أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (282) العلاقات اللبنانية- الإسرائيلية سِجلٌّ حافلٌ بالعمالة للمشروع الصهيوني (1-4)

حامد اغبارية

1) تقديم

حاولت وسائل إعلام مرتبطة بالجهات اللبنانية الرسمية، وأخرى إسرائيلية، وثالثة أمريكية تضليل الرأي العام بأن المفاوضات المباشرة، التي عقدت مؤخرا في واشنطن، بين بيروت وتل أبيب هي الأولى من نوعه، أو أنها من الحالات النادرة. وربّما أن أقصى ما يمكن للجمهور تذكره هو تلك العلاقة التي نشأت بين الاحتلال الإسرائيلي وبين بشير الجميل، قائد قوات الكتائب اللبنانية، الذي “انتخب” رئيسا للبنان الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي عقب العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في مخيمات اللجوء عام 1982.  فقد ربط الجميل مصيره ومصير الدولة اللبنانية بالاحتلال، من خلال التواصل المباشر والعلني مع أرئيل شارون، الذي قاد تلك الحرب على لبنان في حكومة مناحيم بيغن. وبحسب مصادر عديدة فإن شارون كان قد التقى الجميل قبل غزو لبنان بفترة قصيرة، وأبلغه بنيّة تل أبيب شن حملة عسكرية بهدف طرد الفلسطينيين من لبنان، والعمل على انتخابه (أي الجميل) رئيسا للدولة. وقد كان ذلك. ثم التقى الجميل مناحيم بيغن في مدينة نهاريا بعد نحو عشرة أيام من انتخابه، وهناك، بحسب المصادر، وبّخه بيغن لأنه يتردد في توقيع اتفاقية سلام مع تل أبيب التي أوصلته إلى الرئاسة، إلا أن الجميل اغتيل في عملية تفجير ضخمة أثناء إلقائه خطابا في مقر الكتائب عقب انتخابه. غير أن عودة إلى تاريخ العلاقات بين الكيانين يكشف تفاصيل مختلفة، تؤكد عمالة جهات لبنانية للمشروع الصهيوني منذ أمد بعيد.

في هذه السلسلة المكونة من أربعة مقالات، سوف أستعرض تاريخ العلاقة بين الحركة الصهيونية، ثم الدولة الإسرائيلية بجهات لبنانية امتدت لسنوات طويلة، استنادا إلى كتاب “المتاهة اللبنانية- سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان 1918-1958″، لمؤلفه رؤوبين إيرلخ. ومؤلف الكتاب هو جنرال إسرائيلي خدم ضمن وظيفته العسكرية في منطقة الشمال، كضابط استخبارات، كما كان نائبا لأوري لوبراني، المسؤول عن تنسيق العمليات الإسرائيلية في لبنان، والذي كان قبل ذلك مستشار بن غوريون للشؤون العربية، وهو الذي اشتُهرت عنه مقولة: “إن مصلحة إسرائيل القومية تقتضي أن يظل المواطنون العرب في الدولة حطابين وسقاة ماء”!

ومسبقا أنبّه إلى أنه لولا أن الكتاب الذي سأستعرضه موثقٌ بالمستندات والوثائق والشهادات لما اعتبرته، ولما أخذت منه حرفا واحدا. فالكتاب الذي ترجمه محمد بدير عام 2017، يستند على مستندات ووثائق أرشيفية تتضمن مراسلات زعماء الحركة الصهيونية، وقيادات إسرائيلية بعد قيام الدولة الإسرائيلية عام النكبة، ومسؤولي الوكالة اليهودية، وموظفي الخارجية الإسرائيلية، وقادة عصابة “الهجانا”، ثم قادة الجيش الإسرائيلي، وجهاز الاستخبارات التابع لمؤسسات المشروع الاستيطاني، والاستخبارات الإسرائيلية، والأرشيف الصهيوني، وأرشيف الدولة، وأرشيف تاريخ “الهجانا”، وأرشيف الاستخبارات العسكرية، وأرشيف معهد تراث بن غوريون، وأرشيف حزب العمل الإسرائيلي، إضافة إلى مقابلات وشهادات ومذكرات شخصية لمسؤولين في الحركة الصهيونية وأرشيفات ومصادر أخرى يسردها المؤلف في كتابه.

