أخبار وتقاريردين ودنياومضات

تقسيم الأدوار

الشيخ عبد الله عياش – عضو حركة الدعوة والإصلاح

لا تجلس مجلسًا في ديار العرب والمسلمين إلا وتسمع حديثًا عن المظاهر السلبية التي تملأ حياتنا؛ عندنا مشكلة حقيقة في المحافظة على النظافة العامة، تنقصنا ثقافة احترام الطريق، نعاني كثيرًا من غياب النظام وعدم احترام الأدوار، هناك الكثير مما يقال عن أفراحنا وأعيادنا، وإذا تحدثنا عن الإهمال في المسؤوليات وانعدام الأمانة في العمل فالواقع صعب جدًا، وفي مجال الفساد الإداري والمالي في المؤسسات والجمعيات حدث ولا حرج، أما العنف والجريمة فتلك فتنة (ولا أبا بكر لها)! وغير ذلك الكثير الكثير، وكل ذلك حق وصدق لا ننكره..

ولكن، أنا شخصيًا منذ سنوات طويلة وأنا أسمع هذا الشريط المكرر، الانتقاد الانتقاد ولا شيء إلا الانتقاد، مع أن الاعتراف بالخطأ والمعاناة من الواقع أولى خطوات التغيير، ولكن متى سنتقدم خطوة إلى الأمام؟ متى ننتقل من الحديث عن المشكلة إلى العمل على حلّها؟ سيقول البعض: ومن يقوى على النهوض بهذه الأعباء؟ من يقدر على تغيير جميع ما ذُكر؟

وهذا سؤال جيد، وتفكير سديد! على عاتق مَن تقعُ المسؤولية في التغيير؟ والجواب: على عاتقنا جميعًا بلا استثناء، فعندما يكون التحدي كبيرًا والمشكلة صعبة، فلا بد من تقسيم الأدوار، ولا بد من التعاون والتعاضد والعمل الجماعي، وإلا فسنَبقى على حالنا سنوات وعقودًا إلى الأمام، ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة..

في العام الخامس للهجرة حَزَّبَت قريشٌ الأحزاب وجمعت الجموع لحرب المسلمين، 10000 مقاتل أتوا إلى المدينة المنورة لاستئصال شأفة المسلمين، علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشار أصحابه، فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، قال: يا رسول الله “كنا إذا حوصرنا، خندقنا علينا”، فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم الفكرة وبدأ يعمل على تطبيقها، نظر.. فإذا الجهات الثلاث للمدينة؛ الشرقية والغربية والجنوبية مؤمّنة بطبيعة جغرافية المنطقة، وبقيت الجهة الشمالية؛ عندها سيتم حفر الخندق.

ما هي تفاصيل هذا الخندق؟ طوله 6 كلم تقريبًا، بعرض 4-5 أمتار، وعمق 3 أمتار، عدد الصحابة 3000 ولكن فيهم الكبير والمريض والعاجز… فالمهمة كبيرة، والتحدي عظيم، والوقت ضيق… فالنظر إلى المشروع ككل يورث اليأس والإحباط، تمامًا مثل النظر إلى واقعنا اليوم وما يحتاجه من جهد ووقت ليكون أفضل.

فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ قام بتقسيم الأدوار وأمر بالعمل الجماعي، ولم يُعفِ منه أحدًا إلا من منعه عذر من مرض أو عجز، وأعطى لكل عشرة رجال مهمة 40 ذراعًا فقط! هذه مهمتك… أنجزها وبارك الله فيك، لا شأن لك ببقية المشروع، لا تنظر إليه ككل، لا أحد يطلب منك حفر الخندق… وبحمد الله تمت المهمة.

ومثل ذلك يقال في تغيير الواقع، أيها الأب؛ مهمتك ضيقة ومحدودة وهي: أهل بيتك! لا تقل لي: (شو بدو يغيرها هاي الأمة؟) لا أحد يطلب منك تغيير الأمة؟ غيّر بيتك وحسب، وهو يفعل، وهي تفعل، وأنا أفعل… وهكذا تتم المهمة. علّم ابنك ثقافة النظافة والنظام واحترام الطريق والأمانة في العمل، وأدب الحوار، وقبل كل ذلك علّمه الخوف من الله والكف عن دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، علّم ابنتك العفة والحياء، والستر والاحتشام، ومراقبة الله، قال الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

تعالوا بنا نبدأ من هذا المنبر، ربما يقرأ هذا المقال 100 أو 200 ولي أمر وربّ أسرة، تعالوا بنا نبدأ العمل، كلٌ في موقعه وسنلمس التغيير قريبًا. هذا بالتأكيد أفضل من أن نبقى عشرين سنة أخرى نلعن الظلام وننتقد الواقع بكلام لا يُسمن ولا يُغني من جوع.

ولكن الملاحظ مع كل أسف أن ما ننقمه على مجتمعنا، وننتقده على أمتنا، موجود في بيوت الكثيرين منا، فنحن كما قال الشاعر:

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا

وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا…

وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ

وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا

وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ

وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضًا عَيانا.

فالعمل العمل، والبِدار البِدار، عسى الله أن يُخرج من أصلابنا من يفرض واقعًا جديدًا وحالًا أفضل إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى