حرب السرديات.. كيف حاصرت شهادات الاغتصاب رواية تل أبيب؟ (شاهد)

أحدث مقال رأي، نشره الكاتب الصحفي نيكولاس كريستوف في صحيفة نيويورك تايمز (New York Times)، هزة مدوية في الأوساط السياسية والإعلامية، لم يكتف بنزع الغطاء عن جرائم العنف في السجون الإسرائيلية، بل كشف عن إستراتيجية التعتيم التي تمارسها إسرائيل.
“In wrenching interviews, Palestinians have recounted to me a pattern of widespread Israeli sexual violence against men, women and even children,” our columnist Nicholas Kristof writes.https://t.co/Q1DYudXMfc
— New York Times Opinion (@nytopinion) May 11, 2026
وبدل مناقشة الجرائم المروعة، لجأت الآلة الدبلوماسية والإعلامية الإسرائيلية إلى شن هجوم مضاد، يستهدف اغتيال شخصية الكاتب والضحايا، في محاولة لطمس الحقائق تحت ستار مصطلح “فرية الدم”.
رسالة كريستوف ودعوة التنديد
بدأ كريستوف كشف المستور عبر تدوينة مهد فيها لمقاله، ووجه من خلالها رسالة تدعو إلى الاتفاق على إدانة الاغتصاب بغير النظر إلى أي موقف سياسي من الشرق الأوسط.
This is a hard article to read, but I hope you'll do so. I've spent some time reporting on widespread rape and other sexual violence of Palestinian male and female prisoners by Israeli authorities, and the article is now published. The assault victims were warned not to give…
— Nicholas Kristof (@NickKristof) May 11, 2026
وأشار في تدوينته إلى الصعوبات التي واجهته في إقناع الضحايا بالتحدث، بعد تعرضهم للتهديد بالقتل أو إعادة الاغتصاب إن تم الإدلاء بأي شهادة.
ورغم ذلك الترهيب، وجد بعضهم الشجاعة للحديث عن تفاصيل مروعة، كوجود رجل تعرض للاغتصاب ثلاث مرات في يوم واحد، وشابة كان الحراس يجبرونها على التعري مع بداية كل نوبة حراسة، وأخرى تعرضت لتهديد بنشر صور الاعتداء عليها لابتزازها كي تعمل مع المخابرات، إلى جانب أطفال واجهوا انتهاكات مشابهة.
الصمت أمام الجرائم.. تفاصيل التقرير
تحت عنوان “الصمت الذي يقابل اغتصاب الفلسطينيين”، استند التقرير إلى مقابلات مع 14 من الضحايا، ليؤكد أن العنف بات سياسة ممنهجة في السجون، ويمكن تلخيص أبرز ما وثقه التقرير في النقاط التالية:
شهادة سامي الساعي: تعرض الصحفي للضرب والتجريد من ملابسه، قبل محاولة إيلاج هراوة مطاطية في دبره، ثم استخدام “جزرة” للاعتداء عليه وسط ضحكات الحراس، وتصوير المشهد، مع تعرضه لتحرش جسدي مؤلم من قبل حارسة.
عقاب المزارع: يوجد سجين تعرض للاغتصاب عبر هراوة معدنية ثلاث مرات في يوم واحد، وجاءت المرة الثالثة كعقاب مباشر بعد طلب الحصول على ورقة وقلم لكتابة شكوى.
الاعتداء بالكلاب: وثق التقرير شهادة لصحفي من غزة أكد فيها تجريده من ملابسه وهو مقيد ومعصوب العينين، ليتم توجيه كلب بوليسي للاعتداء عليه بصفة وحشية، وسط ضحكات الجنود وتوثيق المشهد عبر الكاميرات.
استهداف النساء والأطفال: ذكر التقرير تقارير توثق اعتداءات طالت نساء، بينهن سيدة قيدت بطاولة معدنية وتم الاعتداء عليها ليومين كاملين وتصويرها لابتزازها. وتطرق إلى شهادات أطفال وثقت منظمة “أنقذوا الأطفال” تعرضهم لانتهاكات صارخة.
شهادة أولمرت: برز في التقرير تعليق رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، الذي أكد أنه غير متفاجئ، وذكر بصفة قاطعة أن هناك جرائم حرب ترتكب كل يوم.
الرد الإسرائيلي.. محاولة إسكات وهروب للأمام
أثارت هذه الشهادات المروعة ذعر السلطات الإسرائيلية، التي انتقلت بصفة فورية إلى تفعيل خطة الإسكات وتغيير مسار النقاش.
وخرجت وزارة الخارجية الإسرائيلية بتصريح يهاجم الصحيفة والكاتب، ووصفت التقرير بأنه يمثل أسوأ “فرية دم” في تاريخ الصحافة الحديثة.
Today, the @nytimes chose to publish one of the worst blood libels ever to appear in the modern press.
In an unfathomable inversion of reality, and through an endless stream of baseless lies, propagandist Nicholas Kristof turns the victim into the accused.
Israel – whose…— Israel Foreign Ministry (@IsraelMFA) May 11, 2026
واعتبرت الخارجية أن التقرير يقلب الواقع ويحول الضحية إلى متهم، مدعية أن نشر هذه الشهادات يأتي ضمن حملة كاذبة لوضع إسرائيل على القائمة السوداء التابعة للأمم المتحدة.
ولم يقتصر الأمر على التصريحات الرسمية، بل تجندت حسابات تابعة لدوائر الضغط، مثل منظمة (HonestReporting) وحساب (Israel War Room)، لشن حملة تستهدف ضرب مصداقية الشهود.
1/
The @nytimes just published one of the most serious sets of allegations imaginable against Israel – claims of systematic sexual violence, including a bizarre story about carrots and trained rape dogs. We checked the sources.What we found is journalistic malpractice. 🧵 pic.twitter.com/vBbLy0Lp0J
— HonestReporting (@HonestReporting) May 11, 2026
وتضمنت الخطة نبش منشورات سياسية سابقة للصحفي الساعي ولغيره من الضحايا، للزعم بأن مواقفهم تلغي حقيقة ما تعرضوا له.
Israel War Room, an Israeli government-affiliated social media account, shared some of the rights groups and direct sources cited in NYT columnist Nicholas Kristof’s highly sourced investigation into Israeli rape and sexual violence against Palestinian prisoners.
Here’s the… https://t.co/TxkQvtrLNq
— Drop Site (@DropSiteNews) May 12, 2026
وتطوع بعض الصحفيين الأمريكيين مثل “ديفيد شوستر” لدعم هذه السردية، حيث زعم وجود نقاشات داخل الصحيفة لسحب المقال، وحاول تسخيف شهادة الاعتداء بالكلاب مدعياً أن الكلاب لا تملك القدرة التشريحية لفعل ذلك، بهدف تفريغ الشهادات من محتواها بصفة تامة.
سقوط الأقنعة وازدواجية المعايير
اصطدمت هذه المحاولات الإسرائيلية بجدار صلب من الرفض في الأوساط الصحفية والحقوقية، التي فككت سردية التشكيك وكشفت عن ازدواجية المعايير بصفة واضحة.
وفي مواجهة إنكار الخارجية الإسرائيلية، ردت مجموعة من الصحفيين والكتاب عبر الاستناد إلى تقارير ومقابلات صدرت عن منظمات حقوقية إسرائيلية تؤكد وقوع اعتداءات جنسية ضد الأسرى الفلسطينيين.
Blood libel? lsraeIis themselves admitted it. That’s the end of the narrative. The world has already seen everything.pic.twitter.com/ZVuwtgkXJp https://t.co/hdKPbUiwAz
— Aysha (@AyshaSusmaz) May 11, 2026
وفي هذا السياق، شاركت الكاتبة (Assal Rad) عبر حسابها لقطة شاشة من تقرير لمنظمة “بتسيلم” الإسرائيلية، يوثق حدوث مثل هذه الجرائم، ليكون بمثابة رد قاطع يفند ادعاءات المسؤولين الإسرائيليين.
It’s not “blood libel” when it’s true. https://t.co/QZunC7fN0B pic.twitter.com/PtRU4eBOCO
— Assal Rad (@AssalRad) May 11, 2026
وخرج الإعلامي بيرس مورغان للتعبير عن صدمته بكلمات مقتضبة، وصف فيها ما حدث بأنه سلوك مروع ومخز وفاضح.
Horrifying, shameful and scandalous. 👇👇 https://t.co/DQKfgzmqaz
— Piers Morgan (@piersmorgan) May 11, 2026
وفي رد قاطع على استخدام إسرائيل لمصطلح “فرية الدم”، سخر الناشط محمود خليل من هذا الاستهلاك المفرط للكلمة، مشيراً إلى أن إسرائيل تصف قرارات محكمة العدل الدولية وتقارير الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية بالفرية، لتبدو وكأنها الكيان الوحيد الذي لا يكذب، في حين تواجه محاكمة بتهمة الإبادة الجماعية.
Everything is a blood libel. The ICJ ruling, a libel. The ICC warrants, a libel. The UN reports, libel. Amnesty, HRW, B'Tselem, libel. Survivors' testimony, libel. Your own soldiers charged at Sde Teiman, a libel. Chants at protests, libel.
The only entity on Earth that never… https://t.co/bvgWYTGy5q
— Mahmoud Khalil | محمود خليل (@mahmoudkhalel) May 12, 2026
وتصدى حساب (Sturgeon’s Law) للتشكيك في المصادر، وطرح تساؤلاً عن مدى منطقية تكذيب 14 من الضحايا تحدث معهم الكاتب بصفة شخصية، فضلاً عن تجاهل تقارير المنظمات المستقلة.
Kristof talked to 14 different accusers himself. We're supposed to believe that all 14 have credibility issues & that their testimonies don't count as evidence, even though Israeli & other human rights orgs have previously & independently raised this issue with their own sources. https://t.co/Ar609Tj0Sa
— Sturgeon's Law (@Sturgeons_Law) May 12, 2026
ومن جهته، أكد المراسل رايان غريم أن عدد الشهود على استخدام الكلاب في الاعتداءات يفوق القدرة على التجاهل، وأوضح أن همجية هذه الانتهاكات تجعل من يرويها يبدو غير منطقي بسبب بشاعتها، لكنها تشكل حقيقة موثقة.
The number of victims and witnesses who have come forward testifying that dogs are used to sexually assault Palestinians in detention is far too numerous to be written off.
There are some abuses Israel carries out that are so barbaric and unconscionable that they make the… https://t.co/BsWwOJI6SJ
— Ryan Grim (@ryangrim) May 11, 2026
وهنا برزت زاوية ازدواجية المعايير بصفة صريحة في تعليق الصحفية سناء سعيد، التي انتقدت التناقض الصارخ في الصحافة الأمريكية، وأوضحت أن كلمة المسؤول الإسرائيلي تؤخذ كحقيقة بغير أي دليل، في حين يطالب الفلسطيني بتقديم كل تفصيل ممكن لإثبات تعرضه للعنف.
One of the most striking indictments of US news media made in the Kristof piece, unintentionally, is that we are given an incredible example of how the word of Israelis is taken without any shred of evidence while Palestinians must provide every detail imaginable of the violence… pic.twitter.com/X6CBAzPtnm
— Sana Saeed (@SanaSaeed) May 12, 2026
ولفتت الانتباه إلى أن الصحيفة نشرت تحقيقها حول مزاعم السابع من أكتوبر كتحقيق رسمي، بينما وضعت تقرير الانتهاكات ضد الفلسطينيين في قسم الرأي.
وهو الطرح ذاته الذي تبنته المديرة القانونية جنين يونس، التي عبرت عن إحباطها من هذا العالم المزدوج، حيث يتم تجاهل الاعتداءات الحقيقية على الفلسطينيين لسنوات، بينما تنشر شائعات يروجها مرتكبو الإبادة بغير أي تدقيق.
I’m glad a mainstream outlet is finally covering the routine rape of Palestinian detainees by Israelis, but it’s frustrating that there’s mountainous evidence that this practice has been going on for years if not decades, yet it took until now for the MSM to cover it.
Contrast… pic.twitter.com/mgXhuiJK5K— Jenin Younes (@JeninYounesEsq) May 12, 2026
وفي الختام، توجت هذه الردود بمطالبة منظمة “كير” بضرورة التحرك لوقف التمويل الأمريكي لهذه الانتهاكات، مؤكدة أنه لا ينبغي السماح لأي جهة بارتكاب هذه الجرائم المروعة مع ضمان الإفلات من المحاسبة.
These shocking reports of rape, sexual torture, and abuse of Palestinian detainees by Israeli guards demand immediate international accountability. No government that receives billions of dollars in U.S. taxpayer funding should be allowed to commit such horrific crimes with… https://t.co/tIIoKJMBKN
— CAIR National (@CAIRNational) May 11, 2026
