتابه أن الواقع السياسي في إسرائيل يفرض على الحركة الوطنية خوض الصراع من داخل بنيته السياسية، بما في ذلك الكنيست. ثم يؤكد أن التعويل على القوة العربية في الكنيست ينطوي على وهم سياسي، حيث يقول حرفيًا: (ولكن الرغبة في زيادة التمثيل تختلط بالوهم الشائع أن العرب في هذه البلاد إذا شكلوا قوة برلمانية ذات وزن، سوف يكون بوسعهم الحسم في القضايا المصيرية التي تواجه الدولة، وينبع هذا الوهم عن عدم فهم كاف لمعنى مقولة الدولة اليهودية…).

فإذا كان بشارة وصل إلى هذا الفهم العميق لمعنى مقولة الدولة اليهودية، فلماذا يدعو لانتخابات الكنيست ويسبغ عليها صبغة وطنية؟! ولماذا بادر وأعلن عن ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهو ما لم يتجرأ عليه أي فلسطيني في الداخل منذ نكبة فلسطين؟!

  1. 9. ثم العجب كل العجب أن بشارة يرى أن الجدل حول تعيين وزير عربي، فيما مضى، كشف حدود استراتيجية الاندماج في الأحزاب الصهيونية بدل بناء مشروع سياسي عربي مستقل. وهذا يجعلني أتساءل مرة ثانية: ماذا عن إعلان بشارة فيما مضى استعداده لترشيح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية؟!

أليس في ذلك الذوبان، وليس الاندماج فقط، في فكر الصهيونية ومؤسساتها وسلوكياتها؟!

ولأن رئيس الحكومة الإسرائيلية هو رئيس لجهاز الموساد، كما هو معلوم في النظام الإسرائيلي، فهل كان بشارة قد رضي سلفًا أن يكون رئيس جهاز الموساد عندما رشح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية؟!

والعجب أن بشارة، وفق كتابه، لا يعتبر مقاطعة انتخابات الكنيست موقفًا وطنيًا بحد ذاته، ويرى أنها تنبع من الارتباك المعرفي نفسه!!

فماذا نقول عن ارتباكات بشارة؟! فهو تارة يضفي على انتخابات الكنيست مسحة وطنية، وتارة يرى أنها وهم، وتارة يتغنى بالعروبة، وتارة يرشح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية!! وفي الوقت الذي يصف فيه دول الخليج بالقبلية، ها هو منذ عقود يغرق في نعمتها!!

فمن هو بشارة؟

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى