لماذا يريد سفير أمريكا منح النيل والفرات لإسرائيل؟

لم يكن مايك هاكابي، القسيس المسيحي “المعمداني”، والسياسي اليميني الجمهوري الذي يشغل حاليا منصب السفير الأمريكي في إسرائيل، يدرك أن أصعب دقائق حياته التي جاوزت السبعين، سوف تكون في صحبة مذيع يميني أمريكي يسائله حول سياسة الولايات المتحدة في إسرائيل. فعلى مدار 160 دقيقة تقريبا، نصب تاكر كارلسون فخاخه لهاكابي ببراعة ليسقط في شراكها واحدا تلو الآخر، محولا المقابلة وكواليسها إلى دليل لا يقبل الشك على الانقسام المتزايد في صفوف اليمين الأمريكي حول إسرائيل ودعمها، وكشف حساب للسياسة الأمريكية تجاه الدولة العبرية، التي قدمها هاكابي في غلاف ديني لاهوتي مقدس، وليس ضمن إطار المصالح والتوجهات السياسية.
كانت بداية الإثارة مع شرح قدمه كارلسون لهاكابي من سفر التكوين يصف “أمر الله لبني إسرائيل بقتل كل رجل وامرأة وطفل”، ما يراه كارلسون على أنه “دعوة إلهية” لإبادة العماليق (من أعداء بني إسرائيل). بعد ذلك أشار المذيع الأمريكي إلى استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخطاب ذاته في حديث مع الجنود الإسرائيليين في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قائلا: “تذكروا ما فعله عماليق بكم”، وهو ما يعد “دعوة صريحة للإبادة الجماعية” بحسب كارلسون. لكن هاكابي رفض هذه المقاربة، محتجا بأن إسرائيل لو كانت تنوي ارتكاب إبادة “لفعلت ذلك في غضون ساعتين ونصف” بسبب قوتها العسكرية، حسب زعمه.
تصاعد التوتر إلى ذروته، حين طرح كارلسون النص الوارد في العهد القديم بشأن امتداد “أرض إسرائيل من نهر النيل إلى الفرات”، فأجاب هاكابي بتوتر: “سيكون من الجيد لو أخذوها كلها”، مضيفا أن “النقطة الأساسية هي أن هذه المنطقة التي نتحدث عنها الآن (إسرائيل)، هي أرض أعطاها الرب من خلال إبراهيم لشعبه المختار”.
يعود النص الذي استشهد به كارلسون ووافقه عليه هاكابي إلى “سفر التكوين”، حيث يُذكر “العهد الذي أبرمه الله مع النبي إبراهيم، والذي يَعِد فيه بمنح الأرض لنسله لتشمل مساحة جغرافية واسعة تمتد من نهر مصر (نهر النيل) إلى النهر الكبير (نهر الفرات)”. ووفق القراءة الجغرافية التي طُرحت خلال المقابلة، فإن هذا الامتداد يشمل فلسطين التاريخية والأردن ولبنان وسوريا وأجزاء واسعة من مصر والعراق والسعودية وجنوب تركيا، ما يعني إعادة رسم جذري لخريطة الشرق الأوسط.
ولم يكد هاكابي يلتقط أنفاسه حتى باغته تاكر بفخ جديد حين سأله عن الأساس الذي يمنح نتنياهو وعائلته، القادمين من أوروبا الشرقية الحق في أرض فلسطين، وإذا ما كان بإمكانهم أن يثبتوا أن أجدادهم عاشوا في تلك المنطقة على الإطلاق. ولبيان المفارقة، وجّه كارلسون سؤالا مباشرا إلى هاكابي: “إذا أثبت العلم أن هؤلاء الناس (الفلسطينيين) لديهم ارتباط جيني بالأرض أقدم من المهاجرين الأوروبيين”، فكيف سيكون الحال عندها؟
رفض هاكابي الاحتكام إلى منطق الأصل الجيني، معتبرا أن المرجعية الحاسمة في هذا الجدل لا تكمن في التحاليل الوراثية بل فيما وصفه بـ”علم الآثار” والارتباط الديني بالأرض، وبهذا أعاد توجيه النقاش من الحقل العلمي “الثابت” إلى حقل التأويل التاريخي-اللاهوتي “الظني”، مقدما تصورا يرى في الشواهد الأثرية والتاريخية المزعومة سندا أعلى من الأدلة البيولوجية المعاصرة.
كما استحضر عبارته التي طالما كررها في مناسبات عدة: “الحجارة تصرخ”، في إشارة إلى أن المكتشفات الأثرية المزعومة في “يهودا والسامرة” -وهو الاسم التوراتي الذي يستخدمه للضفة الغربية- والتي تمثل من وجهة نظره، “صك الملكية الوحيد” الجدير بالاعتراف. ويكشف هذا الطرح عن أولوية السردية الدينية والتاريخية في منطق هاكابي على حساب المقاربات العلمية الحديثة، بما يعكس اتساقا مع الإطار الأيديولوجي الذي يعتنقه. وهو ما دفع كارلسون للتساؤل عما إذا كان سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل يعمل بالدرجة الأولى لمصالح أمريكا، أم لتحقيق يعتبره وعدا من الله للشعب اليهودي؟
هاكابي وإسرائيل.. 5 عقود من الإيمان
لفهم كيف انتهى الحال بمايك هاكابي “المسيحي الأمريكي” إلى الدفاع عن رؤية “توراتيّة” متطرفة للعالم، لا بد من معرفة مدى تغلغل إسرائيل في حياته الشخصية والسياسية. لقد زار هاكابي إسرائيل لأول مرة وهو في السابعة عشرة من عمره، ثم عاد إليها أكثر من 100 مرة، كثيرٌ منها بصفته قائدا لرحلات حجّ إنجيلية نظمتها شركة السفر التي يملكها، “بلو دايموند ترافل”، والتي نقلت عشرات الآلاف من الإنجيليين الأمريكيين “حجاجا” إلى الأراضي المحتلة.
على مدى عقود، تحوّلت هذه الرحلات التي كانت تسوَّق عادةً بوصفها “رحلات كتابية” تمرّ عبر مناطق مقدسة في “يهودا والسامرة” إلى مزيج من الدعوة الدينية والعمل السياسي، ورسّخت صورة هاكابي كأحد أكثر الأصوات دعما لإسرائيل في المعسكر الصهيوني المسيحي داخل الحزب الجمهوري. وقد وثقت تقارير صحفية مشاركته في بناء إحدى المستوطنات، وإدلائه بتصريحات حول رغبته في شراء منزل هناك، رافضا وصف المنطقة بأنها “محتلة” (وهو الوصف المعتمد للمستوطنات في القانون الدولي)، ومفضّلًا تسميتها بـ”أحياء ومدن إسرائيلية” شرعية، تستند إلى “صك ملكية كتابي”، وفق زعمه.
على مدار سنوات، وضع هاكابي نفسه على يمين كثير من الساسة الإسرائيليين الأكثر تطرفا في ما يخصّ قيام دولة فلسطينية. فهو يرفض حل الدولتين (الصيغة المعترف بها دوليا لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي)، والأكثر من ذلك أنه طرح تصورا بديلا يقوم على إمكانية إنشاء دولة فلسطينية في “أراض بلاد مسلمة أخرى”، بدلا من الضفة الغربية وهي رؤية تضاهي رؤية أشد الصهاينة تطرفا. ولم يكتف هاكابي بذلك، بل وصل به الأمر إلى التصريح القاطع بأن “لا وجود لشيء اسمه فلسطيني”، في محاولة لمحو الهوية الفلسطينية تماما لخدمة أجندة دينية متشددة.
ومن نافلة القول التأكيد أن الرجل الذي شارك بنفسه في بناء مستوطنة، يُعدّ من أبرز الأصوات الأمريكية التي قدّمت دفاعا غير مشروط عن المشروع الاستيطاني الصهيوني، وشككت في مشروعية القرارات الدولية التي تدين السياسات التوسعية الإسرائيلية. لا عجب إذن أنه حين بدأت إسرائيل حربها الإبادية في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حمل هاكابي حركة المقاومة الإسلامية “حماس” مسؤولية قيام الحرب، قائلا إن لإسرائيل الحق الكامل فيما تقوم به. وفي مقابلة له مع إذاعة “إن بي آر” الأمريكية بُعيد تعيينه سفيرا في إسرائيل في مايو/أيار 2025 زعم أن الإسرائيليين “تعرضوا لجرائم أبشع وأكثر تعمدا مما حدث أثناء الهولوكوست”، بحسب زعمه.
طوال فترة الحرب على غزة، ظل هاكابي متماهيا مع الطرح الإسرائيلي، وخادما وفيا لسياسات الاحتلال، حتى إنه طرح مبادرة ذات طابع إنساني تقوم -وفق ما جرى تداوله وقتها- على إنشاء آلية لإدخال المساعدات والإشراف عليها عبر قنوات تُستبعد منها حركة حماس، وتخضع لإدارة أو رقابة دولية أمريكية بالتنسيق مع إسرائيل، بما يضمن – بحسب تصوره – عدم توظيف الدعم الإنساني في الأغراض العسكرية. لكن تلك الخطوة هدفت حقيقة لإعادة هندسة المشهد الغزي سياسيًا عبر الإمساك بمفاتيح المساعدات، بما يعزّز مواقف إسرائيل ونفوذها على قطاع غزة أثناء الحرب، وبعدها.
فيما يتعلق بإيران، لا تكاد وجهات نظر هاكابي تختلف في تطرفها وحدتها. في عام 2015، وأثناء حملته الانتخابية لنيل بطاقة الترشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري (التي خسرها لصالح دونالد ترمب) هاجم هاكابي الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران قائلا إنه “سيأخذ الإسرائيليين إلى أبواب الأفران” في إشارة إلى الهولوكوست، قبل أن يضطر للتراجع بعد انتقادات لاذعة.
لاحقا في يونيو/حزيران 2025 (بعد تعيينه سفيرا في إسرائيل) نشر هاكابي رسالة اعتبر فيها أن ترمب “الرئيس الأكثر تأثيرًا في القرن”، داعيًا إياه إلى أن يسترشد بـ”الصوت الإلهي” في قراره بضرب إيران. وشبه هاكابي هذا القرار، بالخيار التاريخي الذي واجهه الرئيس الأمريكي هاري ترومان عام 1945، حين أجاز استخدام السلاح النووي ضد هيروشيما وناغازاكي، وهو القرار الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين وتدمير المدينتين بصورة شبه كاملة.
وبالنظر لما نعرفه الآن عن خلفية هاكابي الدينية، لم يكن ذلك الخطاب مجرد مجاز عابر، بل إشارة إلى رؤية لاهوتية تضفي على الصراع في الشرق الأوسط بعدا غير تقليدي. لقد تصور هاكابي السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وكل ما يتعلق بها (بما يشمل إيران)، لا على أنها نابعة من المصالح فحسب، ولكن على أساس كونها مؤطرة برؤية قدرية، تُحمّل القرار السياسي معنى استثنائيا يتجاوز الحسابات الاستراتيجية إلى ما يشبه التكليف الديني والتاريخي.
اللاهوت الصهيوني
هذه الرؤية التي تمزج بين السياسي والقدري، ولا تكاد تضع حدودا فاصلة بينها هي التي تصبغ عمل هاكابي كسفير اليوم، يرى نفسه أشبه بـ”مبعوث أمريكي إلى أرض الميعاد”، وليس مجرد دبلوماسي تقليدي. لقد حرص على تقديم عمله على أنه انعكاس لرؤية مزدوجة “أمريكية وكتابية في الآن ذاته” بدأت تظهر منذ ولايات ترمب الأولى في قرارات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، والتي يراها هاكابي دليلًا على أن واشنطن بدأت أخيرًا مواءمة سياساتها مع “تاريخ كتابي يمتد لـ3800 عام”.
