أخبار وتقاريرمقالاتومضات

ماذا تقول المخططات الصهيو-غربية عن تناقض النصوص التي تتحدث عن سيدنا إبراهيم؟

الشيخ رائد صلاح

تدّعي المخططات الصهيو-غربية أنها وريثة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وأن معتمدها في ذلك هو توراة اليوم، ولكن لدى قراءة متأنية لـ توراة اليوم نجد التناقضات الكثيرة والصارخة في نصوص توراة اليوم التي تتحدث عن سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهي جزء من التناقضات الكثيرة والصارخة المنتشرة في أسفار توراة اليوم بعامة، وليس صعبًا على القارئ النبيه أن يقف عليها.

فإذا كانت هذه التناقضات الكثيرة والصارخة تنتشر في توراة اليوم بعامة، وفي نصوصها التي تتحدث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام بخاصة، فهذا يعني أن توراة اليوم ما عادت مرجعًا معصومًا يجوز الاعتماد عليه، ثم بناء تصورات ومخططات بناءً عليه تتعلق بسيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، أو تتعلق بقضايا أخرى تتعلق بالوعد الإلهي والأرض المباركة والقدس والمسجد الأقصى المباركين، وما يدور في فلك هذه القضايا من قضايا أخرى.

وما عاد من مرجع معصوم بين يدي أهل الأرض اليوم إلا القرآن الكريم، ويجب على الجميع أن يرجع إليه كي نصيب الحق في سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام وفي سائر القضايا الأخرى.

وحتى يتبين للقارئ حجم هذه التناقضات الكثيرة والصارخة في نصوص توراة اليوم التي تتحدث عن سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، فهاكم أمثلة على هذه التناقضات:

1- تدعي توراة اليوم أن هاجر عندما ولدت إسماعيل كان إبراهيم ابن ستة وثمانين عامًا، وفي ذلك يقول سفر التكوين: (وكان إبراهيم ابن ست وثمانين سنة حين ولدت هاجر إسماعيل (16:16).

ثم عندما ولدت سارة إسحاق كان إبراهيم ابن مائة سنة، وفي ذلك يقول سفر التكوين: (كان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه) (21:5).

وهذا يعني أن إسماعيل كان ابن 14 عامًا في يوم مولد إسحاق.
ثم يقول سفر التكوين بعد ذلك: (وكبر الولد وفُطم، وأقام إبراهيم مأدبة عظيمة في يوم فطام إسحاق). (21:8).

وهذا يعني أن إسماعيل في يوم فطام إسحاق كان ابن 16 عامًا على الأقل.

ثم يقول سفر التكوين بعد ذلك: (ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يلعب مع ابنها إسحاق، فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الخادمة وابنها، فإن ابن هذه الجارية لن يرث مع ابني إسحاق. فبكر إبراهيم في الصباح، وأخذ خبزًا وقربة ماء، فأعطاهما هاجر، وجعل الولد أي إسماعيل على كتفها وصرفها). (21:9-14).

وهذا يعني وفق هذا النص أن إبراهيم وضع إسماعيل ابن 16 عامًا على الأقل على كتف أمه وسارت به وهي تحمله على كتفها. فهل يعقل ذلك وهو ابن 16 عامًا؟ وهل يعقل أن يُطلق على إسماعيل ابن ستة عشر عامًا كلمة “صبي”؟ وفي ذلك وردت هذه النصوص في سفر التكوين:

  • (قومي فخذي الصبي وشدي عليه يدك فإني جاعله أمة عظيمة). (21:18) وواضح أن المقصود بالصبي في هذا النص هو إسماعيل ابن ستة عشر عامًا، فهل يعقل أن يُطلق عليه كلمة صبي؟
  • (وفتح الله عينيها أي هاجر فرأت بئر ماء، فمضت وملأت القربة ماء وسقت الصبي أي إسماعيل) (22:19) فهل يعقل وفق ظاهر هذا النص أن تملأ هاجر قربة الماء لتسقي ابنها الذي بلغ ستة عشر عامًا وفق ظاهر النصوص في سفر التكوين، وأن يُطلق عليه في الوقت نفسه كلمة “صبي”؟
  • (كان الله مع الصبي أي إسماعيل حتى كبر، فأقام بالبرية وكان راميًا بالقوس) 21:5. فما معنى أن يُطلق عليه كلمة “صبي” وهو ابن ستة عشر عامًا وفق سفر التكوين؟ ثم ما معنى أن يقول عنه هذا النص “حتى كبر”، وقد كان كبيرًا حيث كان ابن ستة عشر عامًا وفق ظاهر نصوص سفر التكوين؟!
    أليس في كل ذلك التناقضات الصارخة في سفر التكوين أحد أسفار توراة اليوم!! مما يلغي العصمة عن سفر التكوين، ويلغي اعتباره مرجعًا معصومًا، ويلغي الاستدلال به، والادعاء أن سارة حرمت إسماعيل من وراثة أبيه إبراهيم عندما قالت: (فإن ابن هذه الجارية أي إسماعيل لن يرث مع ابني إسحاق؟).

2- عندما تحدث سفر التكوين عن الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى لخسف قرية سدوم، فقد تحدث في البداية أنهم مرّوا أولًا على إبراهيم، وذكر أن عددهم كان ثلاثة، وفي ذلك يقول سفر التكوين: (فإذا ثلاثة رجال واقفون بالقرب منه، فلما رآهم بادر إلى لقائهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض، فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: هلمي بثلاثة أصواع من السمين الناعم، فاعجنيها واصنعيها فطائر) (18:2-4)، فوفق ظاهر هذا النص كان عدد الملائكة ثلاثة.

ثم العجب العجاب بعد ذلك أن يذكر سفر التكوين أن عددهم كان اثنين عندما انتقلوا من عند إبراهيم إلى لوط، وفي ذلك يقول سفر التكوين: (فجاء الملاكان إلى سدوم مساء، وكان لوط جالسًا عند باب سدوم، فلما رآهما لوط قام للقائهما وسجد بوجهه على الأرض، ودخلا منزله فصنع لهما مأدبة وخبزًا وفطيرًا فأكلا). (19:1-3)، فأين ذهب الملاك الثالث عندما وصلوا إلى لوط؟

وهذا يعني وجود روايتين متناقضتين في سفر التكوين: الرواية الأولى تقول إن عدد الملائكة كان ثلاثة، والرواية الثانية تقول إن عددهم كان اثنين، أليس في ذلك تناقض صارخ مما يعني دخول التحريف إلى سفر التكوين كجزء من أسفار توراة اليوم؟

3- هناك نصان في سفر التكوين يتحدثان عن سبب تسمية “بئر السبع” بهذا الاسم، ولا يمكن الجمع بين هذين النصين، أما النص الأول فيقول: (فقال أبيمالك لإبراهيم ما هذه السبع النعاج التي وضعتها على حدة؟ قال: سبع نعاج تأخذ من يدي لتكون شهادة لي بأني حفرت هذه البئر، ولذلك سمي ذلك المكان بئر السبع لأنهما هناك حلفا كلاهما) (21:29-31).

وأما النص الثاني فيقول: (وكان في ذلك اليوم أن خدم إسحاق جاءوا فأخبروه بأمر البئر التي حفروها، وقالوا له قد وجدنا ماء، فدعاها شبع، ولذلك اسم المدينة بئر السبع إلى هذا اليوم). (26:32-33).

فهاهنا بين أيدينا روايتان، كل منهما تبين سبب تسمية بئر السبع بهذا الاسم، فإذا فرضنا أن الأولى أو الثانية هي الصواب، فهذا يعني أن هناك رواية منهما لا أصل لها قد أضيفت إلى سفر التكوين، وهذا يعني أن التحريف داخل سفر التكوين كجزء من التحريف الذي اعتور توراة اليوم.

4- كيف نجمع بين هذين النصين المتناقضين في سفر التكوين؟ النص الأول يقول: (فإذا بكلمة الرب إليه قائلًا: لن يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك) (15:4) وهذا يعني وفق ظاهر هذا النص أن كل من يخرج من أحشاء إبراهيم يرث إبراهيم وفق أمر الرب، وله نصيبه في الأرض المباركة التي منحها الله تعالى لإبراهيم وفق ادعاء ظاهر نصوص سفر التكوين، ومن ضمن من خرج من أحشاء إبراهيم هو إسماعيل، وكان الأول الذي خرج من أحشاء إبراهيم. وهذا يعني أنه وارث لإبراهيم وفق أمر الرب، ولكن العجب العجاب أن يكون نص ثانٍ في سفر التكوين: (وأعطى إبراهيم كل ماله لإسحاق، ولبني السراري التي لإبراهيم وهب إبراهيم هبات) (25:6) فإذا كان أبناء السراري وفق تعبير النص الثاني قد خرجوا من أحشاء إبراهيم وفق تعبير النص الأول، فهذا يعني أنهم يجب أن يرثوا إبراهيم بأمر الرب وفق تعبير النص الأول، فلماذا ألغى النص الثاني حقهم في الميراث؟ وادعى هذا النص أن إبراهيم وهبهم هبات فقط وليس ميراثًا، وكأنهم ليسوا من أحشاء إبراهيم؟ثم ما مصير إسماعيل الذي سكت عنه النص الثاني؟ وما مصير ميراثه من أبيه إبراهيم؟ هل أخذ من ميراث أبيه إبراهيم كما أخذ أخوه إسحاق من ميراث أبيه إبراهيم؟ أليس إسماعيل من أحشاء إبراهيم وفق تعبير النص الأول؟ أليس هو ابن زوجة إبراهيم هاجر التي لم تعد “سرية” عندما ولدت إسماعيل؟

وفي ذلك يقول سفر التكوين: (فبعد عشر سنين من إقامة أبرام في أرض كنعان أخذت ساراي امرأته هاجر المصرية خادمتها فأعطتها لأبرام زوجة لتكون له زوجة) (16:3) فوفق هذا النص الأخير أصبحت هاجر زوجة ولم تعد “سرية”، وهذا يعني أن إسماعيل هو ابن زوجة إبراهيم هاجر، وهو من أحشاء إبراهيم، وهكذا استوفى كل الشروط التي تؤهله لوراثة أبيه إبراهيم وفق تعبير النص الأول، فلماذا سكت النص الثاني عن إسماعيل ولم يذكر إلا إسحاق؟ ولماذا سكت هذا النص الثاني عن أبناء إبراهيم من زوجه قطورة، وهم الذين خرجوا من أحشاء إبراهيم وفق تعبير النص الأول؟ وفي ذلك يقول سفر التكوين: (وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة، فولدت له زمران وبكشان ومدان ومدين ويشباق وشوحان (25:1-2) فوفق هذا النص الأخير فإن قطورة كانت زوجة لإبراهيم ولم تكن “سرية”، وهذا يعني أن أبناءها الستة هم أبناء إحدى زوجات إبراهيم، وقد خرجوا من أحشاء إبراهيم، ويجب أن يرثوا من أبيهم إبراهيم أسوةً بأخويهم إسماعيل وإسحاق، فلماذا سكت عنهم النص الثاني كما سكت عن إسماعيل ولم يذكر إلا إسحاق؟

إن كل ذلك يشير إلى أن التحريف اعتور سفر التكوين، وأن بعض كتبة سفر التكوين أعطوا لأنفسهم إضافة بعض الأسماء إلى نصوص في سفر التكوين أو شطب أسماء أخرى من هذه النصوص في سفر التكوين، مما يعني أن سفر التكوين أصبح انتقائيًا وفق حسابات بشرية، ولم يعد مرجعًا معصومًا يعتمد عليه.

