أخبار عاجلةأدب ولغةومضات

بين الرسالة والفن.. هل يمكن للأدب الإسلامي أن يكون إنسانيًا وجماليًا؟

تكتسب بعض الكتب قيمتها من الأسئلة التي تطرحها أكثر مما تكتسبها من الأجوبة التي تقدمها، لأنها لا تسعى إلى إغلاق باب النقاش، وإنما إلى إعادة فتحه من زاوية جديدة. وهذا ما يميز كتاب “الأدب الإسلامي.. بلاغ وبيان” للدكتور مصطفى شكري، الذي لا ينشغل بإعادة إنتاج السجال التقليدي حول مفهوم “الأدب الإسلامي”، ولا يقف طويلًا عند الدفاع عن شرعية المصطلح أو تفنيد اعتراضات خصومه، بل ينقل النقاش إلى مستوى أعمق: ما موقع الجمال في المشروع الإسلامي؟ وهل يمكن أن يكون الأدب رسالة من دون أن يفقد حريته الفنية، أو يكون فنًا من دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية؟

منذ الصفحات الأولى، يتضح أن المؤلف لا يكتب دراسة في النقد الأدبي بالمعنى الأكاديمي الضيق، ولا يؤلف كتابًا في الفكر الإسلامي المجرد، بل يحاول بناء جسر بين المجالين. فالمتن كله يتحرك في منطقة التماس بين البلاغة والجمال، وبين التربية والإبداع، وبين النص الديني والنص الأدبي، مستلهمًا رؤية الإمام عبد السلام ياسين، الذي لم يضع نظرية مكتملة في الأدب، لكنه بث في مشروعه الفكري إشارات متفرقة إلى الفن واللغة والشعر والذوق، سعى المؤلف إلى جمعها وصياغتها في نسق فكري متماسك.

المبنى.. من الشذرات إلى النسق
تقوم البنية العامة للكتاب على محاولة استنباط نظرية من نصوص متفرقة، وهو خيار منهجي ليس يسيرًا؛ إذ يواجه الباحث تحدي الانتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن الإشارات العابرة إلى البناء النظري. ويحسب للمؤلف أنه لم يتعامل مع نصوص الإمام باعتبارها أقوالًا معزولة، وإنما قرأها في سياق المشروع المنهاجي كله، باعتبار أن الرؤية إلى الأدب لا تنفصل عن الرؤية إلى الإنسان، ولا عن تصور العمران، ولا عن سؤال التغيير الحضاري.

ويبدو هذا الخيار واضحًا في توزيع الكتاب؛ فالمدخل لا يكتفي بتقديم سيرة أدبية لعبد السلام ياسين، وإنما يبحث في تكوينه اللغوي والثقافي، باعتبار أن الذائقة الأدبية ليست أمرًا طارئًا في مشروعه، بل جزء من تكوينه الفكري. ثم ينتقل المؤلف إلى مناقشة مفهوم الفن، قبل أن يعالج الأدب الإسلامي، ليصل أخيرًا إلى سؤال الجمال، وكأن البناء ينتقل من الدائرة العامة إلى المركز الذي يريد الوصول إليه.

وهذه البنية تمنح الكتاب قدرًا من التماسك، لأن الفصول ليست مستقلة، بل يفضي كل منها إلى الآخر، حتى تبدو القراءة وكأنها رحلة فكرية أكثر منها معالجة موضوعات منفصلة.

ومن الناحية المنهجية، يستفيد المؤلف من أكثر من أداة؛ فهو يستعين بالمنهج التاريخي في تتبع تشكل الشخصية الأدبية للإمام، وبالمنهج التحليلي في قراءة النصوص، وبالمقارنة حين يضع تصور الإمام في مواجهة الاتجاهات الجمالية الحديثة، كما يوظف أدوات البلاغة والأسلوبية في تحليل النماذج الشعرية. وهذا التنوع المنهجي لا يبدو استعراضًا أكاديميًا، بل استجابة لطبيعة الموضوع الذي يتداخل فيه الأدب بالفكر، والجمال بالعقيدة.

أما لغة الكتاب، فتجمع بين الصرامة العلمية والنبرة التأملية، فلا تغرق في المصطلحات النقدية، ولا تتخلى في الوقت نفسه عن الدقة المفهومية، وهو ما يجعل النص قابلًا للقراءة خارج الأوساط الجامعية، دون أن يفقد رصانته البحثية.

المعنى.. إعادة الاعتبار للجمال في المشروع الإسلامي
غير أن القيمة الأبرز للكتاب لا تكمن في بنائه المنهجي، وإنما في الفكرة التي يدافع عنها. فالمؤلف ينطلق من قناعة مفادها أن الأزمة التي يعيشها الخطاب الإسلامي تجاه الفن ليست أزمة نصوص، بل أزمة تصورات. فقد جرى، في كثير من الأحيان، التعامل مع الأدب بوصفه مجرد وسيلة للتوجيه أو الدعوة، حتى فقد استقلاليته الفنية، في مقابل تيارات أخرى رفعت شعار “الفن للفن”، ففصلت الجمال عن كل قيمة أخلاقية أو إنسانية.

