طبيبة فلسطينية تحذّر: تجويع غزة يخلّف صدمة نفسية عابرة للأجيال

حذّرت الطبيبة الفلسطينية المتخصصة في الصحة النفسية سماح جبر من أن سياسة التجويع الممنهج والإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة لا تخلّف آثارًا آنية فحسب، بل تزرع صدمة نفسية عميقة قد تمتد لثلاثة أو أربعة أجيال متعاقبة، لتتحول إلى جرح دائم في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.
وفي حديثها لوكالة الأناضول، أوضحت جبر، وهي من أبرز المختصات في مجالها، أن الأضرار النفسية الناجمة عن الجوع القسري والدمار الواسع لا تنتهي بانتهاء الحرب، مشيرة إلى أن الفلسطينيين في غزة يعانون منذ سنوات من سوء تغذية مزمن، وأن التجويع الحالي ليس نتيجة جانبية للصراع، بل سياسة مقصودة تهدف إلى كسر الإرادة الجماعية.
وأضافت أن العالم يشهد اليوم، في القرن الحادي والعشرين، وفيات بين المدنيين بسبب انخفاض حرارة أجسادهم نتيجة الحرمان من الغذاء والمأوى، مؤكدة أن المأساة في غزة تتجاوز الجوع لتشمل عزلة قسرية طويلة الأمد، وحرمانًا مستمرًا من حرية الحركة، وتعرضًا متواصلاً للقصف المكثف.
وأشارت إلى تنامي شعور واسع بين سكان غزة بأنهم خارج دائرة الاهتمام العالمي، وأنهم تُركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم، مؤكدة أن الفصل بين أسباب الصدمة النفسية أمر شبه مستحيل بسبب تداخل عوامل الجوع والنزوح والدمار وفقدان الأحبة.
ووصفت جبر ما يعيشه الفلسطينيون بـ”الصدمة الاستعمارية” التي تمس تفاصيل الحياة اليومية كافة، مستشهدة بدراسات تاريخية حول المجاعات الكبرى في العالم، مثل الصين وإيرلندا، والتي أثبتت أن آثار الجوع النفسية تنتقل إلى الأجيال اللاحقة، وتجعلها أكثر عرضة للاضطرابات النفسية وصعوبات التكيّف الاجتماعي.
وفيما يتعلق بالمنظومة الصحية، أكدت جبر أن قطاع غزة كان يضم قبل الحرب مبادرات محدودة لدعم الصحة النفسية، لكنها انهارت بالكامل خلال الأسابيع الأولى من الهجوم الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد مقتل أو إصابة أو نزوح عدد كبير من المختصين، واضطرار آخرين للانشغال بتأمين الغذاء لعائلاتهم.
ونقلت رسالة مؤثرة من الطبيب النفسي محمد سعيد كحلوت، الذي قال إنه يقلل طعامه إلى الحد الأدنى لإطعام أطفاله، ما أفقده القدرة على العمل والاستماع للمرضى، مؤكدة أن الجوع يقوّض كفاءة المعالج النفسية والمهنية معًا.
كما حذّرت جبر من أن تداعيات ما يجري في غزة تمتد إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، حيث يسيطر شعور عام بتهديد وجودي شامل، تعمّقه حالة الإفلات المستمر من العقاب، مشددة على أن فهم الألم النفسي للفلسطينيين لا ينفصل عن السياق السياسي القائم على القهر البنيوي.
وأكدت أن وقف إطلاق النار لم ينهِ المعاناة الإنسانية، إذ لا يزال نقص الغذاء والرعاية الصحية يحصد الأرواح، في ظل تفاقم الأمراض المزمنة، والحاجة الماسة إلى العلاج، خاصة مع حلول الشتاء وغياب المأوى والتدفئة.
وفي تحليلها العلمي، استشهدت جبر بتجربة “مينيسوتا للجوع” (1944–1945)، التي أظهرت أن الجوع طويل الأمد يؤدي إلى تدهور حاد في السلوك النفسي والاجتماعي، وفقدان الدافعية، وظهور الاكتئاب والعدوانية واضطرابات نفسية خطيرة.
وختمت بالقول إن الجوع لا يستهدف الجسد فقط، بل يترك أثرًا عميقًا في الذاكرة التاريخية والجمعية، لينعكس على علاقة الأجيال المقبلة بالطعام والأمان والمستقبل، ويغذّي شعورًا دائمًا بعدم اليقين يمتد لسنوات طويلة.



