أخبار رئيسيةالضفة وغزةمرئياتومضات

حكايات جيل في غزة يعيد اختراع نفسه (صور)

لا تقف الصور عند حدود “قبل وبعد”، بل تكشف سيرة جيل كامل كان يبدأ صباحه بمفاتيح المكتب ورائحة العمل وحركة الزبائن وخطط صغيرة تكفي لصناعة حياة كريمة.

شباب بدأوا مشاريعهم الخاصة، ونسجوا من دخلها استقلالهم، وعلّقوا عليها أحلام الزواج والبيت والتطور والمستقبل. كانوا في أول الطريق تقريبا، يختبرون معنى أن يصنع الإنسان مكانه بيديه.

ثم جاءت الحرب على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجاء معها جيش الاحتلال الإسرائيلي قوة اجتياح دمّرت الحجر والمعنى معا: البيوت التي كانت تأويهم، والمكاتب التي تمنحهم دخلا، والمشاريع التي صنعت أسماءهم، والأسواق التي كانت تحمل دورة الحياة اليومية.

ومع تدمير مصادر الرزق، انهارت طبقة كاملة من أحلام الشباب الغزّي في الاستقرار والمهنة والدخل الآمن.

وأمام هذا الخراب الاقتصادي الواسع، يتجه بعضهم اليوم إلى أكاديمية محلية بحثا عن مهنة جديدة تمكّنهم من فتح مشاريع خاصة بهم، وتؤمّن مردودا ماديا يعينهم على مواجهة الظروف المعيشية القاسية في القطاع.

والأكاديمية نفسها “سمايل كيتشن” تحمل حكاية صمود موازية، فقد تعرضت للتدمير مرتين خلال حربي عامي 2021 و2023، ثم عادت للعمل من جديد رغم شحّ غاز الطهي وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار احتياجات التدريب ومستلزمات الطهي.

هكذا يصبح المكان جزءا من الحكاية، فهي مساحة للتعلم وأكاديمية تنهض من أثر الدمار والقصف، وشباب يعيدون تدريب أيديهم على احتمال آخر للحياة.

بين صورة العمل القديم وصورة المريول، تظهر غزة وهي تدفع أبناءها إلى اختراع بدايات جديدة من قلب الفقد.

محمد البسيوني كان في كلية الزراعة والطب البيطري عام 2019 يتعلّم كيف تبدأ الحياة من بذرة وشتلة، ويتلقى تدريبا ميدانيا داخل المشتل على الزراعة والوقاية من الأمراض والحشرات، قبل أن تصير ملامح المستقبل الزراعي في غزة نفسها معلّقة على قدرة الناس على حماية ما تبقّى من أسباب العيش. والآن وبعد أن حملت الحرب له خسارة مضاعفة؛ شهادة جامعية أُحرقت تحت قصف الاحتلال لمنزل العائلة، وقطاعا زراعيا وبيطريا نال منه الدمار حتى ضاقت أبواب الرزق اتجه لتعلم فنون الطبخ.

محمد البسيوني كان يتدرّب في كلية الزراعة والطب البيطري على تفاصيل الإنتاج الحيواني وتغذية الحيوانات، من إعداد خلطات الأعلاف الخاصة بأبقار الحليب إلى فهم علاقة المعرفة الزراعية بالأمن الغذائي، أملا في بناء مستقبل مهني واضح، قبل أن تعيد الحرب تشكيل معنى العمل والحياة في غزة وتضاعف خسارته، بفقد شهادته وقصف منزل عائلته وتدمير كل فرصه للعمل.

كراج الميكانيك كان بالنسبة إلى براء الضبّة أكثر من مكان عمل، بنى خبرته كميكانيكي قبل الحرب، وجاء القصف ليهدم المكان الذي يمنحه دخله اليومي وإحساسه بالثبات. ليبدأ طريقه في تحضير المشروبات محاولا أن يمدّ تلك الخبرة إلى أفق جديد.

يوسف السباح بنى خبرته في التجارة الإلكترونية داخل شركة “توب بلس” إلى أن هُدم المكتب باستهداف برج الدردساوي عام 2023، فوجد نفسه أمام لحظة قاسية: يترك سنواته المهنية تحت الركام، أو يبدأ من جديد بمهارة أخرى في تعلّم صناعة الحلويات، مؤكدا أنه لم يعد يرى نفسه فقط شخصا غيّر مجاله، بل شخصا قرر أن لا يستسلم مهما تغيرت الظروف.

رامي أبو زيدان أنهى الثانوية العامة العام الحالي، في عمر يفترض أن يكون ممرا طبيعيا إلى الجامعة، وهو ما لم يحدث بسبب الضائقة المالية لأسرته، ليجد نفسه في الطهي، ويحاول أن يفتح مسارا آخر، مهنة تسند يومه، وتمنحه فرصة لتأجيل الخسارة لا الاستسلام لها.

داخل أحد المراكز التجارية في غزة، كان ياسين الخضري يتحرك بين الزبائن وواجهات المحال بثقة المُسوّق الذي يعرف كيف يصنع من كل لقاء فرصة، قبل أن تغلق الحرب أبواب العمل، وتدفعه للبحث عن مهنة جديدة تحفظ له كرامة الرزق. وفي الطهي وجد البداية الجديدة، يُفتّش فيها عن مشروع صغير يعيد له معنى الكسب وسط واقع اقتصادي قاس في غزة.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى