أوراق في زمن الكورونا.. واقعنا المخصوص… رؤية مستقبلية في ظل واقع متكدر (4)
صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي
ما كشفته قناة 13 الإخبارية الاسرائيلية عشية يوم الاثنين المنصرم، عن وجود وثيقة في وزارة الصحة تشير إلى أنه في حالة انتشار الوباء فإن الاولوية الطبية للعلاج ستتوجه للشباب وليس للمرضى المزمنين والمسنين ممن يصابون بهذه الجائحة، وهذه الوثيقة في جوهرها لا تفاجئ المطلع على العقلية الرأسمالية المالتوسية التي هي من أعمدة الرأسمالية الليبرالية الحاكمة للغرب في هذه الايام، والمالتوسية المعاصرة تعزو سبب انتشار فيروس كوفيد19 الى المهاجرين والاقليات الضعيفة والفقيرة والمجموعات المهمشة والتي لم تتحصن من الاوبئة كالسل وغيره.
وهذه الوثيقة إن صحت تعبر بدقة متناهية عن العقلية المالتوسية المنتظرة اسرائيليا في معالجة هذا الوباء في حال فشلهم في الخروج السليم من الجائحة وفقا لسياسة التدرج التي اعتمدتها الحكومة مؤخرا، وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة للوسط اليهودي وقد شهدنا ما حدث مع دور رعاية المسنين اليهود والانهيار والانحطاط الأخلاقي في التعامل معهم، فمن باب أولى أن نفكر مليا فيما سيحصل في داخلنا الفلسطيني في حالة حدوث تداعيات غير محسوبة خاصة وأننا كما أشرت في مقالاتي السابقة في هذا الباب مجتمع عار من ناحية الحماية الصحية.
في هذا السياق أيضا ما أشارت إليه ورقة سُرِبت من مجلس الامن القومي تضع فيه سيناريوهات من ضمنها سيناريو عصيان مدني تقوم به الطائفة الحريدية والعرب في البلاد (هآرتس، الاربعاء 22-4-020)، ومع أنني لست بصدد مناقشة هذه الوثيقة فإنَّ هذا سيناريو بالمجمل غير متوقع لأسباب تتعلق بنفسية المجتمعين والعلاقات البينية داخل هذه المجتمعات ووجود مستوى عال من التعاضد والتكافل البيني فضلا عن منظومات قيمية تحكم كل منهما تحول دون هذا السيناريو ليس خوفا من بطش الآلة الإسرائيلية بل بسبب ماكنيزمات (آليات العمل) والسلوكيات البينية لدى هذه المجموعات، بيدَّ أن طرح هذا السيناريو وإن كشف عن حجم الجهل المركب الذي يعتور صناع القرار ومن يقف خلفهم من أكاديميين في فهم مسيرة وصيرورة المجتمع العربي ومن ثم الحريدي فإنه في الوقت ذاته يكشف عن بعض من المستور يجب علينا كفلسطينيين الاستعداد له حتى لا نكون كبش الفداء الذي سيقدم على طاولة هذه الجائحة وتداعياتها في ظل الخسائر التي ستتجلى بعد مرورها وانجلائها.
نحن مجتمع خلاَّق
نظرة الى مجتمعاتنا المحلية في عموم الداخل الفلسطيني نجد أن سلطاته المحلية وكوادره المختلفة ولجانه المختلفة تهيأت للتعاطي مع هذه الجائحة مع قلة الإمكانيات التي بحوزتهم، وتشكل لجان الطوارئ التي أقيمت أنموذجا حيا يمكن تطويره مستقبلا ليخدم الداخل الفلسطيني في العديد من القضايا المجتمعية، ولذلك ثمة ضرورة للحفاظ على هذه اللجان وتطويرها لتشمل قطاعات أخرى من مجتمعنا بعيدا عن المحاصصات، ولأنني مواطن فحماوي وأرقب عمل رئيس البلدية وطاقمه المتابع لهذه الجائحة وفي ظل ما أشرت أليه من شحِّ في الإمكانيات وعديد التحديات فلا أبالغ إذا قلت إن نجاحا يتحقق ويتخلق في سياق التعاطي مع هذه الجائحة وواضح أن تعاون الاهالي سبب مباشر في ارتفاع منسوب التعاطي مع هذه الجائحة خاصة في المدة الأخيرة وهو ما يمكن الاشارة والاشادة به مع كافة رؤساء سلطاتنا المحلية وهو موقف مبارك ويشكرون عليه.
لعل المقابلة التي أجريت مع رئيس بلدية كفر قاسم يوم الاربعاء الماضي (عرب 48، الاربعاء 22-4-020) تبين جانبا مما أشرت اليه وتكشف عن جانب آخر لمّا يستثمر بعدُّ في مجتمعنا: عظمة هذا المجتمع وتجاوبه مع قيادته السياسية والشرعية (العلماء والفقهاء…) ووجود قدرات هائلة خلاَّقة على استعداد لبناء رؤية استراتيجية بإمكانيات متواضعة والنجاح في التعاطي مع الأزمات وأن يراكم تجربته ويستفيد من الاخرين وهذا كله للحفاظ عليه مشروط دائما بالعمل الذي لا يتوقف على رفع الوعي الجماهيري وحثهم عبر مختلف الوسائل للتعاطي الايجابي مع كافة التوجيهات لاجتياز هذه المحنة الجائحة بأخف الأضرار.
