أخبار وتقاريرمقالاتومضات

من يجبر عثرة الإسلام إلا الكرام

الشيخ كمال خطيب

هو حوار دار يومًا بين الزيت وبين الماء، حيث ادّعى كلٌّ منهما أنه أنفع وأفضل وأنه الأشرف قدرًا من الآخر.

فيُحكى أن فلّاحًا صبّ ماءً في إناء، ثم صبّ على الماء زيتًا، فعلا الزيت وطفا على الماء وبقي الماء أسفل الإناء، فقال الماء للزيت: أنا ربّيت شجرتك وأنبتّها، فأين الاحترام؟ وأين الأدب؟ فقال الزيت: أنت في مجرى النهر تسيل هادئًا، بينما أنا صبرت على الطحن والعصر في الرحى وبعدها سلت، فبالصبر يرتفع القدر. فقال الماء: لكنني أنا الأصل، فلولاي ما كنت أنت ولا كانت شجرتك. فقال الزيت: استر عيبك، فمنّي يكون النور ويكون الضياء، بينما أنت لو اقتربت من فتيل المصباح لانطفأ وذهب نوره، فبالمجاهدة ترتفع الأقدار.

كن مثل الزيت ومثل الزيتون

فمثل الزيت كن أيها المسلم، فلا تقبل إلا أن تكون الأعلى، فلا ترضَ بالدون، فاليد العليا خير من اليد السفلى، وقد قال لك الشاعر المتنبي يخاطبك:

إذا غامرت في شرف مروم     فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير      كطعم الموت في أمر عظيم
فالمسلم لا يقبل أن يكون مجرّد رقم ولا شيء من الأشياء، إنه لا يقبل إلا أن يكون حجر الزاوية وعمود البيت وصاحب الحضور واليد العليا والقلب النابض.

والمسلم لا يقبل العيش عند السفوح مثل كثير من الطيور، وإنما لا يقبل العيش إلا في القمم مثل النسور والصقور، لأن عيش السفوح هو عيش الضعفاء والجبناء والعاجزين، والمسلم لا يقبل أن يكون كالطير في قفص يُلقى إليه الحبّ، بل إنه الذي يحلّق عاليًا ليصطاد فريسته.
كالطير غايته التقاط        الحبْ في ظلّ القصور
هو طائر لكنه لم          يدرِ تحليق النسور

وكن مثل الزيت أيها المسلم، تضيء على من حولك وتنفع الناس كلّ الناس بخيرك، فالمسلم كلّه خير، فاجعل من إشعاعات أخلاقك ومعاملاتك وألفاظك أنوار هداية يراها الناس، فيروا كيف يكون المسلم الحقّ، فتكون داعية للإسلام ومنك تشعّ أنواره، وقد قال الله تعالى عن حبيبك محمد ﷺ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [45-46 سورة الأحزاب].
فإذا كان رسول الله ﷺ سراجًا منيرًا للعالمين، فكن أنت سراجًا منيرًا لمن حولك وفي محيطك.

وكن مثل زيت الزيتون أيها المسلم، أصيلًا راسخًا شامخًا ثابتًا، فإن شجرة الزيتون تعمّر أكثر من خمسة آلاف سنة وتبقى ثابتة صامدة شامخة لا تهزّها العواصف، وكن مثل ورق شجر الزيتون خضراء، بل دائمة الخضرة لا تتغيّر ولا تتبدّل. فكن ثابتًا على عقيدتك ودينك، لا تهزّك الرياح ولا تميل بك الفتن ولا تتبدّل ولا تتلوّن من أجل مصلحة أو حطام، فإن {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [23 سورة الأحزاب].
وكن على يقين أن المستقبل للإسلام، وهذا زيتون بلادنا شاهد على غرباء كثيرين مرّوا من هنا، جلسوا تحت ظلّ زيتوننا بل وسرقوا من ثماره وأكلوا من زيته كما يفعل المستوطنون الإسرائيليون في هذه الأيام، لكنهم رحلوا وبقي زيتون فلسطين، وسيرحلون وتبقى فلسطين ويبقى زيتونها وقدسها وأقصاها.

وكن مسلمًا وكفاك بين الناس فخرًا، وإذا كان الله تعالى قد وصف شجرة الزيتون بأنها مباركة وزاد على ذلك بأنها لا شرقية ولا غربية {شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [35 سورة النور]. وكذلك المسلم يظلّ مسلمًا لا شرقيّ ولا غربيّ ولا أمريكيّ ولا روسيّ ولا قوميّ ولا علمانيّ، إنه مسلم وكفاه فخرًا.

كن مسلمًا وكفاك            بين الناس فخرًا
كن مسلمًا وكفاك             عند الله ذخرًا
فإذا حييت ملئت           هذه الأرض بشرًا
وإذا قضيت عرفت         كيف تموت حرًا

جابر عثرات الكرام
جابر عثرات الكرام ليس اسمًا لشخص، ولكنها صفة وكنية اتخذها رجل شجاع وشهم وصاحب مروءة لنفسه، وكان اسمه الحقيقي هو عكرمة بن ربعي الفياض، وهو من خيار الناس، وقد عاش في العصر الأموي.

هذا الرجل بشهامته عرف أن ليس الفقراء فقط هم الأولى بالصدقة، وليس المساكين فقط من يجب أن نتفقّدهم بالصدقة والإحسان إليهم، وإنما لعلّ هناك من كرام الناس والخيّرين وأهل الفضل والأغنياء من الذين دارت عليهم الأيام وتقلّب بهم الزمان، فتغيّر حالهم من الغنى إلى الفقر ومن سعة العيش إلى ضيقها ومن عطائهم للناس إلى حاجتهم لما عند الناس، ولكن لأنهم لم يكونوا كذلك، فإن نفوسهم الأبية تمنعهم من أن يمدّوا أيديهم للناس {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [273 سورة البقرة].

إنها الدنيا لا تُبقي أحدًا على حاله ولا تثبت ولا تدوم لأحد، فلا القوي يبقى قويًا ولا الضعيف يظلّ ضعيفًا، ولا الغني يبقى غنيًا ولا الفقير يظلّ فقيرًا {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [140 سورة آل عمران].
ومن هؤلاء الذين تغيّرت بهم الأحوال وانقلب عليهم الزمان وتحوّلوا من الغنى إلى الفقر، ومن العزّ إلى الذلّ، ومن العطاء والتصدّق على الناس إلى أن أصبح ذا حاجة ولكنه لم يسأل أحدًا تعففًا، إنه خزيمة بن بشر الأسدي.

سمع بتغيّر أحوال خزيمة عكرمة بن فياض، ومن أعلم الناس بالناس إلا الذين هم مثلهم، فعكرمة كان يعرف جيدًا من يكون خزيمة وأنه كان كريمًا معطاءً متصدقًا، بابه مفتوح أمام السائلين، لا يسمع عن صاحب حاجة إلا ذهب بنفسه ومدّ له يد العون وفرّج عنه كربته.

فذهب عكرمة إلى بيت خزيمة ليلًا وقد أخفى هيئته وحمل معه مالًا كثيرًا وقرع بابه. فتح خزيمة الباب ولم يعرف أن الذي بالباب هو عكرمة الذي وضع ما حمله من مال بالباب وهمّ بالرجوع، فسأله خزيمة بن بشر: من تكون يا هذا؟ قال: أنا جابر عثرات الكرام. فكأنه يقول له: أنت من خيار الناس ومن كرامهم، وعلمت أنك تعثّرت فجئت لأجبر عثرتك وأقيلك مما أنت فيه، فلطالما كنت أنت السبّاق وصاحب الفضل على كثير من الناس، فإذا نسيك الناس فأنا لن أنساك.

إياكم والعقوق
فمثلما أن الرجل الشهم صاحب المروءة يعرف قيمة الرجال وأصحاب الفضل فيقف إلى جانبهم ويكون وفيًا لهم ويقيل عثرتهم، فإن أولى من يلزمنا ومن يجب علينا أن نقيل عثرته فهو الإسلام.

إنه الإسلام صاحب الفضل علينا، بل إن فضله علينا لا يعدّ ولا يُحصى، إنه الإسلام الذي هدانا من ضلالة، وعلّمنا من جهالة، وأعزّنا من ذلّة، ووحّدنا من فرقة، وجعلنا قادة بعد أن كنا تبعًا، وبه أصبحنا سادة بعد أن كنا عبيدًا.

