أخبار وتقاريردين ودنيامقالاتومضات

في ذكرى الهجرة: العهد والقسم

الشيخ كمال خطيب

يوم الثلاثاء القريب سيكون هو اليوم الأول من العام الهجري الجديد 1/ محرم / 1448. هلال رشد وخير يا هلال محرم، اللهم أهلّه علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والفرج والتمكين والفتح المبين يا رب العالمين.

رحلة الهجرة المباركة امتدت زمانيًا مدة ثمانية أيام ولياليها، وامتدت على مسافة 380 كلم هي الطريق التي سلكها النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، لكن أحداث الهجرة ابتدأت من يوم أن بدأ كفار قريش يخططون في كيفية التخلّص من رسول الله ﷺ {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [30 سورة الأنفال]. وانتهت رحلة الهجرة بحماية الله وتوفيقه وإفشال مكر وكيد قريش {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [40 سورة التوبة]. وما بين البداية زمنيًا ومكانيًا وبين النهاية، كان التطمين والأمل والوعد من الله تعالى لرسوله ﷺ أنه لن يخذله وأنه ناصره.

البداية

كان القرار الحاسم لكبراء قريش بضرورة التخلّص من رسول الله ﷺ بعد أن رأوا زيادة الإقبال من أبنائهم وشبابهم على الإسلام، رغم كل ما سبق ومارسوه من أذى وتعذيب لمن سبق منهم إلى الإسلام.

وليس أنه الإقبال على الإسلام فقط، وإنما لعلم هؤلاء الكبراء أن بعضًا من أبنائهم الذين أسلموا قد هاجروا إلى المدينة وتركوا الأهل والعشيرة، عندها كان الاجتماع الطارئ الذي خرج بثلاثة اقتراحات، كان أولها اقتراح نفي رسول الله ﷺ وطرده من مكة ورفع الغطاء العشائري عنه، فكان رفض هذا الاقتراح قد جاء على لسان الشيخ النجدي “وهو الشيطان الذي ظهر بين الجالسين على هيئة شيخ من نجد كما ورد في الحديث الشريف”، والذي قال للحاضرين: إن محمدًا صاحب حجة ولسان لطيف ومقنع وسيجتمع الناس حوله حيثما ذهب.

وكان الاقتراح الثاني حبس رسول الله ﷺ بالقيود والسلاسل ومنعه من التواصل مع الناس والحديث إليهم، وكذلك رفض الشيخ النجدي ذلك الاقتراح مبررًا رفضه بالقول: إن أصحاب محمد يزدادون قوة يومًا بعد يوم وأنهم لن يتركوه في القيد، بل سيأتون لقتالنا وتخليصه من قيده.

وكان الاقتراح الثالث، وكان صاحبه أبا جهل، الذي اقترح أن تأتي كل قبيلة من قبائل قريش بشاب جلد شجاع ذي نسب، فيدخل كل هؤلاء الشباب على محمد فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرّق دمه بين القبائل، فلا يقدر بنو هاشم على قتال كل القبائل. وإذا بالشيخ النجدي يبتسم ويبارك ما قاله أبو جهل قائلًا: نعم الرأي.

إنها الأسرار الثلاثة والاقتراحات الكيدية التي ضمنها الله سبحانه بقوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [30 سورة الأنفال].

التطمين

وهكذا سارت الخطة وفق مكرهم، لكن الله سبحانه كان أشدّ منهم مكرًا وتدبيرًا لحماية وحفظ رسوله ﷺ، وليس هذا وحسب بعد إذ سلّمه الله منهم وأخرج رسوله ﷺ سالمًا من بينهم، وإنما خلال رحلة الهجرة كلها زمانًا ومكانًا فإنه كان التطمين من الله لرسوله ﷺ بأنه مانعه وناصره وأن هذا الخروج سيكون مؤقتًا وأنه يومًا سيعود إلى مكة موطنه ومولده، وهي التي بكاها ﷺ وهو ينظر إليها يوم خروجه منها، وقال: “والله إنك أحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”.