يعاني المجتمع الفلسطيني في إسرائيل من نسبة آخذة بالازدياد من حيث الإصابة بالأمراض المزمنة حيث أن 16.2% من الفلسطينيين يعانون من أحد الأمراض المزمنة على الأقل (السكري، ضغط الدم، أمراض القلب، الدهنيات والكولسترول، السرطان، القرحة، الربو، هشاشة العظام، الصداع، التهاب المفاصل، الحساسية، الديسك، أمراض الكلى، أمراض الكبد، الاكتئاب والأمراض النفسية)، وتجدر الإشارة الى الارتفاع المتواصل لنسبة الأمراض المزمنة حيث تشير المعطيات الى تضاعف هذه الامراض المزمنة خلال العقدين المنصرمين، ومردُّ الأمر الى انحطاط الخدمات الصحية المرتبطة بسياسات الدولة وصناديق المرضى ومنطق المصالح وجني الأرباح على حساب الانسان، فالإنسان في الرؤية الإسرائيلية الليبرالية المتغولة الطامعة بكسب مال لا يتوقف، تنظر الى الانسان على انه جسد يجب الاستفادة منه لا الحفاظ عليه، وقد كان لمأسسة الطب وتداخله مع السلطة تحت حجة رفاهية الانسان دورا هائلا في تعجيل حِرفَة استغلال الجسد وجعله محلا للتجارب الطبية والصيدلية ليس من أجل الحفاظ على الانسان، بل من أجل زيادة ربح الشركات العملاقة المصنعة للعقاقير، وفي مثل هذه الحالة يكون الضعفاء أكثر من يدفعون الأثمان، واستحضر هنا ما كتبه الدكتور إيتان حاي-عام في صحيفة هآرتس في عددها الصادر يوم 20-12-2018 تحت عنوان: أنا العجوز في الرواق لا تأتي لزيارتي، كتب يقول “أنا استلقي في رواق الجناح الداخلي، منذ أسبوع لم أحلق ولم أنم ولم أستحم وتصدر مني رائحة كريهة، أنا متعب ومرهق، جائع ولم تطفئ انوار الرواق ولو لحظة، لا تأتي لزيارتي-بتصرف”، وهذا مثال حي لوضع الصحة في المستشفيات الإسرائيلية والتعامل مع الفئة الأكثر ضعفا فيها مع ما قدمته هذه الفئة من خدمات لهذه الدولة، ففي الحداثة الأوروبية مكان هؤلاء النهائي دور العجزة إن لم يكن الموت السريع، فكيف نتوقع التعامل مع مجتمعنا نحن في الداخل الفلسطيني؟. لا ينتطح عنزان أننا في الدخل الفلسطيني الأكثر هشاشة وضعفا بين قبائل هذه الدولة.
مجتمعنا في الداخل الفلسطيني مجتمع فقير ووضعه الصحي في ترد مستمر بسبب سياسات المؤسسة الاسرائيلية وتداعياتها على الفرد والاسرة والمجتمع فمجتمعنا يعاني 16,2% من افراده من امراض مزمنة (السكري، ضغط الدم، أمراض القلب، الدهنيات والكولسترول، السرطان، القرحة، الربو، هشاشة العظام، الصداع، التهاب المفاصل، الحساسية، الديسك، أمراض الكلى، أمراض الكبد، الاكتئاب والأمراض النفسية -، ركاز 2019)، ولا يوجد فيه مرافق صحية تتلاءم والتحديات الصحية التي تعايشها المجتمعات المعاصرة خاصة في الحالة الإسرائيلية، حيث تتمتع بحداثة من نوع خاص تجمع بين العلمنة بتعدداتها الفكرية والجمهورانية بعلاقاتها المسيانية والاجتماعية، مما يجعلها حداثة مميزة عن حداثات الغرب وقد وافق ذلك ارتفاع اصوات عديدة في المجتمع الاسرائيلي تُطالب بتعويم الصحة في البلاد وذلك في أعقاب تردي الخدمات الصحية من جهة وتراجع أهميتها في السياسات الاسرائيلية من جهة أخرى، وبالقطع ستتعالى الأصوات الإسرائيلية الداعية لتعويم المجال الصحي بكل مكوناته بعد انجلاء هذه الجائحة، وهذه هي فرصتنا القادمة لردم الهوة وتجاوز الازمات القادمة فنحن كفلسطينيين في الداخل نشكل 17% من مجمل الاطباء والطبيبات في الدولة و24% من مجمل الممرضين والممرضات و21%من مجمل الصيادلة وبيننا كفاءات طبية عالمية موجودة في المستشفيات الاسرائيلية والغربية، وهذا معناه أن اجتماع الفكرة والإرادة والمال والارض والسياسات الاستراتيجية واستثمار اللحظة التاريخية سيؤدي الى تحقيق كسب ودفع للداخل الفلسطيني، وأرى أن الفرصة اليوم سانحة، ويمكن للجنة القطرية للسلطات المحلية ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني والقوى الحية في مجتمعنا استثمار هذه اللحظات لتحقيق مثل هذا المطلب الشرعي، الإنساني والأخلاقي.
أيضا لكورونا فوائد يمكننا أن نستفيد منها إذا عرفنا كيف نستغل اللحظة التاريخية.



