محاكمة الشيخ كمال خطيب.. نموذج لانتقائية المطاردة

الشيخ رائد صلاح
قبيل خروجي من سجني الأخير بأيام، حيث كنت في سجن عسقلان المعروف باسم “هشقمة”، جاء إلى ذاك السجن عنصران من رجال المخابرات، ووجها لي سلسلة من الأسئلة. وخلال إجابتي على تلك الأسئلة قلت لهم: لقد وقع عليّ ظلم شديد في ملفي الأخير الذي امتد سنوات، والذي عشت فيه حبيسًا في سجن أو حبيسًا في بيت، حيث استعنتم بمن سمّيتموهم (خبراء)، رغم أنهم جاهلون في فهم النصوص الإسلامية ومرامي اللغة العربية وتراثنا الفلسطيني، ومع ذلك فرضوا تأويلات لنصوص كثيرة كنت قد كتبتها أو صرحت بها، وابتزت النيابة- وفق تأويلهم المتعسف- أدلة ضدّي، ووضعتها بين يدي القاضي الذي لا يملك القدرة الموضوعية هو كذلك لفهم النصوص الإسلامية ومرامي اللغة العربية ودلالات تراثنا، فكان أن فرض عليّ حُكمًا، ولبثت في السجن أيامًا طويلة من حياتي بعيدًا كل البعد عن الحد الأدنى من العدالة.
فكان أن قال لي أحد رجال المخابرات: لتعلم أن هؤلاء الخبراء جاهزون طوال الوقت!! وهذا يعني أن الفهم الانتقائي الذي فرضه أولئك (الخبراء) للنصوص التي صدرت عني لم يكن لمرة واحدة، بل هم جاهزون لأداء هذا الدور معي مرة ثانية وأكثر، وهم جاهزون لأداء هذا الدور مع مَن تقرر المؤسسة الإسرائيلية انتقاءه وإخضاعه للمحاكمة، وإخضاع نصوص صدرت عنه للفهم الانتقائي لهؤلاء (الخبراء)، كي تنتزع النيابة من هذا الفهم الانتقائي ما يحلو لها من أدلة قامت على فهم باطل لإدانة من ترغب المؤسسة الإسرائيلية في إدانته والزجّ به في السجن، علمًا أن كل دليل يقوم على فهم باطل فهو باطل، ومع ذلك هو مشروع في حسابات المؤسسة الإسرائيلية، إذا ما انتقت شخصًا لمحاكمته والزجّ به في السجن، وهذا ما وقع على الشيخ كمال خطيب!!
وأنا لا أدعي هذا التحليل من عند نفسي، بل إن طاقم الدفاع عن الشيخ كمال خطيب يؤكد ذلك. فهذا المحامي رمزي كتيلات من مؤسسة “ميزان” قد صرح، معقبًا على محاكمة الشيخ كمال خطيب وإدانته: (إنّ موقف النيابة يشكل تجنيًا على المجتمع العربي)، معتبرًا أن المؤسسة الإسرائيلية تحاول (تجريم خطابٍ مشروع يرافق المجتمع العربي منذ عقود). وأضاف أن طلب فرض عقوبة تتراوح بين ثلاثين وخمسين شهرًا على الشيخ كمال خطيب (يفتقر إلى أي تأصيل قانوني)!!
وهذا المحامي حسن جبارين مدير مركز “عدالة” قد صرح معقبًا على محاكمة الشيخ كمال خطيب وإدانته: (إن الدفاع يرفض أساسًا مبدأ إدانة الشيخ كمال خطيب، معتبرًا أن تصريحاته لم تكن تحريضًا، وإنما مواقف ضد عنف الشرطة والمستوطنين، وهو خطاب مشروع يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي)!! وأضاف أن إدانة الشيخ كمال خطيب (تعني، عمليًا، تجريم الخطاب السياسي الفلسطيني في الداخل، وكل ما يتعلق بالأقصى والنكبة وتاريخ الشعب الفلسطيني).
ومن الواضح أن فهم المحامي رمزي كتيلات القانوني الحقوقي لمحاكمة الشيخ كمال خطيب يطابق فهم المحامي حسن جبارين القانوني الحقوقي لهذه المحاكمة. وهذا يعني أننا أمام مشهد انتقائي، حيث قامت المؤسسة الإسرائيلية بانتقاء الشيخ كمال خطيب، من دون كل مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، بسبب تصريحات قالها أو كتبها، وكان قد قالها أو كتبها الكثيرون من مجتمعنا في الداخل الفلسطيني قبل محاكمة الشيخ كمال خطيب على هذه التصريحات وبعد محاكمته عليها، وها هو البعض من مجتمعنا في الداخل الفلسطيني يدلي بهذه التصريحات ذاتها حتى الآن.
ورغم مشروعية هذه التصريحات قانونيًا وحقوقيًا، كما أكد ذلك المحامي رمزي كتيلات والمحامي حسن جبارين، إلا أن المؤسسة الإسرائيلية قررت انتقاء الشيخ كمال خطيب لمحاكمته على هذه التصريحات من دون كل أبناء مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، لماذا؟ سؤال يبحث عن جواب!!
ثم قررت المؤسسة الإسرائيلية انتقاء اتهام الشيخ كمال خطيب بالتحريض على الإرهاب والعنف والتماثل مع تنظيم إرهابي!! فلماذا قررت المؤسسة الإسرائيلية انتقاء هذه التهم، علمًا أنه لا يوجد ما يدين الشيخ كمال خطيب بأي من هذه التهم وفق تصريحاته؟! سؤال يبحث عن جواب!!
ثم قررت المؤسسة الإسرائيلية الاعتماد في هذا التحقيق في هذه التهم ضد الشيخ كمال خطيب على منشوريْن كان قد نشرهما الشيخ كمال خطيب عبر صفحته الرسمية على الفيسبوك، وعلى كلمة كان قد ألقاها الشيخ كمال خطيب خلال فعالية نظمتها لجنة المتابعة العليا في 11 أيار 2021.
ومع أن هذبن المنشورين والكلمة لا غبار عليها قانونيًا وحقوقيًا وفق الفهم التخصصي الخبير لطاقم الدفاع عن الشيخ كمال خطيب، إلا أن النيابة تعاملت مع هذين المنشورين ومع هذه الكلمة بأسلوب تقليدي كاسد اعتادت عليه هذه النيابة منذ عشرات السنوات، حيث ادعت في المحكمة أن هناك (خبراء) (فطاحل) قد تألقوا في فهم النص الإسلامي أكثر مما كان عليه فهم الصحابة والتابعين ومَن جاء بعدهم، وتألقوا في فهم اللغة العربية أكثر مما كان عليه الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي، وأن هؤلاء (الخبراء الفطاحل) لهم (فهم عميق) لهذين المنشورين والكلمة، لم يسبقهم على هذا الفهم أحد، وأن هذا (الفهم العميق) يدين الشيخ كمال خطيب، ويثبت التهم التي وجهتها النيابة إليه!! وهكذا تم استدعاء أولئك (الخبراء الفطاحل) إلى المحكمة، وهكذا أدلوْا (بفهمهم العميق) لهذين المنشورين والكلمة، بما يدعم ادعاءات النيابة ضد الشيخ كمال خطيب!!
وهكذا تحولت النصوص الإسلامية ونصوص اللغة العربية إلى نصوص انتقائية في حسابات النيابة، وكأن هذه النصوص باتت مشاع المعنى ومشاع التحليل ومشاع الدلالات، وكأن النيابة لها كامل الحق أن تنتقي من هذه المعاني والتحليلات والدلالات ما يوافق التهم التي وجهتها إلى الشيخ كمال خطيب، وإنْ صادَمَ كل ذلك أبجديات فهم النصوص الإسلامية ونصوص اللغة العربية!!
وهكذا استندت المؤسسة الإسرائيلية إلى هذا الانتقاء المستهجن الشاذ لفهم هذين المنشورين الذين صدرا عن الشيخ كمال خطيب، وللكلمة التي ألقاها ضمن نشاط لجنة المتابعة العليا، ولتبني المؤسسة الإسرائيلية على كل هذا الانتقاء المستهجن الشاذ انتقاء ملاحقة الشيخ كمال خطيب بواسطة اعتقاله بتاريخ 14 أيار 2021!!
فلماذا قررت المؤسسة الإسرائيلية انتقاء الشيخ كمال خطيب لاعتقاله منذ ذاك التاريخ، ثم مواصلة محاكمته حتى الآن، ثم إدخاله السجن، أو فرض الحبس المنزلي عليه، أو منعه من إلقاء خطبة الجمعة، أو منعه من الدخول إلى المسجد الأقصى؟! لماذا قررت المؤسسة الإسرائيلية انتقاء كل هذه الإجراءات ضد الشيخ كمال خطيب من دون كل أبناء مجتمعنا في الداخل الفلسطيني؟! سؤال يبحث عن جواب!!
ثم أضيف وأقول: كان من المفروض أن نشارك أنا والشيخ كمال خطيب في وفد باسم لجنة المتابعة العليا لزيارة هيئة الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى المبارك بتاريخ 29/4/2026، ولكن تم استدعائي أنا والشيخ كمال خطيب بتاريخ 27/4/2026 إلى مخفر الشرطة الإسرائيلية في الناصرة، وهناك تم تسليم كل منا أمرًا عسكريًا يمنعنا من الدخول إلى المسجد الأقصى!!
وهذا يعني أن أحد الأهداف من وراء ذلك المنع ألّا نشارك في وفد لجنة المتابعة الذي كان سيزور هيئة الأوقاف الإسلامية.
ومع أنني أرفض سلفًا وأستنكر سلفًا منع أي واحد من ذلك الوفد من الدخول إلى المسجد الأقصى!! فما سر انتقاء منعي أنا والشيخ كمال خطيب -تحديدًا- من الدخول إلى المسجد الأقصى لمنعنا- تحديدًا- من المشاركة في ذلك الوفد الممثل للجنة المتابعة العليا؟!
من الذي وقف وراء انتقاء منعي ومنع الشيخ كمال خطيب؟! هل هو الطرف الإسرائيلي فقط؟! أم أن هناك أطرافًا أخرى؟! وعلى فرض وجود أطراف أخرى، فمن هي هذه الأطراف؟! وما هي أهداف كل هذه الأطراف من وراء انتقاء هذا المنع؟! أسئلة تبحث عن أجوبة، وقد تكون الأجوبة مخفية حتى الآن، ولكن هي الأيام القادمة ستكشف لنا عن هذه الأجوبة بإذن الله تعالى.
ثم العجب كل العجب أنه بعد انتهاء زيارة وفد لجنة المتابعة لهيئة الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى، صدر أمر إسرائيلي جديد يمنعني ويمنع الشيخ كمال خطيب من الدخول إلى المسجد الأقصى لمدة نصف عام. فلماذا هذا الأمر الإسرائيلي الآن؟! وهل هناك خطبٌ ما قادمٌ على المسجد الأقصى ولا نراه الآن؟! ومن الذي وقف من وراء هذا المنع الإسرائيلي الجديد؟! هل هو الطرف الإسرائيلي فقط؟ أم أن هناك أطرافًا أخرى؟!
ثم يبقى السؤال يعود على نفسه: ما سر هذا الانتقاء ضدي وضد الشيخ كمال خطيب من دون كل مجتمعنا في الداخل الفلسطيني؟!
ثم أضيف وأقول: في اليوم الأخير من رمضان المبارك الأخير، كنتُ من ضمن وفد زرنا الشيخ عكرمة صبري، ثم كنا على وشك أن ندخل إلى أحد بيوت الأهل المقدسيين لتناول وجبة الإفطار، إلا أنه، وقبل أن ندخل إلى بيت ذاك المقدسي الكريم، تم اعتقالي، وأنا لا أعرف لماذا!! ثم أجري معي تحقيق في مسكوبية القدس، وأنا لا أعرف لماذا، ثم صدر أمر إسرائيلي يمنعني من الدخول إلى القدس لمدة سبعة أيام!!
فلماذا هذا الانتقاء؟! هل أصبح مجرد دخولي إلى القدس هو تهمة يترتب عليها اعتقالي، ثم إجراء تحقيق معي، ثم منعي من الدخول إلى القدس؟! من يقف من وراء كل هذه الإجراءات الانتقائية؟! هل هو الطرف الإسرائيلي أم أن هناك أطرافًا أخرى؟!
ثم أضيف وأقول: كان من المفروض أن أشارك في وفد المركز الجماهيري في مدينة أم الفحم بتاريخ 6/5/2026 لزيارة مجموعة مدارس في أم الفحم، ثم قبيل موعد الزيارة اتصل بي المركز الجماهيري وقال لي: لقد اعتذرت تلك المدارس عن استقبالنا لأنك من ضمن الوفد الذي سيزور تلك المدارس، فرفضنا زيارة تلك المدارس إذا لم تكن معنا!!
فمن هذا الذي يدسّ أنفه في كل شيء، ويصدر الأوامر الانتقائية في كل شيء، حتى في زيارة مدرسة ابتدائية؟! ويمنعني بموجب هذه الأوامر الانتقائية من زيارة إحدى مدارس مدينتي أم الفحم؟!
لكل ذلك أصارحكم القول وأقول: كنت قد شاركت أنا وغيري من مجتمعنا في نشاطات جماهيرية مختلفة، وبطبيعة الحال كان بعض الذين لا أشك في وفائهم لقضايانا المختلفة يلقون كلمات وفق ما هو مطلوب في تلك النشاطات، وكانت كلماتهم تلقى استحساني واستحسان الجميع، وكنت أرى من الواجب أن أقول للكثير منهم بعد انتهاء تلك النشاطات: أحسنت في كلمتك.
ولكن إلى جانب كل هذا التقدير لتلك النشاطات ولأولئك المتكلمين فيها، كنت أتساءل في نفسي: لو كنت أنا الذي ألقيت هذه الكلمات بالضبط كما ألقاها فلان، أو لو أن الشيخ كمال خطيب هو الذي ألقى تلك الكلمات بالضبط كما ألقاها فلان، هل كنت أنا أو الشيخ كمال خطيب نبيت في بيوتنا تلك الليلة؟! أم كنا سنتعرض لاعتقال في منتصف الليل كما قد وقع علينا مرات كثيرة في السنوات الماضية؟!
فلماذا هذا الإصرار على انتقاء مطاردتي ومطاردة الشيخ كمال خطيب؟!
ويبدو أنني كنت مخطئًا في تقديراتي عندما كتبت كتابًا بعنوان “مطارد مع سبق الإصرار”، حيث ظننت أن مرحلة مطاردتي مع سبق الإصرار كانت وانتهت، ولكن الواضح لي الآن أن هذه المطاردة مع سبق الإصرار لا تزال مستمرة ضدي وضد الشيخ كمال خطيب، وبات من الواضح أنها مطاردة انتقائية!! وبات من الواضح أن المؤسسة الإسرائيلية، التي حظرت الحركة الإسلامية في أواخر عام 2015، لا تزال تنظر إلى أية خطوة أخطوها أنا، أو يخطوها الشيخ كمال خطيب على أنها محاولة لإعادة بناء الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليًا وإعادة دورها.
ولقد بت على يقين أنني لو أقمت لجنة للحفاظ على النظافة في مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، أو لو أقمت لجنة باسم السلامة على الطرق لتنظيم حركة السير في مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، أو لو أقمت لجنة باسم الرفق بالحيوان لإيواء القطط السائبة والكلاب الضالة؛ لو أقمت واحدة من هذه اللجان أو ما يشبهها، لقيل: هي محاولة لإعادة بناء الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليًا وإعادة دورها، ثم لتم حظر هذه اللجنة أو تلك!! وهذا بالضبط ما وقع على لجان إفشاء السلام. ولذلك فإن انتقاء محاكمة الشيخ كمال خطيب يجري في هذه السياقات الانتقائية، وهو أبعد ما يكون عن تحرّي الأدلة والقبول بسلطة القضاء وتقارير الخبراء، بل هو مماحكة انتقائية، ولَيّ أعناق النصوص لابتزاز ما يروق للمؤسسة الاسرائيلية منها!! رحم الله من قال: هل نحن في زمن الخوف؟!