إنه الإسلام الذي عشنا تحت كنفه قرونًا أعزّة كرماء شرفاء أقوياء، وقد دارت الأيام ووجّهت السهام إلى الإسلام من بعض أبنائه ومن كثير من أعدائه فأثخنوه بالجراح، فتبدّل حالنا، فتطاول علينا الأقزام، ورمانا بكيدهم اللئام، وأصبحوا يصفون الإسلام بالإرهاب والتطرف والظلامية، وأنه مصدر الشرور وسبب الحروب، ومع الأسف إن من أبنائه من انطلى عليهم هذا الكيد والمكر فأصبحوا يرددون ما يقوله أعداء دينهم.

إنه لا أصعب على الأب والوالد من أن يرى ابنه الذي رعاه صغيرًا وعلّمه كبيرًا وتفانى من أجله، جاع هو ليطعم ابنه، عطش ليشرب ابنه، عري هو ليلبس ابنه، بخل على نفسه من أجل أن يعيش ابنه في رغد، فلما كبر وتزوّج أدار له الظهر وعقّه وقسى عليه، بل لعلّه ناله من لسانه وحتى من يده ما يسوؤه. إن حالًا كهذا الحال يجعل الوالد المقهور يقول: لبطن الأرض خير من ظهرها.

إنه لا أصعب على الإسلام في هذا الزمان من عقوق أبنائه وجحودهم لفضله، بل إن منهم من يفعل فعل الولد الذي ينكر نسبه ويخجل به، فما أشقى هؤلاء وما أتعسهم!!!

الزيتون وبيت القرع
لقد قالها يومًا شاعر مكلوم على حال الإسلام وأبنائه:
إني تذكرت والذكرى مؤرقة          مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه
أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد       تجده كالطير مقصوصًا جناحاه
ويح العروبة كان الكون مسرحها    فأصبحت تتوارى في زواياه
كم صرفتنا يد كنا نصرفها            وبات يملكنا شعب ملكناه

أيها الشباب، فمثل الزيت والزيتون كونوا ثابتين صامدين راسخين متجذّرين، لتضيء ولتشرق من أخلاقكم وسلوكياتكم معاني الإسلام السامية كما تشرق الأنوار من صفاء زيت الزيتون. وإياكم والانحناء، وإنما كونوا مثل شجرة الزيتون الشمّاء التي لا تنال منها الرياح حتى وإن تطاول عليها طفيليون، كما في القصة أن شجرة زيتون عمرها “300 عام”، وذات يوم إذا بها تحسّ بشيء يتسلّق عليها فسألته، فإذا هو بيت القرع “اليقطين”، فقالت له الزيتونة: كم عمرك؟ قال: ثلاثون يومًا، فقالت: وتتسلّق وتتطاول عليّ وأنا التي عمرها “300 عام”! والله يا بيت القرع ما أنت ابن معيشة!!! أي أن قصير العمر والميلاد الذي تطاول على من هم أعظم منه تاريخًا وشأنًا فلن يُكتب له بقاء.

فكيف وهناك شجرات زيتون فلسطينيات عمر الواحدة منهن يتجاوز خمسة آلاف سنة، ثم يأتي كذّاب أشر يقول إن فلسطين أرض بلا شعب أُعطيت لشعب بلا أرض.

أيها الشباب، إياكم أن تكونوا مثل الابن العاقّ في علاقتكم مع الإسلام، وكونوا مثل الابن البار ومثل جابر عثرات الكرام. فإذا كانت الأيام قد دارت على الإسلام، فمن الشهامة والنبل أن لا نتخلى عنه، وإنما أن ندور مع الإسلام حيث دار، فلا ندير له الظهور، إنما نجبر خاطره ونقيل عثرته، وأن نكون سهمًا في جعبته يرمي بنا حيث يشاء.
أي خزي للابن العاقّ إذا دارت الأيام واحتاج لأبيه، وأي خزي لمن سيرى الإسلام عزيزًا قويًا عظيمًا، وهو الذي كان قد خذله بل طعنه، إنه سيتمنى لو أن الأرض تنشقّ فتبلعه.

  • أيها الشباب، والله إن مجد الإسلام قادم، وإن فجر الإسلام ساطع، وإن جولة الإسلام وصولته نراها رأي العين، فاثبتوا واصبروا وصابروا واجبروا عثرة الإسلام يا كرام، وإن غدًا لناظره قريب.
    نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى