الشيخ رائد صلاح: الصراع مع المشروع الصهيوني عقائدي وفكري وليس مجرد خلاف سياسي

– الصهيونية المسيحية تعتبر دعم المشروع الصهيوني واجبًا دينيًا، وتؤمن بأن الولايات المتحدة لن تنال “بركة الرب” إلا من خلال مساندة المؤسسة الإسرائيلية
طه اغبارية
يرى الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية قبل حظرها إسرائيليًا، أنَّ ما يجري في المنطقة لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد تحولات سياسية عادية، بل هو امتداد لصراع فكري وعقائدي عميق يعود إلى بدايات المشروع الصهيوني.
وفي لقاء مع الإعلامي عبد الإله معلواني، تطرق الشيخ رائد إلى عدد من القضايا في المنطقة، وقدّم قراءته لطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني، ودور التيارات الدينية في الغرب، إضافة إلى موقفه من الحرب على إيران.
الصراع مع المشروع الصهيوني
أكد الشيخ رائد صلاح أن الصراع مع المشروع الصهيوني لم يكن يومًا صراعًا سياسيًا فقط، بل هو في جوهره صراع فكري وعقائدي منذ انطلاقته. واستدل على ذلك بعدة أمثلة، من بينها الشعار الذي تبنته الحركة الصهيونية في بداياتها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، والذي اعتبره مستوحى من تصورات دينية وردت في توراة اليوم.
في المقابل، اتهم الأنظمة بتخدير شعوبها عبر مقولات أن الصراع هو مجرد على مصالح سياسية، بغية الترويج لحلول وتسويات مع المشروع الصهيوني.
وأشار إلى أن العديد من الشعارات المبكرة للحركة الصهيونية حملت طابعًا دينيًا واضحًا، مثل مقولة “لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل”، لافتًا إلى أن هذه الشعارات تعكس ارتباط المشروع الصهيوني بتصورات دينية وتاريخية.
كما اعتبر أن وعد بلفور جاء نتيجة ضغوط مارستها الحركة البروتستانتية الصهيونية في الغرب، والتي يرى أنها لا تزال تؤثر في القرار السياسي في الولايات المتحدة حتى اليوم، إلى جانب دور اللوبيات الداعمة لإسرائيل.
الخطاب الديني في السياسة الإسرائيلية
وفي تعليقه على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذات الطابع الديني، قال الشيخ رائد إن نتنياهو لم يأتِ بجديد، بل يواصل خطابًا تبناه كثير من قادة المشروع الصهيوني منذ بداياته.
وأضاف أن الأحزاب الإسرائيلية، رغم خلافاتها السياسية، تشترك في خلفية فكرية تستلهم مفاهيم دينية وسياسية متداخلة.
وأشار إلى أن فكرة “إسرائيل الكبرى” وما يرتبط بها من رموز وشعارات، تُطرح في بعض الأدبيات الصهيونية بوصفها ترجمة لنصوص دينية وردت في توراة اليوم، في محاولة لإحياء ما يُسمى “الحق التاريخي والديني”.
كما رأى أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، بما في ذلك التهجير أو الإقصاء، يتم تبريرها ضمن سرديات دينية.
التيار الإنجيلي ودعمه للمؤسسة الإسرائيلية
وتطرق رئيس الحركة الإسلامية قبل حظرها إسرائيليا، إلى دور التيار الإنجيلي في الغرب، خصوصًا في الولايات المتحدة، موضحًا أن هذا التيار نشأ في أوروبا قبل أن ينتقل إلى أمريكا حيث توسع نفوذه في مجالات سياسية واجتماعية مختلفة.
ووفقًا لرؤيته، فإن الصهيونية المسيحية تعتبر دعم المشروع الصهيوني واجبًا دينيًا، وتؤمن بأن الولايات المتحدة لن تنال “بركة الرب” إلا من خلال مساندة المؤسسة الإسرائيلية.
وأضاف أن رموز هذا التيار يتبنون تصورات دينية تتعلق بنهاية العالم ومعركة “هار مجدون”، التي يعتقدون أنها ستسبق ما يسمونه “الألفية السعيدة”.
ويرى الشيخ رائد، أن هذه التصورات انعكست في تصريحات عدد من المسؤولين الأمريكيين عبر العقود، مشيرًا إلى مواقف لبعض الرؤساء الأمريكيين الذين تحدثوا عن أبعاد دينية في السياسة الدولية.
الصراع الإقليمي ودور إيران
وعند سؤاله عن طبيعة المشروع الإيراني، قال الشيخ رائد إن إيران تمتلك مشروعًا ذا بعد عقائدي ينعكس على سياستها الإقليمية، معتبرًا أن هذا المشروع يتضمن طموحًا لتوسيع النفوذ في العالم العربي.
وأشار إلى أن تدخلات إيران في دول مثل العراق وسوريا واليمن، ودورها في مناهضة الربيع العربي، ساهم، بحسب رأيه، في تعقيد الأوضاع في المنطقة وتفكيك بعض الدول. وفي الوقت نفسه شدد على رفضه للحرب الجارية في المنطقة، واصفًا إياها بـ”الحرب المجنونة” التي تلحق أضرارًا كبيرة بالشعوب.
وأبدى استهجانه من فشل بعض الأنظمة العربية في حماية أراضيها من القصف، في وقت تشهد هذه الدول “رفاهية” في العديد من المجالات العمرانية، مؤكدا أن الرهان على أمريكا في هذه المسألة كان فاشلا، لأنَّ الأخيرة لا يعنيها إلا حماية حليفتها تل أبيب.
القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية
وحذَّر الشيخ رائد من أن تؤدي التحولات والصراعات الإقليمية إلى تهميش القضية الفلسطينية، معتبرًا أن بعض الأنظمة العربية استخدمت القضية أحيانًا لأغراض سياسية داخلية أو لتصفية حسابات إقليمية.
وأكد أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى قضية مركزية، داعيًا إلى تمكين الشعوب من التعبير عن دعمها للفلسطينيين، وإلى التعامل مع القضية من منطلق عدالتها وحقوق الشعب الفلسطيني.
دور العلماء والأمة
وفي حديثه عن واقع العالم العربي والإسلامي، شدد الشيخ رائد على أهمية دور العلماء في توجيه الأمة، معتبرًا أنهم كانوا تاريخيًا “بوصلة الأمة” وضميرها الحي.
وضرب أمثلة من التاريخ الإسلامي على تكامل دور العلماء مع الحكام في مراحل الإصلاح والنهوض، مثل دور الحسن البصري في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، ودور العلماء إلى جانب قادة مثل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي في مشروع تحرير القدس من الصليبيين.
وانتقد ما وصفه بسياسات بعض الأنظمة التي تقيد دور العلماء أو تعتقلهم، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع يضعف المجتمعات ويعمق أزماتها.
المسجد الأقصى في دائرة الاستهداف
وتطرق الشيخ رائد إلى أوضاع المسجد الأقصى وإغلاقه من قبل الاحتلال، بزعم ظروف الحرب، مشيرًا إلى أن المسجد لم يشهد مثل هذا الاغلاق منذ عام 1967، وأن هناك سياسات تهدف – بحسب رأيه – إلى فرض قطيعة بين الفلسطينيين والمسجد الأقصى.
وحذّر من أن بقاء الأقصى مغلقا قد يفتح المجال أمام محاولات تغيير الواقع القائم فيه، داعيًا المسلمين إلى الحفاظ على حضور القضية في وعيهم واهتمامهم، حتى لو تعذر الوصول إلى المسجد.
رسالة إلى الأمة
وفي ختام حديثه، دعا الشيخ رائد صلاح الأمة الإسلامية إلى الحفاظ على ارتباطها بقضية القدس والمسجد الأقصى، وإلى تعزيز الوعي بها في البيوت والمجتمعات.
كما دعا إلى استمرار الاهتمام بالقضية الفلسطينية وإبقائها حاضرة في الخطاب العام، معبرًا عن أمله في أن تتمكن الأمة من تجاوز أزماتها واستعادة دورها في الدفاع عن قضاياها، وصولا إلى إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا.