2)

بدأت الاتصالات بين قادة المشروع الصهيوني وبين جهات لبنانية منذ عام 1918، وهو العام الذي نجحت فيه قوى الاستعمار، بالتعاون مع جهات داخلية في إسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية، وتسليم الحكم في تركيا إلى عصابة من العملاء الذين اتضح لاحقا دورهم في التمكين للمشروع الصهيوني في بلاد المسلمين، وهي الفترة التي مزقت فيها قوى الاستعمار جسد الأمة الإسلامية الواحدة، المنضوية تحت راية الخلافة إلى أشلاء أطلقوا عليها “دولا وطنية مستقلة” ضمن ما يعرف تاريخيا باتفاقية سايكس-بيكو، ثم هي الفترة التي وُضعت فيها فلسطين تحت سلطة الاحتلال البريطاني، بقرار مما يسمى “عصبة الأمم”، عقب صدور وعد لفور عام 1917.

3)

سعت الحركة الصهيونية إلى تأسيس علاقات مع جهات مختلفة في لبنان، وكانت أكثر جهة استجابت لهذا التوجه الطائفة المارونية، إضافة إلى الدروز. وقد سعت الحركة الصهيونية إلى تحقيق تعاون سياسي وإعلامي وثقافي وأمني واقتصادي يمكنها من إحداث اختراق يساعدها على تحقيق إقامة دولة لليهود في فلسطين. وكانت استراتيجية الحركة الصهيونية بناء علاقات مع أقليات غير عربية وغير مسلمة في الشرق أوسط، خاصة في لبنان.

بدأت الحركة الصهيونية منذ مطلع الثلاثينات العمل على إحداث اختراق في المحيط العربي من خلال الوكالة اليهودية. وكانت الخطة تتضمن الالتفاف على معارضة الفلسطينيين للمشروع الصهيوني، من خلال التفاهم مع جهات في المنطقة مستعدة للتسليم بمشروع إقامة “الوطن القومي لليهود” في فلسطين. فمقابل جهود المفتي الحاج أمين الحسيني وقيادات الثورة الفلسطينية في مواجهة أخطار المشروع الصهيوني، عمل قادة المشروع على بناء علاقات مع جهات قبلت بالحوار مع الحركة الصهيونية. وكان في مقدمة هذه الجهات ثلاث جهات مركزية: عبد الله الأول، ملك الأردن، وما عُرف باسم “الكتلة الوطنية” في سوريا، والتي كانت تسعى للحصول على دعم صهيوني للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وأما الجهة الثالثة فكانت المسيحيين الموارنة في لبنان. وكان قادة المشروع الصهيوني ينظرون إلى لبنان على أنه حالة خاصة في المحيط العربي، من حيث تشكيلته الطائفية وهشاشته الاجتماعية وصراعاته الداخلية التي لا تنتهي، إضافة إلى أنه بلد ذو طابع مسيحي وسط عالم عربي وإسلامي، لذلك وجدوا أن هناك مصلحة مشتركة مع الموارنة الذين كانوا يعبرون عن شعورهم بأنهم مهددون من العالم الإسلامي!!

4)

اعتبر قادة المشروع الصهيوني أن الموارنة يتميزون -مثلهم- بثقافة غربية، وأنهم يكنون عداء شديدا للمسلمين. وقد وصفهم بن غوريون بقوله: “إنهم جزيرة متنورة وسط بحر عربي مسلم وتجمعات بدوية متخلفة”! هذا إضافة إلى أن الموارنة مناهضون لفكرة القومية العربية، ويسعون إلى استقلال لبنان بقيادتهم، بحيث يكون مفصلا عن المحيط العربي، وعن سوريا بشكل خاص.