في مقابلة مع قناة “إن بي سي نيوز” في سبتمبر/أيلول الماضي 2025، قال هاكابي إن الولايات المتحدة وإسرائيل تتشاركان منظومة قيم متجذرة بعمق في “فهم كتابي – لاهوتي” للعالم. هذا التصريح وحده كاف لتفسير جميع المفاجآت التي أطلقها هاكابي في مقابلته مع كارلسون، وبخاصة استدعائه لنصوص العهد القديم للتهوين من شأن الحدود الحديثة للدول ومنح إسرائيل وعدا إلهيا، ليس فقط في الأراضي التي تحتلها حاليا ولكن أيضا في أراضي جيرانها.
تعد هذه الأفكار أشبه بـ”تلخيص مكثف للاهوت الصهيونية المسيحية”، وهي حركة دينية–سياسية، يتركّز ثقلها بين الإنجيليين الأمريكيين، ترى أن عودة الشعب اليهودي إلى “أرضه الموعودة في الكتاب المقدس” ووجود دولة إسرائيل شروطٌ مسبقة لسيناريو نهاية الزمان وعودة المسيح الثانية. ويكمن جوهر هذه الرواية في قراءة غير تقليدية لنصوص من العهد القديم في سفر التكوين خاصة عبارة “أبارك مباركيك، وألعن لاعنيك” التي يستشهد بها اليوم في أروقة الكونغرس وعلى منابر الكنائس على أنها توجيه للسياسة الخارجية الأمريكية بدعم إسرائيل.
تجد هذه القراءة جذورها فيما يعرف بـ “لاهوت التدبير” الذي انتشر في الأوساط الإنجيلية الأمريكية منذ القرن التاسع عشر، وفسر آيات الوعد بالأرض لإبراهيم على أنها صكوك ملكية حرفية ونهائية لا تزال سارية إلى اليوم، وأشار إلى دولة إسرائيل الحديثة بوصفها استمرارًا مباشرًا لتلك النبوءات، وهي قراءة تخالف السائد في القراءات المسيحية التي ترى أن سفر التكوين يشير إلى عهد إلى “إبراهيم”، وليس إلى دولة سياسية أُنشئت عام 1948. ومع ذلك، يصر أنصار هذا اللاهوت أن اليهود لا يزالون يتمتعون بعهد فريد ودائم مع الله، بينما للكنيسة دور موازٍ ومختلف في المسرح الإلهي.
وفق هذه القراءة، ينبغي لليهود أن يسيطروا فعليًا على كامل مساحة “إسرائيل الكتابية” من أجل تهيئة المسرح لحدوث “الاختطاف” (الذي يشير لعودة المسيح سرا لأخذ المؤمنين الحقيقيين من الأرض إلى السماء) ثم فترة الضيق العظيم (وهي فترة اضطرابات تلي الاختطاف وتسبق العودة العلنية للمسيح)، وصولًا إلى عودة المسيح الثانية. هذه النظرة اللاهوتية تتعارض بالقطع مع أي صيغ محتملة للسلام، أو الاعتراف بسيادة فلسطينية، وتجعلها تبدو نوعًا من عصيان الله لا مجرّد تسوية دبلوماسية براغماتية.
تتناقض هذه النظرة تماما مع رؤية المؤمنين بما يعرف بـ”لاهوت الاستبدال” الذي يعتنقه معظم المسيحيين (مع بعض الاختلافات)، خاصّة خارج الأوساط الإنجيلية اليمينية الأمريكية. والاستبدال هو عقيدة لاهوتية مسيحية تقليدية تقول إن الكنيسة المسيحية قد حلّت محل الشعب اليهودي كـ”شعب الله المختار”، وأن الوعود الواردة في العهد القديم (مثل أرض الميعاد) أصبحت تتحقق روحيًا في الكنيسة لا في إسرائيل ككيان قومي.
ولكن رغم ما تظهره المسيحية الصهيونية من تقدير ودعم ظاهري لليهود، فإن الفلسفة اللاهوتية وراء هذا الدعم تكاد تستبطن أكثر النسخ تشددا من “معاداة السامية” وفق رؤية الصهاينة أنفسهم. فاليهود هنا يُنظر إليهم كأدوات قدرية في سيناريو أبوكاليبسي ينتهي إما باعتناقهم المسيحية جماعيًا أو بهلاكهم ضمن مشهد النهاية، في انتظار اللحظة المنتظرة لقدوم المسيح.
الجذور الأولى للصهيونية المسيحية
بمد الخطوط على استقامتها، يمكن تتبع الجذور التاريخية لهذا التحول الديني والسياسي للعديد من أعضاء الطبقة السياسية الأمريكية إلى قرون قديمة ولا سيما إلى ما أفرزته حركة الإصلاح الديني الأوروبية في القرن السادس عشر. وقتها، شكّل تمرد القس الألماني مارتن لوثر على السلطة البابوية الكاثوليكية في روما لحظة فاصلة في التاريخ الديني الأوروبي، إذ دعا إلى إصلاح جذري يحدّ من الهيمنة اللاهوتية والسياسية للكنيسة، وينهي احتكارها تفسير النص المقدس ومنع تداوله بلغات الشعوب الأوروبية، كما انتقد ممارسات رآها انحرافا عن روح الكتاب المقدس، وفي مقدمتها منح صكوك الغفران مقابل مبالغ مالية، وهو ما اعتبره إخضاعا للخلاص الديني لمنطق السلطة والمال.
أصدر لوثر عام 1523 كتابه المعنون “عيسى وُلد يهوديا”، الذي مثّل مراجعة لقرون طويلة من العداء المسيحي لليهود، إذ دعا فيه إلى إعادة الاعتبار للجذور اليهودية للمسيحية. ورغم أن لوثر عاد لاحقا إلى مواقف أكثر تشددا تجاه اليهود، فإن بعض أطروحاته المبكرة تركت أثرا في التيار البروتستانتي الناشئ، ولا سيما لدى جون كالفن، ومع اتساع انتشار الإصلاح في المجال الأنجلوساكسوني، تعززت النزعة الانفصالية للإصلاحيين الإنجيليين عن الكنيسة الكاثوليكية في روما إلى أن أعلنت الكنيسة الإنجليزية انفصالها الرسمي عام 1534.
ومع انتقال مركز الثقل السياسي والديني إلى العالم الجديد عقب اكتشاف الأمريكيتين في أواخر القرن الخامس عشر، دخلت القوى الأوروبية في صراع محتدم للسيطرة على أمريكا الشمالية، وقد أفضت الغلبة البريطانية في نهاية المطاف إلى تدفق موجات واسعة من البروتستانت نحو الأرض الجديدة، حيث أسسوا مجتمعاتهم على قاعدة دينية متجانسة. وحين أعلنت المستعمرات الأمريكية استقلالها عن بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر، كان الانفصال سياسيا في المقام الأول فيما ظلت البنية العقدية البروتستانتية عنصرا ثابتا في تشكيل الهوية الأمريكية الناشئة.
يرى عدد من مؤرخي الأديان مثل بول تشارلز ميركلي و ستيفن سايزر وغريس هالسل وغيرهم أن البروتستانتية، وخاصة تيار المسيحية الصهيونية الذي تبلور لاحقا، كانت أشبه بعودة لاهوتية نحو عناصر يهودية توراتية، مع التركيز الشديد على العهد القديم والأرض الموعودة، مما يُشبه “تهويدًا” لجوانب من المسيحية الحديثة. لقد رسخ هذا التيار قناعة مفادها أن العهد الجديد لا يستقيم بمعزل عن العودة إلى العهد القديم واستيعاب بنيته اللاهوتية والتاريخية، معتبرا أن الترابط النصي بين القسمين يشكّل وحدة تفسيرية لا يمكن فصلها.
يمثل هذا المنظور قطيعة مع القراءة الكنسية التقليدية التي سادت قبل عصر الإصلاح، والتي كانت تنظر إلى المسيحية بوصفها الوريث الشرعي لليهودية، وصاحبة العهد الجديد الذي تجاوز العهد القديم وأتمّه، بل وحمّلت اليهود مسؤولية التخلي عن الرسالة حين رفضوا المسيح وصلبوه وفق الاعتقاد المسيحي. أما في التصور الإصلاحي (وبخاصة نسخة المسيحية الصهيونية) فقد أعيد الاعتبار إلى الجذور العبرية للنص المسيحي، بما أفضى إلى إعادة صياغة العلاقة اللاهوتية بين العهدين وإعادة تقييم موقع التراث اليهودي في الوعي المسيحي الحديث، وترسيخ قناعة أن وجود اليهود مصلحة دينية ولاهوتية حتمية لخلاص العالم من خلال تسريع نزول المسيح المخلّص.
ومع انتشار العقيدة البروتستانتية الإنجيلية في بريطانيا وإسكندنافيا، والتي حملها المهاجرون الإنجيليون إلى القارة المكتشفة الجديدة، تلك التي خرجت من عزلتها ومشاكلها الداخلية مع نهاية القرن التاسع عشر وصعدت إلى صدارة الساحة الدولية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، فإن قسما كبيرا من الساسة الأمريكيين كانوا ولا يزالون يدينون بهذه الأفكار ويعملون اليوم على تحقيقها.
يربط هؤلاء الساسة المتدينون عودة المسيح بسلسلة من الأحداث السياسية والعسكرية يُفترض أن تبلغ ذروتها في معركة فاصلة تُسمّى “هرمجدون”، ووفق هذا التصور فإن تحقق النبوءة مشروط بعودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولتهم القومية، وتوسيع حدود تلك الدولة إلى الجغرافيا التوراتية، باعتبار ذلك خطوة تأسيسية في المخطط الإلهي لنهاية التاريخ.
وتذهب بعض التيارات المنتمية إلى هذا الاتجاه إلى أبعد من ذلك، حين ترى أن بناء الهيكل في موضع المسجد الأقصى وقبة الصخرة سيكون الحدث المفجّر للصراع، انطلاقا من فرضية أن مثل هذه الخطوة سوف تستدعي مواجهة حتمية مع “العالم الإسلامي”. وتُقدَّم هذه المعركة في الخطاب الأخروي بوصفها مواجهة كونية دامية تمهد لمرحلة الخلاص النهائي.
وقد تناولت الصحفية والباحثة الأمريكية غريس هالسل هذه الرؤية بالنقد والتحليل في كتابها الشهير “النبوءة والسياسة” ، حيث ربطت بين انتشار هذا الفكر خلال القرنين الأخيرين وصعود التيار الإنجيلي التدبيري ذي النزعة القدرية الجبرية، الذي يفسر التحولات الدولية باعتبارها تنفيذا لإرادة إلهية محتومة.
وتوضح هالسل أن هذه القراءة بلغت ذروة تأثيرها مع إصدار ما يُعرف بـ”الإنجيل المرجعي” للقس الأمريكي سايروس سكوفيلد في مطلع القرن العشرين، وهو الإصدار الذي ضمّن النص الكتابي تعليقات تفسيرية تؤطر أحداث العالم ضمن سردية تتمحور حول إعادة قيام إسرائيل كشرط لعودة المسيح. ومنذ نشره عام 1909، أصبح هذا المرجع أحد أكثر الطبعات الإنجيلية انتشارا، وأسهم في ترسيخ تصور لاهوتي يربط بين الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط والرؤية الأخروية في الوعي الإنجيلي المعاصر.
بالمثل، وفي تأريخه للعلاقة المبكرة بين الصهيونية اليهودية ونظيرتها المسيحية في العصر الحديث يشير أستاذ الدراسات الدينية والأمريكية بول ميركلي في كتابه “الصهيونية المسيحية 1891–1948” إلى محطة مفصلية تعود إلى عام 1896، حين عُقد أول لقاء بارز بين رمزين يمثلان التيارين الأكثر تأثيرا في هذا المسار، ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية السياسية، والقس الانجليكاني البريطاني الألماني الأصل وليام هنري هتشلر، الذي كان يشغل آنذاك منصب قسيس السفارة البريطانية في فيينا.
ويُبرز ميركلي هذا الاجتماع بوصفها لحظة تقاطع مبكرة بين المشروع القومي اليهودي الناشئ والدعم اللاهوتي البروتستانتي الذي رأى في عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقا لنبوءات كتابية، ومن خلال هذا اللقاء بدأت تتشكل ملامح تحالف غير رسمي بين فاعلين دينيين وسياسيين، أسهم لاحقا في إضفاء بعدٍ ديني على مشروع سياسي، وفي فتح قنوات اتصال أثرت في دوائر القرار الغربية منذ مطلع القرن العشرين.
وفي سياق تأكيد الترابط بين الرؤية الأخروية البروتستانتية والسياسات الغربية تجاه فلسطين، يكتسب خطاب بنيامين نتنياهو الذي ألقاه في عام 1985 أثناء توليه منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، دلالة خاصة؛ فقد أقرّ فيه صراحة بأن كتابات وأدبيات المسيحيين الصهاينة في بريطانيا والولايات المتحدة تركت أثرا مباشرا في تفكير عدد من القادة الغربيين في مطلع القرن العشرين، ومن بينهم لويد جورج، وآرثر بلفور، وودرو ويلسون، وبذلك أشار إلى أن الدعم السياسي لإقامة دولة يهودية لم يكن نتاج حسابات استراتيجية بحتة، بل تأثر أيضا بخلفيات دينية وفكرية ترسخت في الأوساط البروتستانتية الإنجيلية.
ويمضي نتنياهو في خطابه إلى تأطير هذا التأثير ضمن سردية تاريخية أوسع، حين يقول إن “حلم اللقاء العظيم أضاء شعلة خيال هؤلاء الرجال الذين لعبوا دورا رئيسيا في إرساء القواعد السياسية والدولية لإحياء الدولة اليهودية”، مضيفًا أن الشوق اليهودي التاريخي للعودة إلى أرض إسرائيل، الممتد على مدى ألفي عام، وجد لحظة انفجاره السياسي من خلال دعم المسيحيين الصهاينة، ويكشف هذا التصريح عن تلاقٍ بين المخيال الديني البروتستانتي والرغبة القومية اليهودية، بما أسهم في تحويل النبوءة اللاهوتية إلى مشروع ذي آثار جيوسياسية مستمرة.
هذه حقيقة “وعد هاكابي” أو لنقل “نبوءته”. فالرجل يمزج بوضوح بين منصبه السياسي وبين خلفيته اللاهوتية التي تجعل دعم إسرائيل واجبا دينيا أكبر من مجرد وظيفة. هو شخص يؤمن ببساطة بضرورة إراقة المزيد من الدماء في الشرق الأوسط للعبور إلى نهاية الزمان. وفي الطريق إلى تلك النبوءة، يعد الحديث عن القانون الدولي أو احترام أراضي الدول أو حتى قتل الأطفال هامشا على متن القول، بالنسبة إلى رجل يرى نفسه مبعوثا في مهمة مقدسة إلى أرض الميعاد.”



