طفل من يافا يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب في السجون الإسرائيلية: عذبوني رغم أنني قاصر ومصاب بالتوحّد

أجرت صحيفة “هآرتس” لقاء مع فتى عربي من مدينة يافا يبلغ من العمر 14 عاما ويعاني من اضطراب التوحّد، تحدث فيه عن سلسلة طويلة من الانتهاكات تعرض لها خلال اعتقاله لدى السلطات الإسرائيلية، في تجربة امتدت لأسابيع داخل مراكز توقيف وسجون مختلفة، وشملت -بحسب روايته- الضرب المتكرر، وسوء المعاملة، والاعتداء الجنسي، رغم كونه قاصرا وذا إعاقة بنسبة كاملة.
الفتى، الذي أُشير إليه باسم “أمير” (اسم مستعار لحجب هويته)، اعتقلته قوات الجيش الإسرائيلي قبل نحو ثمانية أشهر خلال وجوده مع والدته في زيارة عائلية بمدينة رام الله، ولا تزال محاكمته متواصلة.
وبحسب لائحة الاتهام الإسرائيلية، يواجه الفتى اتهامات بالتواصل مع جهة أجنبية ونقل معلومات أمنية، بعد أن انضم إلى مجموعة عبر تطبيق “سيغنال” تحمل اسم “حركة السايبر والجهاد”، إضافة إلى ادعاءات بقيامه بتصوير مواقع كانت تستخدم سابقا كمنشآت عسكرية وإرسالها إلى جهة قالت إسرائيل إنها مرتبطة بتنظيم “القاعدة”، إلى جانب شبهات بمحاولته التواصل مع حركة حماس.
تقول عائلته إن “أمير” طفل يعاني من اضطرابات التوحّد منذ سن مبكرة، وقد واجه صعوبات كبيرة في التواصل داخل المدرسة، حيث احتاج في سنواته الأولى إلى وسائل خاصة للتعليم والتواصل.
وتضيف والدته أن حالته كانت صعبة جدا في طفولته، إذ دخل المدرسة دون أن يتمكن من النطق، وكان يعتمد على إشارات بسيطة للتعبير عن احتياجاته.
ورغم انتقاله لاحقا من التعليم الخاص إلى التعليم النظامي، فإنه -بحسب العائلة- عانى من التنمر المستمر والشعور بالعزلة، قبل أن يبدأ بالانخراط في عالم الإنترنت حيث وجد مساحة للتعبير والتواصل.
بحسب روايته، تم اعتقاله خلال نومه في منزل أقارب العائلة في محيط القدس، حيث اقتحمت قوة عسكرية المكان ليلا.
يقول: “كسروا الباب وصرخوا باسمي، ثم دخل جندي ووجّه سلاحه نحوي مباشرة. رفعت يدي فوراً حتى لا أُقتل”.
بعد الاعتقال، نُقل إلى قاعدة عسكرية ثم إلى مراكز توقيف وتحقيق، قبل أن يُحوّل إلى السجون، حيث بدأت -وفق قوله- سلسلة من الانتهاكات.
يؤكد الفتى أنه تعرض للضرب المتكرر داخل مراكز الاحتجاز، سواء على يد السجانين أو من قبل معتقلين آخرين كانوا معه في الزنازين، مشيرا إلى أن العنف كان يحدث بشكل شبه يومي خلال فترة احتجازه الأولى.
ويقول إن بعض المعتقلين كانوا يجبرونه على ترديد شعارات والانتماء إلى تنظيمات مسلحة، بينما كان يتعرض للضرب والإهانة بشكل متكرر، دون أن يتم حمايته رغم إبلاغه الإدارة بذلك.
في واحدة من أخطر الشهادات، يقول “أمير” إنه تعرض لاعتداء جنسي داخل السجن على يد أحد المعتقلين، مضيفا أنه أبلغ الجهات المختصة بعد الحادثة، لكنه وُضع لاحقا في عزل انفرادي.
وتشير الرواية أيضا إلى أن أوامر قضائية صدرت بنقله من الزنزانة، لكن إدارة السجون لم تنفذها لفترة، بحسب ما يورده محاميه.
بعد انتهاء التحقيق، نُقل إلى سجن “المسكوبية” في القدس، ثم إلى سجن مجدو، حيث احتُجز مع قاصرين آخرين واعتُبر من ضمن المعتقلين المصنفين “أمنيين”.
ويقول إنه خلال التنقل بين السجون ومراكز التحقيق، كان يتعرض للضرب المتكرر داخل سيارات نقل الأسرى وخلال عمليات التفتيش، وأحيانا في غرف مغلقة بعيدا عن الكاميرات.
ويضيف أنه تعرض للإهانة والضرب في أكثر من مناسبة، بما في ذلك أثناء نقله بين مراكز احتجاز مختلفة، حيث كان السجانون -بحسب قوله- يوجهون له الشتائم ويتهمونه بالتعاون مع جهات أمنية.
أثارت قضية احتجازه موجة احتجاجات من ناشطين أمام المحاكم، ما دفع السلطات لاحقا إلى الإفراج عنه إلى إقامة منزلية تحت إشراف متطوعين لفترة من الزمن، قبل نقله لاحقا إلى مؤسسة رعاية متخصصة.
ويعيش “أمير” حاليا في مؤسسة رعاية خاصة بإشراف وزارة الرفاه، مخصصة للقاصرين ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يتلقى رعاية ودعما نفسيا وتعليميا.
قال محاميه، يغئال دوتان، إن موكله تعرض لـ”معاملة قاسية وغير إنسانية”، مؤكدا أن كونه قاصرا وذا إعاقة كان يجب أن يوفر له حماية خاصة، وليس احتجازا قاسيا بهذا الشكل.
وأضاف أن الفتى بحاجة إلى فترة طويلة من العلاج النفسي والجسدي، مشيرا إلى أن هناك “مئات القاصرين” في أوضاع مشابهة داخل السجون الإسرائيلية.
في المقابل، نفت مصلحة السجون الإسرائيلية هذه الاتهامات، وقالت في بيان إن “جميع حقوق المعتقل كانت مصانة”، ووصفت الاتهامات بأنها “جزء من حملة تشويه لا تستند إلى أدلة”، مؤكدة أن عملها يخضع لرقابة الجهات القضائية.
في ختام شهادته، يقول “أمير”: “يبدو أنهم يعذبون كل من يُصنف أسيرا أمنيا، مهما كان عمره أو حالته أو جنسيته. أنا طفل معاق، ومع ذلك عذبوني”.
ورغم التجربة القاسية، يعبر الفتى عن رغبته في مواصلة تعليمه، قائلا إنه يريد دراسة الفلسفة والتاريخ والعلوم السياسية والقانون، ويأمل أن يصبح محاميا يوما ما.