انتفاضة 28 رمضان… بين ثورة البراق وهبة القدس والأقصى
ساهر غزاوي
لا شك أن انتفاضة 28 رمضان التي اندلعت إثر اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى صباحًا ومباغتة المعتكفين وإصابة العشرات منهم، أنها أشبه بزلزال يتبعه ارتدادات لن تتوقف أبدًا، وسيشكل يوم 28 رمضان لحظة فارقة في مسار الانتفاضة بوجه الاحتلال الإسرائيلي ومحطة فاصلة بين مرحلتين: ما قبل هذا اليوم وما بعده، كما وسيشكل نقطة اللاعودة إلى الوضع القائم (ستاتوس كفو)، الذي فرضته قوة الاحتلال الإسرائيلي وبتواطؤ عربي منذ العام 1967، لا سيّما وأن هذا اليوم حمل في طياته مشاهد تمثل إرادة الحق العربي الإسلامي المتجذر في تاريخ القدس وفلسطين التي تسعى لرسم مستقبل المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك، ومن غير المستعبد أيضًا أن ترسم مستقبل المنطقة بأسرها في ظل احتمالية انتقال صراع الوجود هذا إلى مستويات مختلفة.
انتفاضة 28 رمضان الجارية اليوم، مهم أن نشير في سياقها إلى أن هناك ثمة مقاربات في طبيعة هذا الصراع الذي لا يمكن الفصل فيه بين الدين والقومية والجغرافيا، وبين ما جرى في انتفاضة “ثورة البراق” عام 1929 وبين الانتفاضة الثانية عام 2000 أو ما اصطلح على تسميتها (هبة القدس والأقصى) حيث يجمعهم مركزية القدس والمسجد الأقصى بالصراع مع اختلاف بالأدوات المستخدمة وكيفية تطبيقها.
فثورة البراق أول ثورة شعبية كبرى ضد المشروع الصهيوني في فلسطين، وإن كان قد سبقها عدة انتفاضات ومظاهرات وحركات شعبية ضد الاحتلال البريطاني والوجود الصهيوني، وقد اندلعت بسبب اعتداء اليهود وخروج موكب يهودي بعلم باتجاه حائط البراق، وهو ما شكل بالنسبة لهم إهانة دينية وقومية، حيث يعتبر المسلمون حائط البراق وقفًا إسلاميًا، وهم يحتفظون بصكوك ووثائق تخولهم حق إدارة المكان، والبراق هو جزء من الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك. لذلك فإن “ثورة البراق” أشعلت البلاد كلها خلال أيام وعمّت المدن الرئيسية وتحولت إلى أشبه بساحة حرب في الخليل وطبريا والقدس وحيفا، وصفد التي كانت مقدمة المدن الفلسطينية التي ثارت على البريطانيين ومركزًا لأحداث الثورة كما يذكر بعض المؤرخين، وتسببت هذه الثورة بمقتل وجرح العشرات وفي مقدمتهم شهداء “ثورة البراق” الثلاثة، فؤاد حسن حجازي، محمد خليل جمجوم وعطا أحمد الزير. إلا أنها كانت محطة هامة في صقل جوانب متعددة من الهوية الفلسطينية وفي تشكيل الوعي الفلسطيني والعربي بخطورة المخططات الصهيونية، وبدور سلطات الانتداب البريطاني في تهويد فلسطين.
وفي انتفاضة القدس والأقصى عام 2000 التي فجّرت اضطرابات واشتباكات عنيفة على إثر اقتحام أرييل شارون حينها، للمسجد الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول، تحت حراسة جنود الاحتلال. وأشعلت خطوة شارون الاستفزازية نيران الغضب الفلسطيني في باحات الأقصى ومختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية أسفرت عن استشهاد 4412 من الفلسطينيين وجرح 48322، ودمرت آلاف المنازل وجرفت آلاف الدونمات الزراعية، وقدم الداخل الفلسطيني 13 شهيدًا ومئات الجرحى والمعتقلين. وفي أعقاب هذه الأحداث، حمّلت لجنة “أور” المسؤولية في حينه إلى الشيخ رائد صلاح كمن حرّض وأشعل المجتمع العربي، بالإضافة إلى تحميل د. عزمي بشارة والمحامي عبد المالك دهامشة، جزءًا من المسؤولية عمّا أسمته “التحريض وتعبئة الجماهير”، اللذين أسفرا عن تأجيج أحداث العنف. وعملت لجنة “أور” على ربط اسم الشيخ رائد صلاح بالتحريض وإحداث الاضطرابات وذلك تحت ادعاء أنها نتيجة لتحريضه المستمر تحت شعار “الأقصى في خطر”. الذي ساهم في تدهور الوضع عام 2000. كذلك شكّلت انتفاضة عام 2000 لحظة فارقة في تاريخ الفلسطينيين، خاصة في مناطق الـ 48، وجسّدت تعميق الوعي الوطني في صفوفهم، ووعيهم الذاتي والجمعي في تعزيز الهوية الفلسطينية، ولا سيما أنها اندلعت أساسًا لأسباب لا تتعلق بالمساواة المدنية، إنما بقضية تتعلق بالدين والقومية والجغرافيا ومركز محورها المسجد الأقصى المبارك. إلى جانب ما ذكر فإن انتفاضة عام 2000 جاءت بعد اتفاقيات أوسلو لتبدد وهم السلام، وأنّ أوسلو كان تطبيعًا وتعاونًا أمنيًا مع المؤسسة الإسرائيلية الشعب الفلسطيني خرج برسالة واضحة للعالم أنّ منظمة التحرير ليست الممثل الشرعي والوحيد، كما أرادتها أنظمة التطبيع، وأنه شعب قادر على أخذ زمام المبادرة بيديه.
وفقًا لهذه المقاربات التي ألقينا عليها نظرة سريعة، فإن طبيعة الصراع في مركزية القدس والمسجد الأقصى في الانتفاضات الفلسطينية عامة وانتفاضة “ثورة البراق” عام 1929 وانتفاضة الأقصى الثانية عام 2000 خاصة، رغم أن هذه الانتفاضات لم تحقق معظم أهدافها المعلنة، لكنها تؤكد دون أدنى شك أنها نجحت بكسر إرادة المحتل البريطاني والإسرائيلي بفرض إرادة الوضع القائم (ستاتوس كفو) بحق القوة ونجحت بزحزحتهما عن بعض المواقع والمواقف لأن المحتل بطبيعته لا يفهم سوى لغة القوة. ففي ثورة البراق تمكن الفلسطينيون من إبعاد خطر تهويد المسجد الأقصى وساحة البراق وفي الانتفاضة الثانية عام 2000 اضطر الاحتلال إلى منع مستوطنيه من اقتحام المسجد الأقصى على مدار 3 سنوات، ولعل أبرز ارتدادات زلزال عام 2000 يتمثل في انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة عام 2005 بعد 38 عامًا على احتلاله.
أما انتفاضة 28 رمضان فهي أشبه بزلزال يتبعه ارتدادات لن تتوقف أبدًا، كما ذكرنا آنفا، وإن كانت ما زالت في أيامها الأولى، إلا أنها كفيلة بتبديد أوهام مشاريع الاندماج والأسرلة وما يسمى بـ “الحياة المشتركة” التي تسعى لسلخ مجتمعنا من هويته الدينية والقومية الوطنية، كما وبدت ملامح التغيير في صراع الوجود واضحة للعيان لخلق حالة من التلاحم والوحدة بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وتحريك مشاعر الشعوب العربية والإسلامية التي لم تتوقف حتى اليوم في العديد من المدن العربية والعالمية بالخروج بالمظاهرات والاحتجاجات والمسيرات المنددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة والقدس والأقصى وبقية المناطق الفلسطينية، وباتت مركزية القدس والأقصى شرطًا أساسيًا للمقاومة الفلسطينية تضعه على الطاولة عبر الوسطاء وتُصر على شروطها لوقف التصعيد واطلاقها الرشقات الصاروخية على المدن والبلدات الإسرائيلية، وإن كان هناك ثمة مفارقات بين الانتفاضات السابقة والحالية، فإنه بهذا الانتفاضة لم تنتظر السلطات الإسرائيلية انتهاء الأحداث لتشكل لجنة (على غرار لجنة “أور”) لتُحمل المجتمع العربي وبعض قيادته مسؤولية التحريض بتأجيج نار الانتفاضة، إنما شنّت حملاتها التحريضية مبكرًا واعتقلت القيادي الإسلامي البارز فضيلة الشيخ كمال خطيب في مقدمة مئات المعتقلين من كافة أبناء المجتمع.



