الحرب في المنطقة بين نفوذين.. إيراني توسّعي وأمريكي – إسرائيلي

الإعلامي أحمد حازم
يرى رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل أن “لا قيمة للحقائق متى كانت الأكاذيب قادرة على الإقناع، ولا قيمة للمبادئ متى كانت هناك قدرة على الالتفاف حولها، فكل الحروب بدت وكأنها نتاج أضاليل مُعدّة بإتقان، حتى ولو وصل الأمر إلى حدّ إقناع الذات وخداعها”. وهذا ما ينطبق على الرئيس الأمريكي ترامب.
فقد قيل، قبيل اندلاع الحرب، إن جولات مفاوضات جرت مع إيران لإبعاد شبح الحرب، وكان ترامب يتحدث عنها بإيجابية، لكن كلامه لم يكن سوى خداع لطمأنة إيران.
يقول المحلل السياسي الأمريكي توماس فريدمان في مقاله الأسبوعي في صحيفة نيويورك تايمز: “إن أخطر ما في هذه الحرب التي أطلقها كلٌّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ضد إيران ليس فقط آثارها العسكرية، بل افتقارها إلى رؤية واضحة لكيفية إنهائها أو لما سيحدث بعدها”.
وفريدمان محق في قوله. فمن السهل بدء أي حرب، لكن ليس من السهل انهاؤها، حتى لو كانت القوى غير متكافئة. والأمثلة على ذلك عديدة، مثل الحرب العراقية الإيرانية وحرب روسيا على أوكرانيا وغيرها من الحروب.
وقبل اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، أعلن نتنياهو وترامب أن إسقاط النظام الإيراني هدف رئيسي لهذه الحرب. وهذا يعني أن شعار “الرأس أولًا” هو عقيدة ترامب – نتنياهو لحسم الصراع، حسب اعتقادهما. غير أن التاريخ الحديث يُظهر أن استراتيجيات “قطع الرأس” قد تنجح أحيانًا في إضعاف جماعات مسلحة صغيرة، لكنها لا تنطبق على دول ذات مؤسسات راسخة، حتى وإن كانت سلطوية.
وانطلاقًا من عنجهيته، كان ترامب يعتقد أنه يستطيع إنهاء الحرب مع إيران في أيام قليلة من خلال القصف الجوي. غير أن القيادة الإيرانية الجديدة فاجأت ترامب بإظهار صورة مختلفة تمامًا، من خلال احتواء تداعيات اغتيال علي خامنئي عبر انتخاب ابنه مجتبى خليفة له.
ويرى تريتا بارسي، مؤسس ونائب رئيس معهد كوينسي الأمريكي ومؤسس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي (NIAC)، الذي يُعد أحد “اللوبيات” الإيرانية في الولايات المتحدة، أن “الافتراض الأمريكي بأن النظام الإيراني على وشك الانهيار كان خطأ، وأن اغتيال خامنئي واستهداف قيادات عديدة لم يؤديا إلى انهيار الحكومة، لأن هيكل الدولة صُمّم أساسًا ليبقى حتى في حال فقدان قياداته”.
وقد سرت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل حاولتا استخدام “البطاقة الكردية” في ضرباتهما ضد إيران، لكن انتشار هذه المعلومة أفشل تحقيق الهدف، بل أعطى – بحسب آراء محللين – نتيجة عكسية، إذ عزّز النزعة الوطنية داخل إيران.
وبعد عشرين يومًا من المواجهة العسكرية، والضجيج السياسي والعسكري والإعلامي الذي رافقها، ما زال ترامب يصر على أن نتائج هذه الحرب تُعد انتصارًا حاسمًا للولايات المتحدة، بسبب الضربات العسكرية واغتيال علي خامنئي، رأس النظام، وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، والتي أدت – كما يعتقد ترامب ونتنياهو – إلى إضعاف النظام الإيراني وإدخاله في مأزق عميق يصعب الخروج منه.
وبسبب استخفافه بالقدرات الإيرانية، خرج ترامب مطالبًا القيادة الجديدة في إيران باستسلام كامل. لكن إيران أظهرت صورة مغايرة، عبر قدرتها على الصمود واستعادة التوازن الداخلي، الأمر الذي دفع ترامب ونتنياهو إلى التراجع عن فكرة إسقاط النظام.
لكن السؤال الآن: ما العمل يا “مستر” ترامب ويا “أدون” نتنياهو؟ وهل من مخرج لهذه الورطة مع إيران؟
عن هذا التساؤل يجيب ديفيد ساكس، أحد مستشاري البيت الأبيض، خلال مشاركته في بودكاست، بقوله إن “على الولايات المتحدة إعلان النصر والانسحاب من حربها مع إيران، فهذا وقت مناسب لمحاولة إيجاد مخرج”.
وماذا يعني هذا الموقف الذي يدعو إلى الخروج من الحرب؟ بكل بساطة، إنه هروب مغلف بادعاء ساكس أن “الولايات المتحدة أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية”.
ويشكك المستشار ساكس في جدوى التصعيد العسكري، إذ يقول: “إذا لم يسفر التصعيد عن أي نتيجة إيجابية، فعلينا التفكير في طريقة للتهدئة، لأنها قد تتضمن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أو تسوية تفاوضية مع إيران”.
إذًا، وفق وجهة نظر ساكس، قد تشهد المرحلة المقبلة انتقالًا تدريجيًا من منطق المواجهة العسكرية إلى أسلوب المساومات السياسية، حيث سيحاول كل طرف تعزيز أوراقه قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
غير أن منطق التفاوض، كما يراه محللون، يقوم عادة على خفض سقوف المطالب المتبادلة للوصول إلى نقطة وسط تسمح لكل طرف بتقديم النتيجة أمام جمهوره الداخلي بوصفها إنجازًا. وهذا يعني أنه لن يكون هناك نصر حاسم لأي من الطرفين.
ويبقى السؤال المطروح: متى وكيف ستحدث التسوية؟ ومن سيتمكن من تسويق نفسه بوصفه صاحب المكاسب الأكبر؟ وهل سيتقبل ترامب ونتنياهو الخروج من هذه الحرب من دون إعلان انتصار؟
وأخيرًا، يمكن القول إن الحرب الحالية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، هي حرب بين نفوذين: نفوذ إيراني توسعي ونفوذ أمريكي – إسرائيلي هيمني، من أجل إعادة ترسيم الأدوار في المنطقة.
عيد فطر سعيد، وكل عام وشعبنا الفلسطيني بخير.