5- كيف نجمع بين هذين النصين اللذين يتحدثان عن عهد الله تعالى؟ النص الأول وهو في سفر التكوين يقول: (وقال الله لإبراهيم وأنت فاحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالهم، هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يُختن كل ذكر منكم، فتُختنون في لحم قلفتكم، ويكون ذلك عهدًا بيني وبينكم). (9-17-11).

ثم يقول نص آخر في سفر التكوين يؤكد النص الأول: (وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة عندما ختن لحم قلفته، وكان إسماعيل ابنه ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن لحم قلفته، وفي ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه) (17:25-26). وفق هذين النصين فإن كل من ختن أو سيختن في قلفته فهو يحفظ عهد الله تعالى كما حفظه إبراهيم، ولأن إسماعيل هو ممن ختن في قلفته فقد حفظ عهد الله تعالى كما حفظه إبراهيم، ولكن العجب كل العجب أن نقرأ هذا النص الثاني من سفر التكوين الذي يقول: (فقال الله بل سارة امرأتك تلد لك ابنًا وسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهدًا أبديًا لأكون له إلهًا ولنسله من بعده)، حيث أن هذا النص الثاني يبين لنا أن الله تعالى قد خص إسحاق بهذا العهد وجعله الله تعالى عهدًا أبديًا، فماذا عن إسماعيل الذي استوفى شروط هذا العهد كما هو في النص الأول والنص المؤكد له.
ولذلك إن الذي يقرأ نصوص سفر التكوين التي تحدثت عن نبي الله إسماعيل بتمعن ويجمع بينها يقف على تناقض أو تحريف ألمّ بها، وهو موضوع هام جدًا يحتاج إلى تفصيل.

6- استوقفني هذا النص في سفر التكوين: (وفتح الله عينيها، فرأت بئر ماء، فمضت وملأت القربة ماء وسقت الصبي، وكان الله مع الصبي حتى كبر فأقام بالبرية وكان راميًا بالقوس، وأقام ببرية فاران، واتخذت له أمه امرأة من أرض مصر)، (21:19-21)، فهو نص يناقض حقائق تاريخية وجغرافية ساطعة.

فهاجر لم ترد بئر ماء في “برية فاران” الواقعة في سيناء كما يوحي هذا النص بذلك، بل وردت ماء زمزم التي لا تزال دافقة حتى الآن، ويحاذيها “جبال فاران” اللصيقة بمكة المكرمة وليست سيناء، وإسماعيل لم يقم في “برية فاران” سيناء كما يوحي هذا النص بذلك، بل أقام بمكة المكرمة التي تحاذيها “جبال فاران”، وهاجر لم تتخذ لإسماعيل امرأة من أرض مصر، بل الكل يعلم أنه تزوج من القبائل العربية التي استوطنت بمكة المكرمة بعد أن ظهرت فيها عين زمزم.

فكيف لعاقل أن يعتبر توراة اليوم مرجعًا معصومًا وقد ألمّ بها تحريف أو تناقض في بعض نصوصها كهذه النصوص التي تحدثت عن سيرة إبراهيم وإسماعيل؟

وما كتبته في هذه المقالة ما هو إلا أمثلة للتحريف أو التناقض الذي اعتور بعض نصوص توراة اليوم، وليس كل شيء، وإلا فالنصوص التي اعتورها تحريف أو تناقض هي أكثر من ذلك.

ومن أراد التوسع في ذلك فأنصحه بقراءة كتاب إظهار الحق للعلامة رحمه الله خليل الرحمن الهندي، مما يؤكد لكل عاقل أن توراة اليوم لا تصلح أن تكون مرجعًا استدلاليًا للمخططات الصهيو-غربية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى