أخبار وتقاريردين ودنياومضات

غنائم العمر: في رحاب عشر ذي الحجة؛ أسرارٌ وأذكارٌ وأشواق

الشيخ أحمد علي حماد – رئيس هيئة الدعوة في أم الفحم

الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، خلق الأيام والشهور، فاختار منها أوقاتًا جعلها لنفحاته ميدانًا، وللطاعات بستانًا. ومن أعظم ما اختار سبحانه هذه الأيام العشر؛ أيامٌ مباركات، عالية الدرجات، متنوعة الطاعات، تلاحقت لياليها لتقول لكل مسلم ومسلمة: “كن أعبد الناس فيها”.

إن من جليل نعم الله علينا نعمة التوفيق، وبين أيدينا عشرٌ غالية، حريٌّ بنا أن نغتنم كل لحظة فيها، فهي دقائق نفيسة ولحظات لا تُعوض، والسعيد حقًا من اغتنم هذه النفحات التي أقسم الله بها في كتابه فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.

  1. لماذا هي أفضل أيام الدنيا؟

لقد أجمع العلماء على أن العمل الصالح في هذه الأيام أحب إلى الله من العمل في غيرها، بل إنها تفضل العشر الأواخر من رمضان في نهارها. وسر هذا التشريف يكمن في اجتماع أمهات العبادات فيها؛ حيث تلتقي الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج في آنٍ واحد، وهو شرف زماني لا يتكرر.

فيها اكتمل الدين، وأتم الله النعمة على الأمة؛ وفيها يوم عرفة الذي تُسكب فيه العبرات، ويوم النحر الذي سطر فيه الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام أروع معاني الامتثال والعبودية.

وكان السلف الصالح يدركون قيمة هذه الدقائق؛ فهذا سعيد بن جبير كان يجتهد فيها اجتهادًا شديدًا ويقول: “لا تطفئوا سروجكم في ليالي العشر”، كناية عن قيام الليل والعبادة. فمن عرف شرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، وكما قيل: “من لاح له فجر الأجر هان عليه التكليف”.

  1. حجة الوداع، رسائل ووصايا خير الأنام:

الدين منهاج حياة، ودستور أمة، ورعاية للحقوق وحفظ للنفوس. وفي هذه الأيام المباركة نستذكر “حجة الوداع”؛ تلك الحجة التي لم تكن مجرد درسٍ في تفاصيل المناسك، بل كانت إعلانًا لمنهج حياة للأمة بأسرها. لم يُطل النبي ﷺ في تفصيل الأفعال، بل قال قاعدته الجامعة: «خذوا عني مناسككم»، ثم صبّ تركيزه في خطبته البليغة على القضايا الكبرى التي تُقيم الأمة وتمنع سقوطها، مرسخًا القواعد التالية:

حرمة الدماء والأموال والأعراض: قال ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا…»، فجعل حرمة الإنسان كحرمة أعظم زمان ومكان، لأن سقوط الأمم يبدأ من الاستهانة بالحقوق لا من نقص العبادات.

إبطال الظلم والربا والثأر: حيث بدأ ﷺ بأقرب الناس إليه فوضع ربا العباس ودم ربيعة بن الحارث، ليؤكد أن العدل تضحية لا شعارات، منهيًا سلاسل الانتقام والربا الجاهلي.

الوصية بالنساء والاعتصام بالوحي: أوصى بالنساء خيرًا لأن صلاح البيوت أساس صلاح الأمة، ودعا للاعتصام بكتاب الله كضمانٍ حقيقي للثبات ضد الضلال.

المساواة وتبليغ الرسالة: قرر أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وحمّل الأمة أمانة البلاغ: «فليبلغ الشاهد الغائب».

لقد علم النبي ﷺ أن المناسك ستُحفظ بالمشاهدة، لكن الذي قد يضيع هو العدل والقيم؛ فالحج الحقيقي أن ترجع بلا ظلم، ولا أكل للحرام، ولا انتهاك للأعراض، وإلا نكون قد أخذنا شكل العبادة وضيعنا روحها.

  1. روح العبادة، القلب والسر في “الذكر الكثير”:

ليست العبرة في هذه الأيام بصورة العبادة الظاهرة فحسب، بل بروحها وحضور القلب فيها. قد يصوم اثنان: أحدهما صام عن الطعام والشراب فقط، والآخر صام ولسانه يلهج بالذكر والتكبير؛ فالفرق في الأجر بينهما عظيم. قال بعض السلف: “العبادة جسد والذكر روحها؛ فالصيام بلا ذكر جسد بلا روح، والحج بلا ذكر سفر بلا زاد”.

لذا، فإن المحور الأساسي للنفع في هذه الأيام هو “الذكر الكثير”، وهو سلاحك الفتاك ضد الهموم والأحزان. ولقد اقترن الذكر بجميع مناسك الحج وأيامه في القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، فكان أعظم الحجاج والعبّاد أجرًا أكثرهم لله ذكرًا. وكان أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في هذه العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

  1. التسبيح، عوالم من نعيم الروح:

وإذا تتبعنا “التسبيح” في القرآن، لوجدنا عجبًا؛ فهو الذكر الذي يغير المقادير ويفرج الكروب، كما في قصة يونس عليه السلام: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. والتسبيح هو لغة الكون الشاملة؛ فهو ذكر الملائكة، والجبال، والطير، وكل المخلوقات: ﴿… وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.

علاوة على ذلك، فإن التسبيح في سائر اليوم هو الترياق الشافي لضيق الصدر وسبب الرضا النفسي؛ يقول تعالى: ﴿… وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾. لاحظ كيف استوعب التسبيح سائر اليوم ليمنحك الرضا والسكينة.

  1. كن هناك بروحك وقلبك وإن لم تشد الرحال بجسدك

إن من لم يُقدّر له الحج هذا العام، ولم تتسع لجسده البقاع، فلا ينبغي أن يُحرم قلبه من الطواف. حدّث نفسك بالحج، وحرّك في قلبك الشوق، وازرع في داخلك دمعة الوقوف بعرفة ولهفة التلبية: “لبيك اللهم لبيك”.

فالله سبحانه شكور، لا ينظر إلى صورنا ولا أموالنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا ونياتنا، وربّ عبدٍ حُبس لعذر فبلغ بنيته الصادقة ما لم يبلغه السائرون بأقدامهم. إن صدق الشوق يكتبك عند الله من ضيوفه وإن كنت على فراشك، فكم من عبدٍ سبق بنيته أممًا!

  1. وختامًا:

يقول الإمام ابن تيمية: “في القلب خَلة (فراغ) لا يسدها إلا ذكر الله”. فلنعمر هذه الدقائق الغالية بالتكبير، والتحميد، والتهليل، والصلاة على النبي ﷺ. اللهم اجعلنا مكثرين لذكرك، معظّمين لشعائرك، وتقبّل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى