“حكايا” من التاريخ.. منحوتات فخارية وجدارية بغزة
بأدوات بدائية بسيطة، ينشغل الفلسطيني بسّام الحجّار، في إكمال نحت مشهد من الحياة الفلسطينية الريفية، على مجسّم من الفخار بيضاوي الشكل.
داخل مشغل صغير في منزله بمدينة غزة، يضم بين جدرانه عشرات الفخاريات المنحوتة، ينفض الحجّار (65 عاما) غبار الفخار المنحوت عن المجسّم لتضح ملامح الرسمة.
على ذلك المجسم نحت الحجّار فتاة ترتدي الثوب الفلسطيني، تجلس في حقلٍ زراعي بين أشجار البرتقال والنخيل والزيتون، بينما تعمل نساء أخريات إلى جانب الرجال في الزراعة.
حاول الرجل من خلال تلك المنحوتة تجسيد مشهد من حياة التراث التقليدية لتثبيت الحق الفلسطيني في الأرض، كما يقول في حديث صحفي.
ويضيف: “أحاول أن أركز على التراث الفلسطيني من أجل تذكير الأجيال الناشئة به والتأكيد على التمسّك بالهوية والأرض”.
المنحوتات
حملت الأوعية الفخارية نقوشا ومنحوتات لشخصيات تاريخية إسلامية وعربية، ومشاهد للحياة الفلسطينية.
السلطان “محمد الفاتح”، كان له نصيب من منحوتات الحجّار، حيث يعتبره شخصية ذات تاريخ غنيّ بالمواقف الجديرة بـ”التخليد”.
وعلى فخارة أُخرى، نحت الحجّار، الخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان، حينما كان واليا على فلسطين، حيث اقتبس الصورة من مراجع تاريخية.
ويوضح الحجّار أن غالبية الرسوم التي ينحتها على الفخار حقيقية ولها تاريخ يجب أن يوثّق ويُخلد، لتذكير الأجيال الناشئة به وكي يكونوا قدوة لهم.
وفي دلالة على القوة، نحت الحجّار على إحدى الفخاريات الملك “آشور بانيبال” (ملك آشوري لقّب بملك العالم)، وهو يرتشف من أحد الكؤوس بيد، ويصيد الأسود باليد الأخرى.
وعن التراث الفلسطيني، نحت عدة مشاهد لفتيات وسيدات يرتدين الزي الفلسطيني الحامل لهويتهن وثقافتهن الأصلية.
وفي لوحة صغيرة، نحت رسمة لفتاة وهي تجلس في الحقل تداعب خروفا صغيرا وتطعمه بيديها.
وتظل الحياة الريفية الطبيعية، والبيوت الطينية، والعمل داخل الحقل أبرز المشاهد التي جسّدها الحجّار في منحوتاته.
هواية ومهنة
بدأ الحجار بحرفة النحت على الفخّار والجدران منذ نحو 45 عاماً، على حدّ قوله.
ويتابع: “بدأت من خلال استخدام الطين، بتشكيل مجسمات على هيئة إنسان، أو عربات ومركبات، من ثم انتقلت إلى النحت، الفن الذي يتطلب الكثير من الدقة والتركيز والمعرفة”.
مع مرور الوقت، حوّل الحجّار هذه الهواية إلى مهنة تشكّل مصدر دخل أساسي له ولعائلته.
لكن هذه المهنة تأثرت بالحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة وأحداث الانقسام بين حركتي “فتح” و”حماس”، وتداعيات الحدثيْن على السكان من تردّي للظروف الاقتصادية وغيره.
وكان الحجّار قبل الحصار يعمل بلا انقطاع في نحت الجداريات بشكل أساسي سواء بطلب من مواطنين أو مؤسسات، لكن بعد أحداث الانقسام انخفض الإقبال على هذا الفن بنسبة تزيد عن النصف تقريبا، كما قال.
ويبرر ذلك بالتراجع الحاصل في قطاع الإنشاءات بغزة، بسبب منع إدخال مواد البناء، أو بسبب انعدام الدخل لدى الأسر، الأمر الذي أثّر على حرفة النحت، وبيع الفخاريات، بحسب الحجّار.
ويستكمل قائلاً: “الناس كانت في السابق تطلب نحت بعد الجداريات داخل منازلهم، اليوم مع انعدام مصادر الدخل، انخفض الطلب على هذه الحرفة”.
وكل ثلاثة شهور، قد يحظى الحجّار بنحت جدارية واحدة بالكاد يكفي مردودها المالي بتوفير حاجات يومه الأساسية.
وتفرض إسرائيل منذ نحو 13 عاما حصارا مشددا على غزة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في نسب الفقر والبطالة في القطاع المكتظ بالسكان.
ووفق بيانات حكومية وحقوقية، فإن نسبة البطالة بغزة ارتفعت نهاية عام 2018 إلى 52 بالمئة، فيما تخطت نسبة الفقر 80 بالمئة.



