بلا أوراق ولا خيام.. آلاف السودانيات يواجهن المجهول بمخيمات كوستي

على أطراف مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض في السودان، يتكشّف وجه آخر للنزوح في السودان، مئات النساء يفترشن الأرض في مخيم “قوز السلام” بلا خيام ولا أوراق ثبوتية، بعد أن فررن من جحيم القتال تاركات وراءهن البيوت والذكريات.
وحسب وسائل الإعلام، فإن نحو 500 أسرة من أصل نحو 4 آلاف تقيم في العراء في انتظار خيام لم تُسلّم بعد، في ظل إجراءات حصر لم تكتمل، وارتفاع درجات الحرارة نهارا وانخفاضها ليلا.
عائشة، القادمة من جبل الدائر، تمكث منذ شهر على قارعة الطريق داخل المخيم، وتقول إنها وصلت مع أطفالها هربا من المعارك ولم تحصل حتى الآن على خيمة مكتفية بظل جدار من الخوص لا يقي من شمس الظهيرة.
ويتكرر المشهد ذاته مع أخريات قدمن من الدلنج وكادوقلي ومناطق متفرقة من جنوب كردفان، ومعظمهن يؤكدن أنهن أمضين أسابيع في العراء ينمن على التراب ويقتسمن الماء القليل والطعام الشحيح.
وروت إحدى المسنات أنها قطعت مع أسرتها رحلة استغرقت نحو 15 يوما، تنقلت خلالها بين الجبال والطرقات الوعرة قبل أن تعثر على مركبة تقلّها إلى كوستي، وتقول إن القصف دفعهم إلى الفرار ليلا بلا متاع.
وحسب إفادات متطابقة لعدد من النازحات، فإن الطريق إلى المخيم لم يكن آمنا، كما تحدث بعضهن عن مجموعات مسلحة يطلق عليها الأهالي “الشفشافة”، اعترضت القوافل ونهبت ما تبقى بحوزتهن من أموال ومقتنيات.
“هذا بيتي”
وتشير زينب عثمان، التي وصلت قبل 23 يوما من منطقة موريب، إلى بقعة على الأرض خالية تفترشها كغيرها من النساء قائلة “هذا بيتي”، مضيفة أنها تركت زوجها خلفها وجاءت بأطفالها فقط، بعدما عجزت عن حمل أي متاع.
وتؤكد نساء أنهن اضطررن للتخلي عن مدخراتهن خوفا من القتل أو الاعتداء، وبعضهن أخفين المال في ملابسهن لكنهن تعرضن للتفتيش والتهديد بالسلاح، “إما أن تسلّمي ما لديك أو تواجهين الموت”، تقول إحداهن.
السيدة خميسة فقدت ابنها (19 عاما) في قصف بمدينة الدلنج، وتقول إن قذيفة دبابة أصابته فأردته قتيلا، وإنها وصلت إلى كوستي بأطفالها الأربعة بعد شهر من المعاناة دون مأوى أو مصدر دخل.
في حين تصف نساء أخريات واقعا يوميا يختلط فيه الجوع بالعطش، فالمياه تُشترى بثمن لا تقدر عليه كثيرات، والطعام يقتصر على وجبات بسيطة لا تسد الرمق، بينما تقول إحدى النازحات “أحيانا ننام بلا عشاء”.
وتقول آمنة، التي فرت بعد إحراق منزلها، إن المسلحين هاجموا منطقتها وقتلوا أفرادا من عائلتها وصادروا الممتلكات، وتضيف أنهن وصلن “بأرواحهن فقط”، دون وثائق أو أموال أو مقتنيات شخصية.
أزمة متفاقمة
بدورها، تقر إدارة المخيم بحجم الأزمة، حيث أوضح عبد العظيم، وهو أحد المشرفين في المخيم أن تزايد أعداد الوافدين خلال الفترة الأخيرة فاق قدرته الاستيعابية، مشيرا إلى أن عملية حصر الأسر جارية تمهيدا لتوزيع الخيام.
ويشير إلى أن عددا كبيرا من النازحين فقدوا أوراقهم الثبوتية خلال الهجمات أو الحرائق مما يعقّد إجراءات التسجيل، ويؤكد أن الخيام متوفرة، لكن توزيعها مرتبط باستكمال الحصر خلال الأيام المقبلة.
ورغم هذه الوعود، فإن مئات الأسر تبقى في الشوارع الداخلية للمخيم، حيث تتجاور الأجساد المنهكة مع أمتعة قليلة وأغطية مهترئة، بينما تظهر المشاهد الأطفال يلعبون فوق التراب ذاته الذي ينامون عليه ليلا.
وبحسب تقديرات أممية، تجاوز عدد النازحين داخل السودان 14 مليون شخص منذ اندلاع الحرب، في واحدة من أكبر أزمات النزوح عالميا، ويعاني الملايين نقصا حادا في الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية.