كان التطمين من الله لرسوله ﷺ على شكل وعد حازم من الله الذي لا يخلف وعده {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} [85 سورة القصص]. ومع الوعد الصادق بالعودة، كان الوعد والوعيد لمكة وكبرائها بأن ينزّل الله عليهم عقابه جرّاء فعلتهم الخسيسة وسلوكهم اللئيم بإخراج رسول الله ﷺ من بيته وبلده {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [13 سورة محمد]، لكأن الله سبحانه في تطمينه لرسوله ﷺ بالعودة بعد الهجرة فإنه يستصغر بل ويحتقر قريشًا وزعماءها وزعمهم أنهم الأقوياء والقادرون على تهجير محمد ﷺ من بيته، فإن هناك من هم أشد وأعظم منهم قوة لكن الله تعالى قدر عليهم وأذلّهم وأخزاهم بل وأهلكهم.

ولقد برزت معاني التطمين والمعيّة الربانية من الله تعالى لرسوله ﷺ في كل خطوة وكل محطة من محطات الهجرة الشريفة، وكان أبرزها ما حصل معه مع أم معبد وشاتها يوم مسح على ضرع الشاة فامتلأ لبنًا شرب منه وشرب أبو بكر حتى ارتويا، وهي الشاة الهزيلة التي ما خرجت للرعي لشدة هزالها. ثم كان ما حصل معه ﷺ مع سراقة بن مالك، ذلك الفارس القرشي الذي أغراه العرض السخيّ والجائزة غير المسبوقة، مائة ناقة حمراء لمن يأتي برسول الله ﷺ حيًا أو ميتًا.

إنه سراقة الذي لحق برسول الله يبحث عنه حتى أدركه لولا أن الله تعالى جعل فرسه تتعثر في الرمل كلما أوشك أن يمسك برسول الله ﷺ، ولما تكرّر ذلك مرارًا أدرك بعقله أن رسول الله ﷺ ممنوع ومحفوظ من الله سبحانه، فتوقّف عن الملاحقة، لا بل أخذ على نفسه العهد على أن يعمّي عن رسول الله ﷺ ولا يذكر أنه لحق به. وكان الوعد أن يلبسه رسول الله ﷺ إسواري كسرى ملك الفرس، وكان له ذلك يومًا، حين ألبسه إياها عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند فتح المدائن عاصمة الفرس.

لقد وعدت قريش بمائة ناقة حمراء فلم يتحقق وعدها وأفشل الله كيدها، بينما وعد رسول الله ﷺ سراقة بإسواري كسرى فتحقق وعد رسول الله ﷺ ولو بعد حين.

ففي غمرة، وفي ذروة المطاردة والملاحقة في طريق الهجرة، كان التطمين وكانت المعيّة الربّانية بارزة وحاضرة تلفّ رسول الله ﷺ من كل جانب.

الحرس الملكي والحرس الملائكي

إن رحلة الهجرة التي ابتدأت بمجلس الكيد والتآمر والمكر {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [30 سورة الأنفال]، وخلالها كان الوعد من الله تعالى والتطمين منه سبحانه لرسوله ﷺ بالحفظ والحماية ثم بالعودة يومًا إلى مكة. لكن الفصل الأصعب والأكثر إثارة، فصل بداية الفرج والنهاية السعيدة، كان في الغار، وقد دخله رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه وقد وصل فرسان قريش إلى الغار ووقفوا على بابه ونظروا بداخله، غير أن الله سبحانه أعمى أبصارهم وأفشل كيدهم وحمى رسوله ﷺ {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [40 سورة التوبة].

إنها آية الهجرة، فيها تم اختزال الزمان والمكان والتعب والوجع والخوف والحزن والترقّب، لقد اختُزل ذلك كلّه بالمعيّة الربانية وإنزال السكينة والطمأنينة وإرسال الله لجنوده من الملائكة، وجعله سبحانه نهاية الرحلة بأن تكون كلمة كفار قريش هي السفلى وكلمته سبحانه هي العليا.

وإذا كان زعماء وقادة هذا الزمان رؤساء وملوكًا، ومن أجل حماية أنفسهم والتمكين لسلطانهم، ورغم أن لهم جيوشًا وأجهزة شرطة ومخابرات وكلّها مسخّرة لأجل حمايتهم وحماية سلطتهم، إلا أنهم مع ذلك فإنهم يتّخذون لأنفسهم جهازًا أمنيًا هو الأكثر إخلاصًا والأكثر تسليحًا.

فعند الملوك يسمى هذا الجهاز بالحرس الملكي، وعند الرؤساء يسمى بالحرس الرئاسي، وعند الأمراء يسمى بالحرس الأميري. وغالبًا ما يقف على رأس هذا الجهاز والتشكيل أحد خواص الخواص من المقرّبين نسبًا وولاءً لصاحب الجلالة وسيادة الرئيس أو صاحب السموّ، وكل ذلك لضمان الولاء التام.

أقول، إذا كان هؤلاء يتّخذون لأنفسهم حرسًا ملكيًا لحمايتهم، فإن الله سبحانه قد جعل لحماية رسوله ﷺ حرسًا ملائكيًا وجنودًا من الملائكة لا يُرون ولكنهم كانوا هم الحماة والمدافعين عن رسول الله ﷺ.

وليس أنهم الملائكة فقط قد أنزلهم الله لحماية والدفاع عن رسول الله ﷺ، وإنما جنود الله يسخّرهم الله أحيانًا من بعض مخلوقاته، ويسخّر الطبيعة لتكون أحيانًا جنديًا من جنود الله لما جعل الرمل يغور تحت سنابك فرس سراقة {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [31 سورة المدثر].

العهد والقسم

نحن في الساعات الأخيرة من العام الهجري 1447، لتبدأ بعدها الساعات والأيام الأولى من العام الهجري الجديد 1448. إنه اليقين يغمرنا ويلفّنا من كل جانب أن الله سبحانه سيمكّن لهذا الدين. وإن اجتماعات دار الندوة التي كان يقف على رأسها ويديرها الشيطان، فإن مثلها اجتماعات تُعقد في مراكز القرار السياسي والعسكري في واشنطن وتل أبيب وأبوظبي، حيث يديرها شياطين الإنس من الذين يمكرون مكر الليل والنهار للإجهاز والقضاء على دين محمد ﷺ كما كان قرارهم يومها.

ولكن أنى لهم ذلك وهذا الدين محفوظ بحفظ الله تعالى يومها واليوم وكل يوم. وليس أن الحفظ فقط هو بالحرس الملائكي، ولكنهم شباب وأبناء الإسلام الذين أخذوا على أنفسهم العهد أن يكونوا من الحراس الأوفياء والسدنة المؤتمنين على هذا الدين، لا يقيلون ولا يستقيلون حتى يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل.

وإذا كنا في الماضي، ومع نهاية وبداية كل عام هجري، كنا نفتح صفحات الماضي بشيء من الألم والوجع والإحباط ونحن نردد ما كان يقوله الشاعر مخاطبًا هلال شهر محرم:

ماذا سيروي غدًا أحفادنا             عنا أجبنا يا هلال محرم
أنت الذي شهد الجدود ومجدهم     وشهدتنا والمجد جدّ محطم

فإننا ومع بداية العام الهجري الجديد 1448 لن نخاطب هلال محرم بخطاب اليائسين والمحبطين الباكين على أطلال المجد، وإنما نحن الذين سنخاطبه بخطاب الثقة واليقين بالوعد الآتي والفرج القريب. وإنه القسم والعهد من شباب الإسلام أن قدم أمية بن خلف لن تظل على عنق بلال إلى الأبد، فها هو بلال قد قام ونفض عن نفسه الغبار يقول لكل أمية في كل زمان ومكان: لا نجوت إن نجا.

فاللهم أهلّ علينا هلال المحرم من العام 1448 باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، اللهم اجعله هلال رشد وخير، اللهم اجعله عام الفتح المبين والفرج القريب لأمة حبيبك المهاجر محمد ﷺ.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى