أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية.. هل تستطيع العيش دون سلاح أمريكا؟ (فيديو)

في غضون شهور قليلة تغيرت أحوال استقرت لسنوات، بل لعقود، إذ لم يعد الجدل الدائر في أروقة القرار الأوروبي محصورا في كيفية تحسين العلاقة الدفاعية مع الولايات المتحدة، بل تطور إلى سؤال وجودي: هل تستطيع أوروبا ضمان أمنها دون الاعتماد على السلاح الأمريكي؟
سؤال أعيد طرحه بقوة إثر عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وما رافق ذلك من مواقف شككت في التزامات واشنطن تجاه حلفائها، وصولا إلى مساعيه لضم جزيرة غرينلاند، التي رآها أوروبيون مؤشرا على تحوُّل أعمق في أولويات السياسة الأمريكية.
وأعاد مؤتمر ميونيخ للأمن، في دورته الـ62 التي اختُتمت أمس، فتح نقاش إستراتيجي عميق داخل أوروبا بشأن مستقبل أمنها ودورها الدفاعي، مع تصاعد الشكوك بشأن موثوقية الالتزامات الأمريكية الطويلة الأمد.
ولخصت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بوضوح حجم التحول في التفكير الأوروبي، عندما قالت إن القارة “تجاوزت خطوطا لا يمكن التراجع عنها”، في إشارة إلى قناعة متنامية بأن الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة في مجال الدفاع لم يعد أمرا مُسلَّما به.
توترات الأطلسي
وشهدت العلاقات عبر الأطلسي فتورا ملحوظا خلال العام الماضي، لكنَّ طرح فكرة ضم غرينلاند -الإقليم الدانماركي الواقع في القطب الشمالي– عمَّق مخاوف الأوروبيين من أن تتحول أولويات واشنطن الجيوسياسية إلى عامل ضغط مباشر على أمن القارة، وعلى مستقبل التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
في المقابل، حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تقديم رسائل طمأنة واحتواء القلق الأوروبي، مؤكدا -خلال كلمته أمام المؤتمر- رغبة بلاده في مواصلة التعاون مع أوروبا، وبنبرة بدت أقل حدة مقارنة بتصريحات سابقة لقيادات أمريكية.
لكنَّ روبيو انتقد المسار السياسي الأوروبي في الأشهر الأخيرة، متجنبا الخوض في ملفات حساسة مثل حلف شمال الأطلسي، أو الحرب الروسية على أوكرانيا، وهي قضايا تعكس عمق التباين بين ضفتي الأطلسي.
ومع اقتراب الحرب في أوكرانيا من دخول عامها الخامس، وتزايد قلق دول أوروبا الشرقية من ما تصفه بتهديد روسي متصاعد، أعلن قادة أوروبيون عزمهم تسريع خطوات تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتقليل الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي.
رادع نووي
في هذا السياق، تعهَّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بالعمل على تعزيز ما وصفوها بـ”ركيزة أوروبية” أقوى داخل الناتو، بما يسمح للقارة بتحمُّل نصيب أكبر من مسؤولية الدفاع عن نفسها.
وقال ميرتس “هذه بداية جديدة صحيحة في جميع الظروف، سواء استمرت الولايات المتحدة في الانخراط الكامل أو قررت النأي بنفسها”.
وفي دلالة أخرى على حجم القلق الأوروبي، كشف ميرتس عن بدء محادثات مع ماكرون بشأن إمكانية بلورة “رادع نووي أوروبي”، علما بأن فرنسا تملك القوة النووية المستقلة الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، في حين تعتمد بريطانيا على صواريخ “ترايدنت” المصنعة والمصونة أمريكيا.
بين الأقوال والأفعال
تُظهر المؤشرات الحالية تباينا واضحا، ففي حين زادت دول أوروبية عدة ميزانياتها الدفاعية استجابة للمخاوف من التهديد الروسي والضغوط الأمريكية المتكررة، اتفق أعضاء حلف شمال الأطلسي العام الماضي على رفع الحد الأدنى للإنفاق الدفاعي من 2% إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تخصيص نسبة إضافية تبلغ 1.5% للاستثمارات الأمنية الأخرى.
وأكدت فون دير لاين أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بنحو 80% مقارنة بالفترة التي سبقت اندلاع الحرب في أوكرانيا.
كما اتجهت دول أوروبية إلى تشكيل تحالفات لتطوير أنظمة تسليح متقدمة، إذ وقَّع وزراء دفاع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا والسويد خطاب نيّات لتعزيز مشروع “النهج الأوروبي للضربات البعيدة المدى” الهادف إلى تطوير صواريخ قادرة على تنفيذ ضربات عميقة.
في المقابل، تواجه بعض المشروعات الأوروبية الكبرى صعوبات في الانطلاق، أبرزها مشروع تطوير المقاتلة المشتركة بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا (إف سي إيه إس) الذي لا يزال متعثرا منذ أشهر بسبب خلافات بشأن توزيع الأدوار بين الشركات المشاركة.
كما أثارت مناقشات تمويل الصناعات الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي انقساما واضحا بين دول تدعو إلى حصر العقود داخل التكتل تحت شعار “اشترِ الأوروبي” وعلى رأسها فرنسا، وأخرى -مثل ألمانيا وهولندا- تفضّل نهجا أكثر انفتاحا يسمح بمشاركة شركات من خارج الاتحاد.
وبين هذه التجاذبات، تبدو أوروبا أمام مفترق طرق إستراتيجي، إما تحويل القلق من السياسات الأمريكية المتقلبة إلى فرصة لبناء استقلال دفاعي حقيقي، أو الاكتفاء بخطاب سياسي قد لا يصمد أمام اختبار الأزمات المقبلة.
استقلال دفاعي
تأتي هذه التطورات الأوروبية في سياق تحولات أوسع على مستوى الصناعات العسكرية العالمية، إذ يقود التحول التكنولوجي مرحلة جديدة تعيد تعريف القوة والردع.
وأمام هذه التطورات، ومع التحديات العالمية المتزايدة، تواجه أوروبا تحديا إستراتيجيا واضحا بعد عقود من الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية والأسلحة المستوردة، إذ أدركت أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة إلى الأبد، مما دفعها إلى المطالبة بـ”الاعتماد الإستراتيجي على النفس”.
ولتحقيق ذلك، أطلقت المفوضية الأوروبية مبادرة لبناء صناعة دفاعية أوروبية مستقلة خلال العقد المقبل، تتضمن تعبئة تمويل يصل إلى تريليون دولار، وإنشاء “صندوق الدفاع الأوروبي” المشترك، وإصدار سندات دفاعية بقيمة 150 مليار يورو، إلى جانب تنسيق جماعي بين الدول الأعضاء لتطوير القدرات التكنولوجية والبنية التحتية الصناعية.
وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز قدرة أوروبا على إنتاج الأسلحة والمعدات الدفاعية محليا، وتقليل الاعتماد على السلاح المستورد، مع فتح الباب أمام التعاون مع الشركاء التجاريين، بما في ذلك الدول العربية، لتأسيس شراكات صناعية واستثمارية مشتركة تعزز القوة الدفاعية والتكنولوجية للقارة.
حجة أخلاقية
في الأثناء، قدَّم مسؤولون عسكريون أوروبيون ما وصفوها بـ”حجة أخلاقية” لمساعي إعادة التسلح الأوروبي في مواجهة روسيا.
وفي رسالة مشتركة، تحدَّث رئيسا الأركان في بريطانيا وألمانيا عن الحاجة إلى “تغيير جذري” في الدفاع والأمن بجميع أنحاء أوروبا، بعد أن تحولت روسيا بشكل حاسم نحو الغرب عبر غزوها لأوكرانيا.
وأضافت الرسالة “هناك بُعد أخلاقي لهذا المسعى. إن إعادة التسلح ليست إثارة للحروب بل هي التصرف المسؤول للدول المصممة على حماية شعوبها والحفاظ على السلام. فالقوة تردع العدوان، والضعف يستجلبه”.
فليستمر في الحلم
ووسط هذا الجدل، جاء موقف الأمين العام للناتو مارك روته حاسما، حين رأى أن “أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة”.
وقال أمام البرلمان الأوروبي قبل ثلاثة أسابيع “إذا كان أي شخص يعتقد أن أوروبا يمكنها الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة فليستمر في الحلم”.
وكشف روته عن اتفاقه مع ترمب على مسارَي عمل لنزع فتيل التوتر بشأن غرينلاند، أحدهما داخل إطار الناتو لتحمُّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القطب الشمالي، والآخر عبر مواصلة الحوار بين الولايات المتحدة والدانمارك وغرينلاند، في ظل مخاوف مشتركة من توسُّع النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.



