أخبار وتقاريرمقالاتومضات

ما بعد صعود الليكود: الخطاب العربي في الكنيست وترسيخ “بعبع اليمين”

ساهر غزاوي

مثّل وصول حزب الليكود إلى السلطة بقيادة مناحيم بيغن عام 1977 نقطة تحول في الخطاب السياسي العربي داخل الكنيست، وانعكس ذلك بوضوح على الحملات الانتخابية للأحزاب العربية وخطابها الموجّه إلى الناخب العربي. غير أن هذا التحول لم يكن نتيجة تغير جوهري في المشروع الصهيوني، بقدر ما كان تحولًا في أولويات الخطاب العربي نفسه. فمنذ تلك اللحظة أخذ “اليمين” يتحول تدريجيًا إلى العنوان المركزي في السجال الانتخابي العربي، بينما بدأ حزب العمل يُقدم باعتباره “الأقل ضررًا” والأكثر استعدادًا للتوصل إلى تسوية سياسية.

ولم يكن هذا التحول انتقالًا من خطاب يطعن في شرعية المشروع الصهيوني إلى المفاضلة بين تياراته، لأن الخطاب العربي داخل الكنيست قبل صعود الليكود لم يكن ينطلق أصلًا من هذا الطرح، بل كان يتمحور حول المطالب المدنية أو معارضة سياسات الدولة من داخل مؤسساتها. أما بعد صعود الليكود، فقد أصبح مركز الثقل في الخطاب الانتخابي العربي هو المفاضلة بين أحزاب الحكم الإسرائيلية، وتقديم حزب العمل باعتباره الخيار “الأقل ضررًا”، ليتحول التحذير من اليمين تدريجيًا إلى العنوان الأبرز في معظم الحملات الانتخابية العربية.

بدأ هذا المسار مع فوز الليكود عام 1977، ثم تعزز بعد إعادة انتخاب مناحيم بيغن عام 1981 واستمراره في الحكم حتى استقالته عام 1983، ليخلفه إسحاق شامير. وخلال هذه السنوات أخذت تتبلور دعوات سياسية ترى أن الأولوية تكمن في منع استمرار حكم الليكود، وأن حزب العمل يمثل، بالمقارنة معه، الخيار “الأقل ضررًا” والأكثر استعدادًا للدخول في تسوية سياسية.

غير أن هذا التصور يستدعي وقفة نقدية. فحزب العمل لم يكن خارج المشروع الصهيوني أو نقيضًا له، بل كان الامتداد السياسي للحركة الصهيونية العُمّالية التي قادت إقامة دولة إسرائيل عام 1948، في سياق شهد ارتكاب مجازر وعمليات تطهير عرقي وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم. كما أشرفت على بناء مؤسسات الدولة، وإقامة نظام الحكم العسكري، ومصادرة معظم الأراضي الفلسطينية داخل ما يُعرف بـ”الخط الأخضر”. ومن ثم، فإن وصف حزب العمل بأنه “الأقل ضررًا” لم يكن يعني اختلافًا في جوهر المشروع الصهيوني، وإنما كان يعكس المفاضلة بين تيارين ينتميان إلى المشروع نفسه، مع اختلافهما في أساليب إدارة الصراع، لا في الأساس الذي قامت عليه الدولة أو في شرعية المشروع الصهيوني.

ومن هنا، لم يكن التخوف من اليمين في الخطاب الانتخابي العربي قائمًا على اعتباره خارج المشروع الصهيوني أو مختلفًا عن “اليسار” في جوهره، وإنما على كونه أكثر صراحة في التعبير عن هذا المشروع، بينما بدا حزب العمل أكثر قدرة على تسويقه وإدارته سياسيًا ودوليًا.

وتكرس هذا التوجه بصورة أوضح في انتخابات عامي 1984 و1988، حين تنافس إسحاق شامير وشمعون بيرس على رئاسة الحكومة. فقد طُرح بيرس في الخطاب العربي باعتباره أكثر استعدادًا للتسوية، في مقابل شامير الذي عُدّ رمزًا لسياسات التشدد والاستيطان. غير أن نتائج الانتخابات قادت في المرتين إلى حكومات وحدة وطنية شارك فيها الحزبان معًا، وهو ما كشف أن التنافس بينهما لم يمنع استمرار السياسات الأساسية للدولة، سواء في قضايا الأرض أو الاستيطان أو تعريف إسرائيل لنفسها.

أما انتخابات عام 1992 فقد مثلت الذروة الأولى لهذا المسار. فقد قُدم إسحاق رابين في الخطاب الانتخابي العربي باعتباره الفرصة الحقيقية لإنهاء حكم الليكود وفتح باب التسوية السياسية. ولا أريد هنا التوقف عند ما طغى عليه خطاب “اليسار الإسرائيلي”، الذي جعل كثيرين يقفزون على ما سبق عام 1967، ولا عند السجل العسكري والسياسي لرابين، الذي كان عضوًا وقائدًا بارزًا في عصابات “البلماح” و”الهاجاناه” قبل قيام الدولة، وارتبط اسمه لاحقًا بسياسات قمع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بما في ذلك سياسة “تكسير العظام”. فالمقصود هنا ليس تقييم شخصية رابين، وإنما بيان الكيفية التي جعل بها الخطاب الانتخابي العربي المفاضلة بينه وبين إسحاق شامير محورًا رئيسًا للنقاش السياسي. وقد حظيت حكومة رابين بدعم الأحزاب العربية من خارج الائتلاف، الأمر الذي مكّنها من تمرير اتفاقيات أوسلو، غير أن هذا التحول لم يمس الأسس التي قامت عليها الدولة أو المشروع الصهيوني، بل بقي محصورًا في إدارة الصراع ضمن السقف السياسي القائم.

وفي انتخابات عام 1996 بلغ خطاب المفاضلة بين “اليمين” و”اليسار” ذروته. فقد تحولت المنافسة بين شمعون بيرس وبنيامين نتنياهو إلى معركة انتخابية كبرى، وبرزت دعوات واسعة داخل الخطاب العربي إلى منع وصول نتنياهو إلى الحكم، باعتباره يمثل اليمين الأكثر تشددًا. لكن النتائج جاءت بعكس تلك التوقعات، إذ فاز نتنياهو بفارق ضئيل، لتبدأ مرحلة جديدة من حكم اليمين.

وتكرر المشهد مرة أخرى في انتخابات عام 1999، حين طُرح إيهود باراك باعتباره البديل القادر على إسقاط بنيامين نتنياهو وإحياء “عملية السلام”. وقد بلغت نسبة التصويت في المجتمع العربي نحو 75%، فيما منحت الأغلبية الساحقة من المصوتين العرب، والتي قُدرت بنحو 95%، أصواتها لباراك في الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة، أملًا في إنهاء حكم اليمين وفتح صفحة سياسية جديدة.

غير أن هذا الرهان لم يحقق ما عُلّقت عليه من آمال. ففي عهد حكومة باراك سمحت الحكومة بزيارة زعيم المعارضة آنذاك، أريئيل شارون، إلى المسجد الأقصى في نهاية أيلول/سبتمبر 2000، وهو الحدث الذي أعقبه اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وبعد أيام قليلة، شهدت البلدات العربية في الداخل هبّة القدس والأقصى، التي قُتل خلالها ثلاثة عشر مواطنًا عربيًا برصاص الشرطة الإسرائيلية. وهكذا وجد المجتمع العربي نفسه أمام واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخه الحديث، رغم أنه كان قد منح باراك دعمًا انتخابيًا غير مسبوق، على أمل أن يؤدي إسقاط اليمين إلى تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية.

ومنذ ذلك الوقت أخذ الخطاب نفسه يعيد إنتاج ذاته في كل دورة انتخابية تقريبًا. فتبدلت الأسماء من بيرس إلى باراك، ثم إلى أولمرت وليفني وغيرهم من مرشحي الوسط و”اليسار”، بينما بقي الهدف المعلن هو منع اليمين من الوصول إلى الحكم أو الحد من نفوذه. غير أن الحصيلة التاريخية جاءت معاكسة لهذا الرهان، فقد ازداد اليمين الإسرائيلي قوة، في حين تراجع حزب العمل تدريجيًا من الحزب الذي أسس الدولة وقادها لعقود طويلة إلى حزب فقد ثقله السياسي، قبل أن يندمج عام 2024 مع حزب “ميرتس” تحت اسم “الديمقراطيون” بقيادة الجنرال المتقاعد يائير غولان. وهكذا انتهى المسار الذي بُني عليه خطاب “الأقل ضررًا” إلى أفول الحزب الذي كان يُقدم لعقود باعتباره البديل القادر على كبح اليمين، بينما بقي المشروع الصهيوني مستمرًا، وتواصلت سياساته، وتعاظم نفوذ اليمين أكثر من أي وقت مضى.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فالأحزاب التي قُدمت في الخطاب العربي باعتبارها “اليسار الإسرائيلي” أو “معسكر السلام” هي نفسها التي أسست الدولة، وأقامت مؤسساتها، وأدارت الحكم العسكري، وصادرت الأراضي الفلسطينية. ولذلك لم يكن الخلاف بينها وبين الليكود، من المنظور الفلسطيني، خلافًا على جوهر المشروع الصهيوني، بل على أساليب إدارته وأدواته. ومن هنا، لم يولد “بعبع اليمين” من تحول في طبيعة المشروع، بل من تحول في الخطاب الانتخابي العربي الذي جعل المفاضلة بين الليكود وحزب العمل محورًا رئيسًا في معاركه السياسية.

وبعد ما يقارب نصف قرن، تبدو الحصيلة واضحة: ازداد اليمين قوة، وتراجع حزب العمل حتى كاد يختفي من المشهد، وبقي السؤال الأهم: إلى أي مدى خدم هذا الرهان الفلسطينيين في الداخل؟ وهل أسهم الانشغال الدائم بالمفاضلة بين أجنحة المشروع الصهيوني في صرف الاهتمام عن بناء مشروع سياسي وطني مستقل، يستند إلى أولويات المجتمع العربي الفلسطيني وقضاياه، بدل أن يبقى أسيرًا لمعادلات السياسة الإسرائيلية؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى