معركة الوعي (289) وقفة مع سلوكنا السياسي منذ النكبة بين ما يجمع وما يفرّق وما يجب أن يُقال!
حامد اغبارية
1)
إن قراءة تاريخية للسلوك السياسي لفلسطينيي الداخل بعد النكبة وإنشاء الدولة الإسرائيلية على أنقاض الشعب الفلسطيني، ستجعلك تفهم عمق الأزمة في السلوك السياسي للأحزاب الفاعلة في الساحة اليوم، وأكثر من ذلك ستجعلك تفهم بعمق أكبر حجم الكارثة التي ألحقها هؤلاء بهوية هذا المجتمع.
إن الكارثة التي أصابت مجتمعنا عقب النكبة يمكن أن نلمسها في الانسجام السريع (كسرعة البرق!!) مع الواقع الجديد، وكأن شيئا لم يكن، وكأن نكبة لم تقع، وكأن شعبا لم يُقتلع أغلب أبنائه من أرضهم، وكأن مئات القرى لم تُهدم، وكأن دماءً لم تُسفك، وكأن تاريخا لم يُسرق، وكأن سرديّة لم تزوّر، وكأن وطنا لم يُنهب!! وكأنه كان هناك من ينتظر اللحظة! إذ سرعان ما وجدنا مِن بيننا مَن قرأ المشهد بالمقلوب، واختار منهج السلامة، وسار في التلم المرسوم رغم اعوجاجه الظاهر للعيان.
2)
كيف يمكن تفسير أنّه لم تمض ثمانية أشهر على إيقاع النكبة على شعبنا، وقبل أن تجف دماء الضحايا، وقبل أن تغرب الشمس على أنقاض القرى المهدومة، وقبل أن يستقر المهجرون من أبناء شعبنا في مخيمات اللجوء، وقبل أن تتحرك الجهات الأممية (ذات الإنسانية المفرطة!!) لتوزيع الزيت والطحين (ببطاقة التموين المهينة) وملابس البالة على اللاجئين، وإذا بفريق منا يجهّز نفسه للتعايش بسلام مع الواقع الجديد الذي فرضته على شعبنا تلك الجهات الأممية (المفرطة في إنسانيتها!!)! كيف يمكنك تفسير مشاركة ذلك الفريق في اللعبة السياسية الإسرائيلية منذ الكنيست الأولى!! أليس هذا من أعجب العجب؟!! ألا يطرح هذا ألف سؤال وسؤال؟!
3)
إن شعبًا وقع عليه ما وقع شعبنا، وفي ذات الظروف، ما كان ليقبل على نفسه هذا السلوك، بل كان سيعبّر عن رفضه لذلك الواقع الذي فُرض عليه ولو عن طريق السلوك السلبي، لا بالسقوط (الحُرّ) في أتون السياسة الإسرائيلية. كان أقل ما يجب عمله في ذلك الوقت بعد بضعة أشهر من وقوع النكبة، إعادة ترتيب الأوراق بدلا من توزيع أوراق التصويت للكنيست، وتشغيل التفكير خارج الصندوق، بدلا من حشد القطيع للذهاب إلى صندوق التصويت للكنيست. كان يمكن لنا منذ اللحظة الأولى التي اتّضحت فيها الصورة، أن نحمي مجتمعنا من كل تلويثات ملعب السياسة الإسرائيلية، بخيارات أخرى أقلّها عدم الانجرار إلى ذلك الملعب، وبناء منظومة عمل وطنية تحفظ الهوية وتؤكد الانتماء وترفض السير في ذلك الطريق الأعوج، الذي كلما سار فيه من يسيرون (إلى اليوم) ازداد اعوجاجا وانحرافا، في ظل حكم عسكري صارم كاتم للأنفاس. فهل سأل أحد السؤال الواجب: كيف وقع ما وقع؟ وكيف اندمج من اندمجوا مع السمفونية الجديدة تحت الحكم العسكري؟! أليس هذا السؤال بحاجة إلى دراسة وبحث مستفيض للحصول على جواب قاطع؟!
4)
كيف بهذه السرعة، وفي ظل الحكم العسكري المطبق على خناق شعبنا، تخرج أحزاب وحركات سياسية، تلفعت بطابع وطني، لنجدها قد انسجمت مع الواقع الجديد، كنموذج الجبهة العربية الشعبية، التي أُسست بعد عشر سنوات من النكبة، لتقول للجمهور الذي تخاطبه إنها تطالب بإلغاء سياسة التمييز بين المواطنين وتحقيق المساواة؟!! ما معنى ذلك؟!
ليس لهذا إلا معنى واحد: لقد حدث ما حدث، وكان ما كان، وأصبح من الماضي، ونحن أبناء اليوم، وقد أصبحنا مجرد مواطنين في الدولة الجديدة التي قامت على أنقاضنا، ومشكلتنا (الوحيدة!!) أننا نعاني من التمييز، ولذلك نطالب بالمساواة في الحقوق، حتى لا نشعر أننا مواطنون من الدرجة الثانية. فما الذي تغير منذ ذلك الوقت؟! إنها ذات اللعبة بوجوه جديدة!!
لقد ارتكب هؤلاء وأمثالهم خطيئة تاريخية لا تمحوها أية تفسيرات أو تبريرات أو تذرع بواقعية أو عقلانية، إذ لو أنهم لم يفعلوا ما فعلوه لكانت الأمور قد اتخذت شكلا آخر، ولكنّا اليوم في مكان آخر، ولكانت النتائج على غير ما نرى اليوم.
لقد تسبب هؤلاء (وغيرهم) في انشطار شعبنا وتشظيه، بدلا من أن يكون كتلة واحدة تقف في وجه التحديات الجديدة، مع الحفاظ على ميراث ما قبل النكبة. وهؤلاء هم في الحقيقة من ذات السلالة التي حادت عن الطريق ووقعت في فخ القومية (العربية- ببُعدها العنصري)، وطعنت وحدة الأمة في ظهرها يوم شاركت في إسقاطها وتفتيتها وتفكيكها وتسليمها مجانا للاستعمار الذي سلّم قيادها للمشروع الصهيوني.
(بخصوص الحزب الشيوعي الإسرائيلي، لم نسأل نفس الأسئلة، لأنه بنى وجوده واستمراريته أساسا على مبدأ أنه جزء من المنظومة الإسرائيلية وشريك فيها. وقد نشرتُ بخصوصه ثلاثة مقالات: 98 و136 و137 في السلسلة، يمكن الرجوع إليها في موقع “موطني 48”).
5)
ولقد وقع الذين كتبوا تاريخ الداخل الفلسطيني ما بعد النكبة في خطأ كبير حين صوّروا هذه الفئة للناس بأن ما فعلته يبقى ضمن إطار العمل الوطني، دون أن يضعوا سلوكها على المشرحة، ودون أن يشرحوا (نظريتهم) للجمهور! وهم نفسهم (المؤرخون) الذين راحوا يبحثون عن بقعة ضوء يضعون سلوك الحزب الشيوعي تحتها!!، ومِن أمثالهم نجد مَن صوّر هزائم (العروبة – ببُعدها العنصريّ) على أنها بطولات، وصنعت للجمهور أصناما مقدسة تاريخها كلُّه عبارة عن صفحات ملوثة بالفشل والخيبة. أوليس هؤلاء أو أمثالهم من ذات طبقة المؤرخين هم الذين مجّدوا الانقلابات الدموية، وصنّفوها على أنها إنجازات تاريخية وإنقاذ للأوطان؟!!
6)
بمثل هؤلاء لا يمكن الوثوق، ولا يمكن أن يُعدّوا من الذين يحملون همّ مجتمع الدّاخل، بل إنهم- على العكس من ذلك- جعلوا مصالح المجتمع مطيّة يصلون بها، وهمومَه وسيلة لتحقيق طموحاتهم الشخصية أو الفئوية الضيقة. وهذا ينسحب على جميع الذين ساروا ويسيرون في طريق الاستسلام للواقع، بدءا من الذين كان شعارهم إنهاء التمييز العنصري وتحقيق المساواة، وليس انتهاء بالذين زعموا أنهم إرادة شعب وقرار شعب!!
في ميدان السياسة ليس بيني وبين هؤلاء أي قاسم مشترك. ليس بيني وبين الذي هدموا البناء من أجل الكنيست، وليس بيني وبين الذين طأطأوا مباشرة بعد نكبة شعبهم أي شيء مشترك. لذلك لا أتفهمهم ولا أعذرهم ولا أبحث لهم عن مبررات، بل دوري أن أبيّن خطأهم، بل خطيئتهم، وأكشف عوار طريقهم، وأخبر الناس عن حجم المأساة التي تسببوا بها والكارثة التي أنزلوها بهذا المجتمع. وهذا ليس من حقي وحسب، بل هو واجبي وواجب كل من اختار شق الطريق الصحيح بين الصخور.
7)
أما أكثر ما يستفز فهو أن يقول قائل: إن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا! فما هو الذي يجمعنا، وما الذي يفرقنا؟ وأقصد في ميدان العمل السياسي تحديدا. نحن في الحقيقة لسنا جسدا واحدا، وإنْ كنا مجتمعا واحدا. فنحن كنا منذ أول لحظة بعد النكبة شظايا متناثرة تسبب بها أولئك الذين اختاروا السلامة، وهؤلاء الذين ساروا ويسيرون على نهجهم إلى يومنا هذا.
الآن ربما يأتي من يقول: ليتك تقول كلاما يجمع ولا يفرّق! فنحن أحوج ما نكون إلى الاجتماع على كلمة واحدة!
وهذا مطلب تضليلي، لأن الأصل أن تملك الشجاعة وتقول الحقيقة مهما كانت مُرة وصادمة، وإن أي كلام يأتي تحت ذريعة/خديعة “ما يجمع أكثر مما يفرق” هو تضليل أيضا وخيانة للحقيقة.
وسيكون لنا حديث وأمثلة كثيرة حول ما يجمع وما يفرق وما يجب أن يقال.