ويرى الكتاب أن الإمام عبد السلام ياسين حاول تجاوز هذا الاستقطاب، إذ لم يقبل تحويل الأدب إلى منشور وعظي، كما لم يقبل اختزال الفن في المتعة الجمالية الخالصة. فالفن، في تصوره، ليس زينة تضاف إلى الحياة، وإنما مكوّن من مكونات الفطرة الإنسانية، والإنسان لا يهتدي بالبرهان وحده، بل يهتدي أيضًا بالجمال.

ومن هنا، يكتسب عنوان الكتاب، “بلاغ وبيان”، بعدًا رمزيًا يتجاوز الدلالة اللغوية. فالبلاغ ليس مجرد إيصال المعنى، بل إيصاله بحيث يبلغ القلب، والبيان ليس زخرفة لفظية، بل الصورة التي تجعل الحقيقة قابلة للتذوق. وهكذا يصبح الشكل جزءًا من المضمون، ويغدو الجمال شرطًا من شروط اكتمال الرسالة، لا إضافة تجميلية يمكن الاستغناء عنها.

وتبدو هذه الفكرة، في تقديرنا، أهم ما يقدمه الكتاب؛ لأنها تحاول تحرير الأدب الإسلامي من ثنائية طالما حكمت النقاش حوله: إما رسالة بلا فن، وإما فن بلا رسالة. أما مصطفى شكري، وهو يقرأ الإمام، فيقترح طريقًا ثالثًا، يرى أن الرسالة لا تبلغ غايتها إلا إذا تجلت في صورة جميلة، وأن الجمال يفقد معناه إذا انقطع عن الحقيقة.

بين التراث والحداثة
ولا يغيب عن القارئ أن الكتاب يتحاور، بصورة غير مباشرة، مع النظريات الجمالية الحديثة. فهو يناقش مفهوم “الفن للفن” الذي تشكل في أوروبا الحديثة، لكنه لا يكتفي برفضه انطلاقًا من مرجعية دينية، بل يحاول بيان حدوده الفلسفية، مقترحًا تصورًا يجعل الفن منخرطًا في سؤال الإنسان، لا أسيرًا للإيديولوجيا، ولا معزولًا عن الأخلاق.

وهنا يبرز أحد رهانات الكتاب؛ إذ لا يسعى إلى بناء قطيعة مع التراث النقدي الحديث، بقدر ما يحاول إعادة تأويله في ضوء الرؤية الإسلامية للإنسان والجمال. وهذه محاولة تستحق الانتباه، حتى وإن ظلت بحاجة إلى مزيد من الحوار مع المدارس النقدية والفلسفية المعاصرة، خاصة تلك التي أعادت التفكير في العلاقة بين الفن والأخلاق والدين.

قراءة في المشروع أكثر من قراءة في الأدب
وربما تكون هذه هي الملاحظة المنهجية الأبرز على الكتاب؛ فهو، في جوهره، ليس كتابًا في الأدب وحده، بل في المشروع الفكري لعبد السلام ياسين من بوابة الأدب. ولذلك فإن القارئ الباحث عن نظرية نقدية متكاملة قد لا يجد جميع الأسئلة التقنية المتعلقة بالأجناس الأدبية أو مناهج القراءة، لأن اهتمام المؤلف يتجه أساسًا إلى استخراج الفلسفة الجمالية الكامنة في المشروع المنهاجي، وربطها بسؤال التغيير الحضاري.

ومع ذلك، فإن هذا الاختيار لا ينتقص من قيمة الكتاب، بل يحدد موقعه الحقيقي؛ فهو أقرب إلى التأصيل الفكري للجمال في التصور الإسلامي منه إلى التأريخ للأدب الإسلامي أو التنظير النقدي الخالص.

يقدم الدكتور مصطفى شكري في “الأدب الإسلامي.. بلاغ وبيان” محاولة جادة لإعادة طرح سؤال الجمال داخل الفكر الإسلامي، بعيدًا عن ثنائيات الوعظ والمتعة، أو الالتزام والحرية. ومن خلال قراءة متأنية لإرث الإمام عبد السلام ياسين، يخلص إلى أن الفن لا يقف على هامش المشروع الإسلامي، بل يحتل موقعًا في صميمه، لأنه يخاطب الفطرة، ويوقظ الذوق، ويهيئ القلب لتلقي الحقيقة.

وإذا كان الكتاب ينجح في شيء، فهو نجاحه في إعادة الاعتبار إلى فكرة طالما غابت عن كثير من النقاشات المعاصرة، وهي أن الجمال ليس ترفًا ثقافيًا، ولا ملحقًا بالحقيقة، بل أحد وجوهها؛ وأن الكلمة حين تبلغ أعلى درجات الصدق، فإنها تبلغ، في الوقت نفسه، أعلى درجات الجمال.

الأدب الإسلامي.. بين سؤال الهوية وسؤال الإنسانية
غير أن الكتاب، وهو يدافع عن حضور الإسلام في مجال الأدب والجمال، يلامس سؤالًا قديمًا ما يزال حاضرًا في النقد الأدبي: هل يوجد بالفعل ما يمكن تسميته “أدبًا إسلاميًا”؟ أم أن الأدب، في جوهره، تجربة إنسانية مفتوحة لا تقبل الاختزال داخل هوية دينية أو أيديولوجية محددة؟

هذا السؤال ليس هامشيًا، بل يقع في قلب الجدل حول مفهوم الأدب الإسلامي منذ ظهوره كمصطلح نقدي. فالمعترضون على التسمية يرون أن الأدب، قبل أن يكون تعبيرًا عن انتماء ديني أو ثقافي، هو تعبير عن الإنسان في ضعفه وقوته، في قلقه وأسئلته، في فرحه وألمه، وأن قيمة النص الأدبي لا تُقاس بالهوية الفكرية التي يعلنها صاحبه، وإنما بقدرته على النفاذ إلى التجربة الإنسانية وصياغتها بلغة فنية مؤثرة. ومن هذا المنظور، فإن إضافة صفة “الإسلامي” قد تبدو محاولة لتقييد مجال إبداعي بطبيعته يتغذى من التعدد والتجربة الفردية.

لكن المدافعين عن مفهوم الأدب الإسلامي لا ينطلقون بالضرورة من الرغبة في إنشاء أدب مغلق أو بديل عن الأدب الإنساني، بل يرون أن كل أدب يحمل، بشكل مباشر أو غير مباشر، رؤية إلى الإنسان والعالم والقيم. فكما أن الأدب الوجودي أو الماركسي أو القومي لم يُنظر إليه باعتباره إلغاءً لإنسانية الأدب، فإن الأدب المنطلق من مرجعية إسلامية يمكن أن يُفهم باعتباره تعبيرًا عن رؤية حضارية محددة للوجود، لا باعتباره سجنًا للتجربة الإبداعية.

وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية التي يحاول كتاب “الأدب الإسلامي.. بلاغ وبيان” الدفاع عنها؛ فالإسلامية، في التصور الذي يعرضه المؤلف، ليست قالبًا خارجيًا يُفرض على النص، ولا مجموعة شعارات دينية تُضاف إلى العمل الأدبي، وإنما هي طريقة في النظر إلى الإنسان والحياة والكون. فالأديب المسلم لا يكتب بالضرورة عن موضوعات دينية مباشرة، ولا تتحول قصيدته أو روايته إلى درس وعظي، وإنما تظهر رؤيته من خلال حساسيته تجاه الإنسان، ومن خلال موقعه من أسئلة الخير والشر، والمعنى والعبث، والحرية والمسؤولية.

بهذا المعنى، يصبح الخلاف الحقيقي ليس حول وجود “أدب إسلامي” من عدمه، بل حول المقصود بهذه العبارة. فإذا كان المقصود أدبًا حزبيًا أو دعائيًا يختزل الفن في وظيفة تبليغية مباشرة، فإن الاعتراض عليه مفهوم ومشروع؛ لأن الأدب يفقد جوهره حين يتحول إلى منشور أو خطاب تعبوي. أما إذا كان المقصود أدبًا ينطلق من تصور إسلامي للإنسان، ويحافظ في الوقت نفسه على شروط الإبداع والجمال والعمق، فإن الأمر يصبح أقرب إلى الحديث عن أدب ذي مرجعية حضارية، لا عن أدب مغلق على نفسه.

ومن هنا تبرز أهمية ثنائية “البلاغ والبيان” في عنوان الكتاب؛ فالبلاغ وحده قد يقود إلى المباشرة، لأن همه إيصال الرسالة فقط، بينما البيان يذكر بأن الطريقة التي تصل بها الرسالة جزء من حقيقتها. فالنص الذي يريد أن يهدي الإنسان لا يمكن أن يهمل إنسانية الإنسان، ولا ذائقته، ولا حاجته إلى الجمال. والكاتب الذي يحمل همًا إيمانيًا لا يُعفى من شروط الفن، بل ربما يصبح أكثر مطالبة بإتقانها، لأن الجمال في هذا التصور ليس خصمًا للرسالة، وإنما أحد شروط حضورها.

ولعل المخرج من هذا الجدل يكمن في النظر إلى الأدب الإسلامي لا باعتباره تصنيفًا يقابل “الأدب الإنساني”، بل باعتباره أحد أشكال التعبير داخل التجربة الإنسانية نفسها. فالإسلامي لا يأتي هنا ضد الإنساني، وإنما يمكن أن يكون أحد تجلياته، ما دام ينطلق من الإنسان ويخاطب الإنسان ويحافظ على حرية الفن وعمقه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى