استطلاع: حلفاء واشنطن يقتربون من الصين ويشككون في استمرار الهيمنة الأمريكية

نشر موقع موقع “بوليتيكو” استطلاع راي أجراه بالشراكة مع شركة استطلاعات الرأي البريطانية “Public First” عن تحول ملحوظ في مواقف الرأي العام في أربع دول حليفة رئيسية للولايات المتحدة، حيث بات كثير من المستجيبين في كندا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة يرون أن الصين قد تكون شريكا أكثر موثوقية من واشنطن، في ظل تراجع الثقة بالدور الأمريكي عالميا.
وذكر موقع “بوليتيكو” في تقرير أن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا يدعمون بشكل متزايد بناء علاقات أوثق مع الصين، ويعتقدون أن دور واشنطن كقوة عظمى عالمية آخذ في التراجع.
وأشار التقرير إلى أن القرن الحادي والعشرين قد يكون أقرب إلى أن يكون لصالح بكين أكثر منه لواشنطن، على الأقل وفق آراء في أربع دول حليفة رئيسية للولايات المتحدة.
وأوضح التقرير أن نظرة شرائح واسعة من الجمهور في كندا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة تجاه الولايات المتحدة تدهورت، مدفوعة بقرارات السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، بحسب نتائج الاستطلاع.
وبات المستجيبين في هذه الدول يرون الصين شريكا أكثر موثوقية من الولايات المتحدة، ويعتقدون أن العملاق الاقتصادي الآسيوي يتقدم في التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.
ويرى الأوروبيون الذين شملهم الاستطلاع أن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة أمر ممكن، لكنه أصعب في ما يتعلق بالصين، وهو ما يعكس تشابكات جديدة قد تميل بميزان القوة العالمية بعيدا عن الغرب.
وذكر التقرير أن المستجيبين في الدول الأربع الحليفة يرون أنه من الأفضل الاعتماد على الصين بدلا من الولايات المتحدة بعد عودة ترامب المضطربة إلى السلطة.
ويبدو هذا التوجه مدفوعا باضطراب سياسات ترامب وليس نتيجة استقرار جديد في الصين، ففي سؤال متابعة وافق غالبية المستجيبين في كندا وألمانيا على أن محاولات التقارب مع الصين تعود إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أقل قابلية للاعتماد عليها، وليس لأن الصين أصبحت شريكا أكثر موثوقية.
وأشار الاستطلاع إلى أن نسبة من المستجيبين في فرنسا بلغت 38 في المئة وفي المملكة المتحدة 42 في المئة شاركت هذا الشعور.
ذكر التقرير أن شعار ترامب “أمريكا أولا” قلب “النظام الدولي القائم على القواعد” الذي ساد سابقا، من خلال سياسات حادة أدت إلى عزل الولايات المتحدة على الساحة العالمية.
وشملت هذه السياسات إبطاء تقديم المساعدات لأوكرانيا، وتهديد حلفاء حلف شمال الأطلسي بعقوبات اقتصادية، والانسحاب من مؤسسات دولية كبرى مثل منظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وزادت الرسوم الجمركية العقابية التي فرضها ترامب في “يوم التحرير”، إلى جانب تهديداته بضم غرينلاند وجعل كندا “الولاية الحادية والخمسين”، من توتر العلاقات مع كبار الحلفاء.
واستغلت بكين هذه اللحظة لتعزيز علاقاتها التجارية مع الدول الأوروبية التي تبحث عن بدائل للرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة على صادراتها.
وأوضح التقرير أن بكين استضافت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي منتدى يهدف إلى تعزيز الاستثمارات المتبادلة مع أوروبا، فيما وصف مسؤولون صينيون كبار العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين بأنها شراكة وليست منافسة.
ومن جانبه، قال مارك لامبرت، النائب السابق لمساعد وزير الخارجية لشؤون الصين وتايوان في إدارة بايدن، لموقع “بوليتيكو”: “لقد ساعدت الإدارة الرواية الصينية من خلال التصرف كمتنمر”.
وأضاف لامبرت: “لا يزال الجميع يدرك التحديات التي تطرحها الصين — لكن واشنطن الآن لم تعد تعمل في شراكة وتركز فقط على نفسها”.
ذكر التقرير أن هذه المشاعر بدأت تتحول إلى خطوات عملية.
وأعلن رئيس وزراء كندا مارك كارني حدوث “قطيعة” بين أوتاوا وواشنطن في كانون الثاني/يناير، ودعم ذلك بإبرام اتفاق تجاري مع بكين في الشهر نفسه.
ووقعت المملكة المتحدة عدة صفقات تصدير عالية القيمة مع الصين بعد ذلك بوقت قصير، فيما عاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس من قمم حديثة في بكين مع طلبات شراء صينية لمنتجات أوروبية.
وأوضح التقرير أن المستجيبين في الدول الأربع الحليفة يدعمون عموما الجهود الرامية إلى خلق مسافة ما عن الولايات المتحدة، ويقولون إنهم أصبحوا أكثر اعتمادا على الصين.
وأشار التقرير إلى أنه في كندا قال 48 في المئة إنه من الممكن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة ويعتقدون أن على حكومتهم القيام بذلك.
وأضاف التقرير أنه في المملكة المتحدة قال 42 في المئة إن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة يبدو جيدا من الناحية النظرية، لكنهم يشككون في إمكانية حدوثه عمليا.
ويعتقد عددا أقل من المستجيبين أن تقليل الاعتماد على الصين ممكن عمليا، وهو ما يعكس هيمنة بكين على سلاسل الإمداد العالمية، فيما قد ينجذب الشباب إلى الصين كبديل للهيمنة الثقافية الأمريكية.
وأوضح التقرير أن المستجيبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما كانوا أكثر دعما بكثير من الفئات الأكبر سنا لبناء علاقة أوثق مع الصين.
وأظهرت دراسة حديثة بتكليف من معهد الدراسات الأوروبية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، وهو مركز أبحاث مقره بكين، أن معظم الشباب الأوروبيين يحصلون على معلوماتهم عن الصين والحياة الصينية من وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضاف التقرير أن نحو 70 في المئة من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو القصير للحصول على معلومات عن الصين.
وتميل الوسائط التي يستهلكها هؤلاء الشباب إلى دعم الصين، خصوصا أن تطبيق “تيك توك”، أحد أكثر منصات التواصل الاجتماعي شعبية في العالم، أنشأته شركة “بايت دانس” الصينية، وقد اتهم سابقا بقمع المحتوى الذي يُعد سلبيا تجاه الصين.
وقالت أليتشا باتشولسكا، الباحثة في السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الأجيال الشابة تعتقد أن الولايات المتحدة قادت جهود تصوير الصين كنظام سلطوي وتهديد للديمقراطية، بينما تقوم في الوقت نفسه بإضعاف قيمها الديمقراطية.
وأضافت باتشولسكا أن هذا الاتجاه “يدفع بسردية مفادها: لقد كُذب علينا بشأن حقيقة الصين”، مع “تحول المزاج الاجتماعي بين الشباب ضد الولايات المتحدة”، وتابعت: “إنه تعبير عن عدم الرضا عن حالة السياسة الأمريكية”.
وذكر الموقع أن هناك إجماعا واضحا بين الذين شملهم الاستطلاع في أوروبا وكندا على أن الصين تتفوق في سباق التكنولوجيا العالمي، وهو عنصر أساسي في رؤية السياسة الكبرى للزعيم الصيني شي جين بينغ.
وأوضح التقرير أن الصين تتقدم على الولايات المتحدة ودول غربية أخرى في تطوير بطاريات السيارات الكهربائية والروبوتات، كما أصبحت التصاميم الصينية المعيار العالمي في السيارات الكهربائية والألواح الشمسية.
وقالت سارة بيران، التي شغلت منصب نائبة رئيس البعثة في السفارة الأمريكية في بكين خلال إدارة بايدن: “حدث تحول حقيقي في المزاج العالمي بشأن هيمنة الصين في التكنولوجيا والابتكار”، كما أن هذا السباق الرقمي يظهر بوضوح في التطور السريع للذكاء الاصطناعي.
وضخت الصين مليارات الدولارات في مبادرات البحث، واستقطبت أفضل المواهب التقنية من الجامعات الأمريكية، ومولت شركات تكنولوجيا مدعومة من الدولة لتعزيز مصالحها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأضاف الموقع أن هذا الاستثمار يبدو أنه بدأ يؤتي ثماره، إذ يعتقد عدد أكبر من المستجيبين في كندا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة أن الصين هي الأكثر احتمالا لتطوير أول ذكاء اصطناعي فائق.
في المقابل، لم تغير هذه التقدمات كثيرا من آراء الأمريكيين، إذ ما زال غالبية المستجيبين في الولايات المتحدة يرون أن التكنولوجيا الأمريكية متفوقة على التكنولوجيا الصينية حتى في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتزامن التباعد المتزايد بين واشنطن وحلفائها مع تراجع تصور الولايات المتحدة باعتبارها القوة العالمية المهيمنة، رغم أن معظم الأمريكيين لا يرون الأمر بهذه الطريقة.
ويعتقد نحو نصف المستجيبين في كندا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة أن الصين تتحول بسرعة إلى قوة عظمى أكثر تأثيرا، وهو رأي يبرز خصوصا بين الذين يرون أن الولايات المتحدة لم تعد قوة إيجابية في العالم.
في المقابل، ذكر التقرير أن 63 في المئة من المستجيبين في الولايات المتحدة يعتقدون أن بلادهم ستحافظ على هيمنتها خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما يعكس اختلافا كبيرا في التصورات بشأن ديناميكيات القوة العالمية بين الأمريكيين وحلفائهم.
أشار التقرير إلى أن النظرة إلى الصين كمركز قوة عالمي قد لا تكون نشأت بالكامل بشكل طبيعي.
واتهمت الولايات المتحدة بكين بضخ مليارات الدولارات في جهود التلاعب بالمعلومات على المستوى الدولي، بما يشمل مبادرات إعلامية مدعومة من الدولة واستخدام أدوات لكبح الانتقادات عبر الإنترنت للصين وسياساتها.
ويخشى بعض المراقبين بحسب الموقع، أن الاعتقاد الخاطئ لدى حلفاء الولايات المتحدة بأن تفوق الصين كقوة عظمى أمر حتمي قد يساهم في تسريع صعود بكين.
وقالت هنرييتا ليفين، المديرة السابقة لشؤون الصين في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن: “أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها ضد التهديدات القادمة من الصين ومنافسة رؤية الصين لعالم أكثر تمحورا حولها وأكثر قبولا للأنظمة السلطوية”.
وأضافت ليفين: “لكن إذا اعتقدت أوروبا أن هذا مستحيل ولم تحاول القيام بذلك، فقد تصبح نتائج الاستطلاع نبوءة تحقق نفسها”.