لم تكن عيون قادة الحركة الصهيونية مهتمة فقط بالموارنة، بل اهتموا بربط علاقات مع الدروز والسنة والشيعة. فهم يبحثون عن كل ما يخدم مصلحة المشروع وأهدافه في إقامة الدولة. لكنهم كانوا متخوفين من السنة والشيعة باعتبار أنهم لا يبدون أي استعداد للتحالف العلني مع الحركة الصهيونية.

بهذه الاستراتيجية أسس قادة المشروع الصهيوني مبدأ “تحالف الأقليات” في الشرق الأوسط، والذي يقوم على التعاون السياسي والاقتصادي بين الأقليات غير العربية وغير المسلمة، وذلك بهدف مواجهة ما اعتبرته الحركة الصهيونية العدو الإسلامي- العربي، ومن خلال تحالف الأقليات مع المشروع الصهيوني يمكن تحقيق المصالح المشتركة!!

في ذلك الوقت كان قادة المشروع الصهيوني على اطلاع على محاولات فرنسا، البلد المستعمر للبنان، تنظيم الأقليات في المنطقة، مثل الدروز والشيعة، ضد تيار القومية العربية وبوادر ظهور صحوة إسلامية في المنطقة. وقد وافق بن غوريون على فكرة “حلف الأقليات” بعد أن اقتنع بأن هذا الحلف سيُسهم في إضعاف العرب والمسلمين، ويقوي حركة الاستيطان اليهودي في فلسطين، ويمنحها قوة سياسية.

5)

في سنة 1946، بعد عشر سنوات من طرح فكرة “تحالف الأقليات، وتجميدها لأسباب مختلفة، أعيد طرحها مجددا عقب إنشاء جامعة الدول العربية، باعتبار أنه لا بد من عمل مواز لهذه الجامعة، التي كان أحد أسباب إنشائها مواجهة المشروع الصهيوني (وهو ما اتضح لاحقا أنه سبب ليس له رصيد عملي ولم ينتج عنه شيء حقيقي لغاية اليوم).

قدمت الوكالة اليهودية لبن غوريون وقادة المشروع الصهيوني مذكرة في تلك السنة تدعو فيها إلى ضرورة العمل الممنهج طويل الأمد مع أقليات مثل الدروز والموارنة والأكراد لمواجهة الأغلبية السنيّة المعادية للمشروع الصهيوني. واقترحت المذكرة تشكيل هيئة غير رسمية على شاكلة مؤسسة للعلاقات بين شعوب الشرق الأدنى والبحر المتوسط، وذلك لتنمية العلاقات مع الأقليات، بما فيها الأقليات في فلسطين الداخل.

6)

استقر أمر الحركة الصهيونية على التعاون مع الموارنة، غير أنها واجهت مشكلة كون الموارنة يشكلون معسكرين متناقضين: الأول معسكر انفصالي يسعى إلى دولة مسيحية لا علاقة لها بالمحيط العربي، والثاني يريد دولة مستقلة تكون جزءا من العالم العربي دون وصاية فرنسية.

كان على رأس المعسكر الأول إميل إدة، الذي أصبح رئيسا للبنان بين السنوات 1936-1941، ومعه بطريرك الطائفة المارونية أنطوان عريضة، ومطران بيروت أغناطيوس مبارك، ورئيس حزب الكتائب بيار الجميل (والد بشير الجميل الذي أشرت إليه آنفا، وشقيقه أمين الجميل الذي أصبح رئيسا لبنان عام 1982، عقب اغتيال بشير، والذي اعترف في مقابلة مع قناة الجزيرة بأنه تلقى الدعم من تل أبيب). وكان على رأس المعسكر الثاني بشارة الخوري الذي شغل أصبح رئيسا للجمهورية بين 1943-1952. فكيف تصرف قادة الحركة الصهيونية أمام هذا الوضع؟ (يتبع)

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى