لكن إسلامنا لا يهون

الشيخ كمال خطيب
لقد نهى الإسلام المسلم وحرّم عليه أن يحتقر أو أن يهين أو يذلّ إنسانًا آخر، وقد قال ربنا سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [13 سورة الحجرات]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [11 سورة الحجرات]. وما تزال مقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ترنّ في أذن الزمان وهو يقول: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”.
فإذا كان الإسلام لا يقبل للمسلم أن يهين غيره فمن باب أولى ومن البديهي أن الإسلام يحرّم على المسلم أن يهين نفسه أو أن يذلّها، ويكون ذلك عبر سلوكيات وممارسات يفعلها المسلم تكون سببًا في إهانته وإذلاله لنفسه وهذا يتنافى مع تعاليم الإسلام، فكيف للمسلم العزيز بعزّة الله أن يقبل لنفسه الإهانة والهوان؟ وإن من بعض مظاهر إذلال وإهانة المسلم لنفسه:
لا تساوم
لقد حرّم الإسلام الذلّ وبرئ ممن يقبل العيش على فُتاة العزّة والكرامة يمنّ عليه بها غيره.
فالمسلم يعتقد أن قول الحقّ وإنكار المنكر لا يقطع ولا يحرم رزقًا ولا يقرّب أجلًا، وقد قال المربّي والمعلم رسول الله ﷺ: “لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحقّ إذا علمه فإنه لا يقرّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقال بحقّ أو يذكر بعظيم”. وما أجمل ما قاله الأستاذ عامر شماخ: “إن الذي يعطي الدنية في دينه لأي سبب فإنه يقع في دائرة سخط الله ويعرّض المجتمع المسلم للفتنة والخطر. والذي يظنّ أنه يفعل ذلك تقية فهو مخادع ومتقوّل على الدين ما ليس فيه، فإن المسلم مرفوع الرأس منتصب القامة. أما المتردد والطامع بما في أيدي الناس فلا كرامة ولا رجولة”.
إن المسلم ومن أجل عزّته وكرامته ومن أجل رفعة دينه وأمته، فإنه لا يتردّد في خوض الصعاب وركوب الأهوال غير آبه بما يجري من تصاريف الأقدار، لأنها لن تتجاوز إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة. والمسلم يكره الظالمين ويأنف الظلم ولا يرضى بخضوع المسلمين للظالمين، وقد قال ﷺ: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، وقال: “لا تكونوا إمّعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسنوا أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا”.
وإن شرار المسلمين هم الذين يبيعون كرامتهم ويدنّسون مروءتهم من أجل منصب أو شهرة أو متاع أو دراهم بها يملؤون جيوبهم، أو ملذّات بها يملؤون كروشهم لأنهم بذلك يسيئون لدينهم ويسخطون ربهم، وقد قال ﷺ: “من جلس إلى غنيّ فتضعضع له لينال مما في يديه فقد ذهب ثلثا دينه ودخل النار”.
إنها الصرخة العمرية ما تزال ترنّ في أذن الزمان وتزيّن صفحات التاريخ يوم رأى شابًا يصلّي وقد نكس رأسه ظانًا أن هذه من علامات الخشوع، فصرخ فيه الفاروق عمر رضي الله عنه قائلًا له: “ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد عمّا في القلب، فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنما أظهر للناس نفاقًا إلى نفاق”.
فالمسلم يجب أن يعيش في هذا الكون عزيزًا مرفوع الرأس ينتزع كرامته وشموخه انتزاعًا، فليست الكرامة وعزة النفس مما توهب من المتكبرين، ولا يكون المسلم مرفوع الرأس إلا إذا امتلأت نفسه كرامة وثباتًا واستشعارًا لمعيّة الله تعالى. {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [139 سورة النساء]، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [8 سورة المنافقون]. فالمسلم لا يقبل إلا أن يطاول برأسه عنان السماء مع النجوم والأقمار والشموس.
أرواحنا أموالنا أولادنا لله تأبى دينه مسلوبا
روموا الحياة مع النجوم كريمة نحّوا المضاجع أن تضم جنوبا
لا البطش يرهبنا ولا جلاّدهم طوبى لمن صدق العزيمة طوبى
وإذا كان الأمر عكس ذلك، فضَعُف المسلم وقبل بالهوان ونكّس رأسه وذلّ لجلّاديه فعلى الدنيا السلام، كما قال الشاعر:
سلام على الدنيا سلام على الورى إذا ارتفع العصفور وانخفض النهر
وإن من أسباب الهوان والذلّ وتنكيس الرأس، فإنما هو الخوف من الجلّاد والطمع في الرزق، والمسلم يعلم ويعتقد أن الرزق والأجل بيد الله سبحانه، وأن الضرّ والنفع وأن الموت والحياة بيده سبحانه.
وكيف لمسلم أن يطأطئ رأسه لبشر مثله، وكيف له أن ينحني وهو يعلم أن الانحناء له بداية وليس له نهاية، وأن المساومة تبدأ بشيء صغير وتنتهي بالكبير، وأن أعداء الإسلام يتلذّذون وهم يرون المسلم يتنازل عن كرامته وثوابته وأرضه وعرضه ومقدساته فيصبح مسخًا يبكى عليه. وها هو شاعرنا يخاطب من قبلوا ورضوا بالانحناء والتذلّل للأعداء:
أأبكي عليك؟ أأبكي إليك؟ أأبكي علينا لما قد جنيت
ففي غدك المستباح الجريح ستصرخ يا ليتني ما انحنيت
ويرقد سهمك في مقلتيك ولن ينقذ البيت آلاف ليت
وتدرك بعد فوات الأوان بأنك لمّا انحنيت انتهيت
وما دمت قد بعت حتى الحطام ولم تبقِ أمًا وأرضًا وبيت
وإني أخشى غدًا أن تبيع عظامي وقبرًا به قد ثويت
يقول فيلسوف الإسلام الكبير محمد إقبال رحمه الله: “إن السجدة الجديرة بالاهتمام هي السجدة التي تحرّم عليك كل سجدة لغير الله تعالى”.
لكن إسلامنا لا يهون
إن المسلم الذي رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن دستورًا وبمحمد رسولًا وبالمسلمين إخوانًا، فإنه يشعر كم هو عزيز وشامخ وبالتالي فإنه لا يساوم على دينه لا أمام الترغيب ولا أمام الترهيب، ولا يجامل أحدًا أيًا كان على حساب دينه ولو كان أقرب الناس إليه.
يقول سعد بن مالك أحد العشرة المبشّرين بالجنة رضي الله عنه: “كنت رجلًا برًا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي أراك أحدثت؟ لتدع دينك هذا أو أنني لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيّر بي فيقال عنك يا قاتل أمه. فقلت لها: يا أمي لا تفعلي فإني لا أدع ديني لشيء، فمكثت يومًا وليلة لا تأكل فأصبحت وقد جهدت، فمكثت يومًا آخر وليلة لم تأكل فأصبحت وقد جهدت، فمكثت يومًا آخر وليلة لم تأكل فأصبحت وقد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت لها: يا أمّه والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت أكلت وإن شئت لا تأكلي، فأكلت.
وهكذا يساوَم المسلم على دينه وعقيدته وثوابته، يراد له أن يفرّط فيها وأن يتنازل عنها مرة بالعاطفة كما في قصة سعد بن مالك مع أمه، ومرة بالترهيب ومرة بالترغيب كحال الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله لمّا عرض عليه القضاء مرتين لأنه رفض تدخل الخليفة أبي جعفر المنصور بالقضاء، حيث كان لأبي حنيفة رأي وموقف.
ألحّ أبو جعفر المنصور عليه بالقبول، وأصرّ أبو حنيفة على الرفض، أقسم الخليفة أن يتولّى أبو حنيفة القضاء وأقسم أبو حنيفة أن لا يكون قاضيًا عند المنصور. انتقل الخليفة أبو جعفر المنصور للتهديد والوعيد، فجُلد أبو حنيفة مائة سوط وسال منه الدم وهو ثابت لا يلين. فُرض عليه الحبس المنزلي، مُنع من الخطابة والتدريس والالتقاء بالناس وظلّ على موقفه صلبًا كالحديد.
جاءته أمه تقول: يا نعمان وماذا أفادك العلم غير الضرب والحبس والإهانة، فقال لها: يا أماه لو أردت الدنيا ما ضُربت ولكني أردت وجه الله وصيانة العلم. وقد حُبس ومات في السجن ومنه إلى القبر.
ومثل أبي حنيفة كان موقف الإمام أحمد في ثباته في فتنة خلق القرآن، وقد سُجن وجُلد فثبت حتى قيل: “لقد نصر الله الأمة بأبي بكر يوم الردة وبالإمام أحمد يوم الفتنة”.
ومثل أبي حنيفة والإمام أحمد فإنه مفسّر القرآن الشهيد سيّد قطب وقد سُجن ظلمًا لأنه قال كلمة حقّ في وجه الظالمين في مصر أيام جمال عبد الناصر، فطلب منه أن يكتب رسالة استرحام وقد ساوموه على موقفه فكان جوابه: “إن هذه السبّابة التي تشهد لله بالوحدانية لا تكتب رسالة أسترحم بها طاغية”.
تهون الحياة وكل يهون ولكن إسلامنا لا يهون
إذا ما أرادوا لنا أن نميل عن النهج قلنا لهم: مستحيل
لنا نهجنا من إله جليل وإنّا به أبدًا مؤمنون
نساوم، لا أيها الغاشمون نداهن، لا أيها المارقون
فإسلامنا نبضنا والعيون على رغم ما يمكر الماكرون
لا ومليون لا
إن من أخطر ما قد يصاب به الفرد أو الأمة هو أن يتسلل إليهم اليأس والإحباط والتشاؤم والسوداوية. فاليأس قد يقود صاحبه ويصل به إلى أن يكفر بنفسه وبشعبه ودينه وهويته، بل قد يكفر بربه جلّ جلاله.
إن المحبط والمتشائم هو الذي يفقد البوصلة وتختل عنده الموازين الأخلاقية والدينية والاجتماعية ويغرق في مستنقع الأنانية، حيث يصبح لا تهمّه إلا نفسه ولا تشغله إلا مصلحته، فيقبل لنفسه أن يداهن ويساوم وأن يباع ويشترى بالشيكل والدولار لأنه لا يبقى عنده ولا في قاموسه مكان للحرام والحلال ولا حتى العيب.
إنه اليأس والإحباط والتشاؤم لا يكون إلا في حالة الهزال والضعف الإيماني والجهل بالدين وبالتالي الجهل بقراءة الواقع والمستقبل، وعليه فإذا كان الواقع الصعب الذي نعيشه هو دليل عند اليائسين وسبب من أسباب إحباطهم، إلا إنه عند المتفائلين ألف دليل على أنهم على الجادّة، وأن الإسلام بخير، وأنه قويّ وقادم، ولولا أنه قويّ وقادم ومنتصر لما كان استحق كل هذا الكيد والعداء له ولأبنائه.
نعم إن الواقع الذي نعيشه يحمل بين ثناياه وتقلّباته إرهاصات ما أكثرها وإشارات لا تخطئها العين بأننا بين يدي فتح قريب وفرج قادم بإذن الله تعالى.
لا للطغاة، أقولها فوق المآذن في علن
لا، لن أبالي بمن نفى وبمن بغى وبمن سجن
لا، من يقولها نجا والله أودعها المنن
لا، يا أحبة رددوا وذروا نعم، فهي الفتن
فأن يقول المسلم للظالم نعم، وأن يقول له أمرك سيدي، فهي الفتنة بعينها. وأن يقول له لا، فهي النجاة وهي العزّة. فارفع رأسك يا مسلم ولا تساوم، وقل للباطل لا وألف لا ومليون لا، ودائمًا وأبدًا قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
