
الشيخ كمال خطيب
إننا نعيش في زمان توزعت فيه اهتماماتنا وكثرت فيه انشغالاتنا، فما بين الانشغال بأسباب الرزق والبحث عنه وتوفيره، مع عدم الاكتفاء ليس بالحد الأدنى، ولا حتى بالمتوسط منه، وإنما من يملك أفضل ظروف العيش، فإنه يطمع بالمزيد ويسعى لما هو أكثر من ذلك، وكما قيل “لو كان لابن آدم واديان من ذهب، لتمنى أن يكون له ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب”، حتى أنه إذا توفرت لأحدنا أساسيات العيش كاملة، فإنه يشغل نفسه بالكماليات على اختلاف أسمائها واشكالها واحتياجاتها.
ومن لم تشغله أسباب الرزق لأنها متوفرة ومتيسرة، فإن المشاكل الاجتماعية التي تكاد تغرق مجتمعاتنا من العنف والقتل وكثرة الطلاق وانتشار السموم والمخدرات وتردي الأخلاق والعصبيات العائلية والحزبية، فإنها من الكثرة إلى درجة أنها تملأ على أحدنا تفكيره إن أراد الواحد منا التفكير والانشغال بها، هذا إذا كان يهمه أمر مجتمعه، مع العلم وللأسف الشديد، فإنّ من بيننا من لا يشغلهم كل هذا، أو لا يريد أن يعيش إلا لنفسه، فهو منشغل بها ولها، شعاره “مالي وللناس”.
ومن لم تشغله أسباب الرزق، ومن لم تشغله القضايا الاجتماعية، فإنّ القضايا السياسية المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية كافية لأن تجعله لا ينام الليل ولا يخشع في صلاة ولا يهنأ بطعام، هذا إذا كان يهمه أمر شعبه وأمته، مع أن من بيننا من لا يشغله كل ما يجري “من بات ولم يتهم لأمر المسلمين، فليس منهم”.
من منا الذي لا يعيش هواجس الواقع السياسي لحكومة المؤسسة الإسرائيلية وتداعياتها على القدس والمسجد الأقصى وممارستها ضد أهلنا في النقب وهدم بيوتنا وحصارها لغزة، ومن منا لا يشغله ما تعيشه مصر من ظلم السيسي وما تعيشه سوريا من دموية بشار، وكذا حال ليبيا واليمن والعراق ولبنان. ومن منا لا تستفزه سياسات مراهقي السعودية والإمارات وموجة الهرولة والتطبيع مع إسرائيل، وتوجيه الطعنات الغادرة لشعبنا وقضيته وقدسه وأقصاه، بل ولجميع المسلمين.
ومن انشغل بطلب الرزق وأهمه الواقع الاجتماعي وأقلقته الظروف والمستجدات السياسية، فإن كانت له طاقة للتفكير وحمل المزيد، فقد جاءت جائحة “كورونا” لتتخمه بالانشغال بها وبانتشارها وتأثيرها ومآلات مواجهتها وتداعياتها على مجتمعنا وعلى البشرية جمعاء.
الغريب واللافت والمحزن، أننا نفكر في كل هذا، وأنه يشغلنا، لكننا في نفس الوقت غافلون ولا نفكر ولا يشغلنا الآتي الذي لا ريب فيه، ألا وهو الموت، وما أصدق قول القائل: “إنها الحقيقة التي يهرب منها كل الناس، ويحاولون أن يبتعدوا عنها ويبعدوا عنها أذهانهم وقلوبهم. إنهم يريدون أن يعيشوا ليومهم دون أن يتفكروا في غدهم، ولدنياهم دون أن يتفكروا في آخرتهم”.
وإن كان ما هو أخطر من ذلك، أنّ الذين عليهم واجب النصح والتذكير وتصويب البوصلة وتنبيه الغافلين وتصحيح المسار من الخطباء والعلماء، فإنّ هؤلاء أنفسهم قد اشغلتهم الهموم السياسية والاجتماعية، فكانت شغلهم الشاغل واستوعبت كل تفكيرهم، لكن الأخطر أنهم هم قد انشغلوا عن أمور الآخرة وأصابهم ما أصاب قومهم من اللهاث خلف الدنيا وسرابها، ولعلّ عليهم ينطبق قول الشاعر:
يا شيوخ الدين يا ملح البلد… من يصلح الملح إذا الملح فَسَد؟!
إنّ الوعّاظ والخطباء والعلماء يجب عليهم أن يخوضوا في قضايا المجتمع، حيث الإسلام دينٌ حيّ، وحيث أننا نرفض الرأي القائل بأن وظيفة الدعاة والعلماء الحديث في أمور الدين، أما أمور السياسة والقضايا الاجتماعية، فإن لها أصحابها. إننا نرفض مقولة: “لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة”، ولا نقبل أن يكون المتدين جاهلًا بالسياسة، ولا أن يكون السياسي جاهلًا بالدين أو متنكرًا له. فواجب الدعاة والوعاظ أن يُذكّروا وأن يعيدوا البوصلة إلى مسارها الصحيح، بضرورة أن لا يشغلنا عن الآخرة شاغل، وأن الدنيا كل الدنيا ما هي إلا جسر للعبور الى الآخرة، فنحن ولدنا لنموت:
لِدوا لِلمَوتِ وَاِبنوا لِلخَرابِ فَكُلُّكُمُ يَصيرُ إِلى التُرابِ
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: “جدير بمن الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقرّه، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة والنار مورده ألّا يكون له ذكر إلّا في الموت، ولا ذكر إلّا له، ولا استعدادٌ إلّا لأجله”.
وجدير بمن هذا مصيره وهذه عاقبته، أن يفكر في هذا الذي يأتيه فجأة، ويهاجمه بغته، وأن يجعل من ذكره جلاءً لقلبه من صدأ الغفلة والقسوة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، فقيل يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: قراءة القرآن وذكر الموت”.
إنه الموت لا يعرف أحد متى يأتي ولا أين يكون {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} لقمان آية 34. إنه الموت لا ينتظرك حتى تصبح كهلًا أو شيخًا فيأتيك وإنما قد يأتيك في ريعان الشباب، فكم اختطف الموت أبًا من بنيه أو ابنًا من أبيه، أو أخًا من أخيه، أو قريبًا من أقربائه، أو قائدًا من جنوده أو تلميذًا من استاذه، ولم يستطع أحد من كل هؤلاء دفع ذلك الحال أو تأخيره مهما كان يملك من مال أو جاه.
إن الحبيب من الأحاب مختلس لا يمنع الموت بوابً ولا حرسً
فكيف تفرح بالدنيا ولذتها يا من يعد عليه اللفظ والنفس
لا يرحم الموت ذا جهلٍ لغرّته ولا الذي كان منه العلم يُقتبسُ
✍️أليس الله جل جلاله قد قال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} آية 185 سورة آل عمران. وهو الذي قال سبحانه: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} آية 7 سورة النساء.
قيل إن الخليفة العباسي هارون الرشيد قد أصابه مرضٌ فعُرض بوله على الأطباء لفحصه وتحديد مرضه وإعطائه العلاج المناسب دون أن يعرف الطبيب أن المريض المشتكي هو هارون الرشيد، فقال الطبيب: “إن صاحب هذا البول ميؤوس منه”. فبلغ الرشيد ما قاله الطبيب، فقال هارون الرشيد:
إن الطبيب له علمٌ يدل به ما دام في أجل الإنسان تأخير
حتى إذا انقضت أيام مهلته حار الطبيب وخانته العقاقير
إن المسلم لابد أن يكون صاحب قلبٍ حيّ، وصاحب القلب الحي النابض بالإيمان هو الذي يظلّ يدفع صاحبه للنظر إلى الآخرة، فمهما أوتي من مال أو جاه فإن ذلك لن يغني عنه من الموت شيئًا إذا قرع ملك الموت بابه. فهذا نبي الله يوسف عليه السلام الذي آتاه الله الملَك، تربع على عرش مصر ورأى إخوته يسجدون بين يديه ومُلك مصر كله تحت تصرفه، لكنه لم ينسَ حقيقة الموت الآتي، فكان دعاؤه لله سبحانه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} آية 111 سورة يوسف.
وهاهم الصالحون دائمًا غايتهم وأمنيتهم الوفاة على الإسلام {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} آية 126 سورة الأعراف.
ألم يوصِ بذلك الرجل الصالح أبناءه قائلًا: “إذا أنا متّ على لا إله إلا الله فاشتروا لوزًا وسكرًّا واهدوه للناس، فإذا سألوكم فقولوا لأن أبانا مات على لا إله إلا الله”.
إن صاحب القلب الحيّ هو الذي خوف الموت يجعله لا يستهين بالمعصية، فلا ينظر إليها صغيرة كانت أم كبيرة، ولكنه ينظر إلى الذي عصاه، إنه الله سبحانه، فيخفق قلبه خوفًا وجزعًا كما قال ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا وهكذا”.
وقد مرض أحد الصالحين من السلف، فعاده بعض أصحابه فوجدوه يبكي بمرارة وحرقة، فتعجبوا لذلك وسألوه عن سبب بكائه قائلين له: “إننا نشهد أننا لم نرك في حياتنا قد اقترفت كبيرة أو قصّرت في فريضة تركتها ولا حرمة لله انتهكتها ولا حقّ ضيعته ولكني أبكي لأني أخشى أن أكون قد آتيت ذنبًا أحسبه هينًا وهو عند الله عظيم”.
إن صاحب القلب الحي هو الذي يربط كل فعل يفعله بالآخرة وبما بعد الموت، لأنه يعلم أن الدنيا كلها الى فناء، وأن الفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة والنجاة من النار {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} آية 185 سورة آل عمران. وكان عمر بن عبد العزيز راكبًا على جواده فسمع صوتًا وقصف الرعم، فجزع ووضع صدره على مقدمة الرحل، وقال: “هذا صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه؟”.
ومثل عمر بن عبد العزيز فإنه الحسن البصري الذي أوتي بكوب من الماء يُفطر عليه وكان صائمًا، فلما أدناه إلى فيه بكى وقال: “تذكرت أمنية أهل النار يوم القيامة لما يقولوا {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ} آية 50 سورة الأعراف. وتذكرت الجواب الذي سيأتيهم لمّا يُقال لهم: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}.
وإن مثل الحسن البصري ومثل عمر بن عبد العزيز، فإنه جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد رُويَ أنه لمّا كان مع الحجاج يرمي الحجارة على الجمرات في موسم حج فأصابه حجرٌ “فشخ” رأسه وإذا بعمر لم يغضب وإنما قال: “ذنب بذنب والبادي أظلم”، يقصد أن هذا الحجر أصابه فآلمه فإنه عقوبة لذنب كان قد فعله.
فأشغل نفسك بذنوبك لأنه لن ينشغل بها أحد غيرك، وتذكّر أن الموت -وإن نسيته-فإنه لن ينساك، فقد يأتيك صغيرًا أو كبيرًا، ولكنه الأسى أن يأتيك وأنت غير مستعد له، فعندها لن ينفعك أن تتمنى أن تعود إلى الدنيا {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} آية 99 سورة المؤمنون. فوجّه بوصلتك نحو الآخرة وأبقِ قلبك حيًا واحذر من الضياع. وقد قال أحد الصالحين “إن الضائع هو الذي يتأثر ويبكي، وتسيل دموعه عندما يسمع أغنية حزينة لحبيب فارق حبيبته، ولا تنزل له دموع ولا يتأثر لمّا يسمع آيات الله يتشقق منها الصخر والحجر {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} آية 1 سورة الأنبياء. وما أصدق ما قاله رجل لآخر بينما كانا يشيّعان ميتا في مقبرة، وكان بجانب قبر الميت قبر فارغ، فقال أحدهما: دفن الميت عبرة، فقال الآخر: القبر الفارغ أكثر عبرة، فهو محجوز لواحد منا وهو لا يدري.
فتذكر الموت ووقوفك بين يدي الله ولسان حالك يقول:
أسير الخطايا عند بابك واقف به وجلٌ مما أنت به عارفُ
فيا سيّدي لا تُخزني في صحيفتي إذا نُثرت يوم الحساب الصحائفُ
اللهم وقد سترت علينا ذنوبنا وما أكثرها، فاغفر لنا ولا تفضحنا يوم القيامة، يا صاحب الستر أنت يا الله.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون



