مقالات

لن تحصل على الكمال.. بل يكتمل برضاك

د. نواعم شبلي جبارين

في عالمٍ يلهث خلف الصورة المثالية، ويقيس النجاح بمقاييس صارمة لا تعرف الرحمة، ينسى الإنسان حقيقة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الكمال المطلق وهمٌ لا يُدرك، وسرّ الطمأنينة لا يكمن في بلوغه، بل في الرضا عمّا نحن عليه وما نملك.
لقد جُبلت النفس البشرية على السعي والتطلع، وهذا السعي هو جوهر التطور والحياة، غير أن الخطأ يكمن حين يتحول هذا التطلع إلى عبءٍ ثقيل، يرهق الروح ويزرع في القلب شعورًا دائمًا بالنقص. فكم من إنسانٍ بلغ من النجاح ما يُحسد عليه، لكنه لم يذق طعم الرضا، لأنه ظل يقارن نفسه بصورةٍ مثالية لا وجود لها إلا في خياله.

إن الكمال الذي نطارده ليس سوى انعكاس لتوقعاتٍ اجتماعية أو معايير مفروضة، تتغير بتغير الزمان والمكان. فمرة يكون الكمال في المال، ومرة في الشكل، وأخرى في الإنجاز أو المكانة. لكن الحقيقة التي تغيب عن كثيرين هي أن الإنسان بطبيعته كائن ناقص، وهذا النقص ليس عيبًا، بل هو ما يمنحه إنسانيته ويمنحه فرصة النمو والتعلم.

الرضا لا يعني الاستسلام أو التوقف عن الطموح، بل هو حالة من التوازن الداخلي، حيث يسعى الإنسان للأفضل دون أن يجلد ذاته على ما لم يحققه. هو أن تعمل وتجتهد، ثم تقبل النتائج بقلبٍ مطمئن، مدركًا أن لكل إنسان مسارًا خاصًا، وأن المقارنة المستمرة تسرق منك أجمل ما فيك.

وحين يرضى الإنسان، فإنه يرى الجمال فيما حوله، ويشعر بالامتنان لما لديه، بدل أن يظل أسيرًا لما ينقصه. الرضا يمنحك قوة هادئة، يجعلك أكثر ثباتًا في مواجهة تقلبات الحياة، وأكثر قدرة على تجاوز الإخفاقات دون أن تفقد نفسك.

إن أعظم إنجاز قد يحققه الإنسان ليس أن يصبح كاملًا، بل أن يتصالح مع ذاته، وأن يرى في عيوبه جزءًا من قصته، لا سببًا لجلدها. فكم من نقصٍ كان دافعًا للإبداع، وكم من تعثرٍ كان بداية لطريقٍ أعظم.

في النهاية، لن تصل إلى الكمال، لأن الكمال ليس غايةً بشرية، لكنك تستطيع أن تصل إلى السكينة، حين ترضى. وحين ترضى، ستدرك أن حياتك -رغم كل ما فيها من نقص- مكتملة بما يكفي لتُعاش بسلام. فالرضا ليس نهاية الطموح، بل هو الطريق الأجمل للوصول إليه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى