الذكرى التاسعة عشرة لهبة القدس والاقصى.. التناقضات التي تحكمنا

الذكرى التاسعة عشرة لهبة القدس والاقصى.. التناقضات التي تحكمنا

صالح لطفي-باحث ومحلل سياسي
هذه الأيام نعيش مع الذكرى التاسعة عشرة لهبة القدس والأقصى وارتقاء ثلة من الشباب في مواجهات فرضتها المؤسسة الشرطية بدعم مباشر وبتوجيه مباشر من الجنرال إيهود باراك رئيس الوزراء آنذاك، والبروفيسور شلومو بن عامي وزير الأمن الداخلي.
في تلكم الأحداث ارتقى ثلاثة عشرة شابا فلسطينيا بعدئذ تكشفت سوأة المؤسسة الاسرائيلية وحجم الكذب الذي تمارسه في أنها دولة ديموقراطية فالمؤسسة الاسرائيلية من لحظة فرضها الحكم العسكري علينا حسمت وضعيتها في انها دولة كولونيالية، بقيت مشاركة قوائم عربية في تلكم الفترة ورقة التوت التي تستر عورتها بها حين تروج لديموقراطيتها، وإذا قمنا بغض الطرف ولو من باب السرد، فإنَّ المؤسسة الإسرائيلية وخلال ثلاثة عقود تلت انتهاء الحكم العسكري أسست بناء على موروث كولونيالي ورثته من الاحتلال البريطاني، واستفادت منه في التعامل معنا كأقلية، جهازا أمنيا لا يزال الى هذه اللحظات يتحكم بمصيرنا في الداخل الفلسطيني فالمؤسسة الاسرائيلية لا يمكنها أن تستمر في اضطهادنا وتفكيك عرانا من دون جهاز أمني متطور يرصد حركاتنا عبر سيل عرم من الادوات والوسائل والتقنيات.
ولا أبالغ إذا قلت إن أعظم مآسينا اننا لا نزال تحت السيطرة الأمنية. خلال ثلاثة عقود فقط تعرت المؤسسة الإسرائيلية نهائيا، وتعرت معها مقولتها أنها دولة يهودية وديموقراطية، وقد تكشف هذا العري عبر ثلاثة مراحل من مسيرتنا، كانت الاولى يوم أحداث الأرض عام 1976 واستشهاد ستة من أبناء وبنات شعبنا آنذاك، وكانت الثانية يوم أحداث الروحة وشفاعمرو، وكانت الثالثة يوم هبة القدس والاقصى في تشرين أول/ اكتوبر عام 2000 وفي الحالتين فشلت المؤسسة في التعامل “ديموقراطيا” مع الحدث وآثرت العقلية الفاشية العنصرية التي تنظر إلينا على أننا أعداء وأننا دون البشر برسم أننا “جوييم”. في التعامل معنا يتغلب العقل اليهودي بسياقه الفاشي العلني وواضح لنا أنه تغلبت يهودية الدولة وعنصريتها على ديموقراطيتها وتغلبت على العدل بمشتق المساواة فيها، والعدالة بمشتق الإنصاف فيها. المؤسسة الاسرائيلية في تعاطيها معنا فشلت أخلاقيا وفشلت سياسيا لذلك لجأت إلى أساليب قذرة استجلبتها من الفكر العفن الكولونيالي الفرنسي والانجليزي وحتى الالماني خاصة فيما تعلق بديكتاتورية الأغلبية التي تعتمد مقولة أنّ صاحب السلطة العليا له القول الفصل في ظل ما يسمى الدولة الديموقراطية الدفاعية، فتحت ظلال الدفاع عن النفس يجوز للقوي فعل كل شيء للحفاظ على “الدولة الديموقراطية”، والمؤسسة الاسرائيلية إذ تعتمد ثلاثية القانون والامن (المخابرات) والقوة في علاقاتها معنا، فهي تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتحقيق الغلبة وإشعارنا دائما أن لا حول لنا ولا قوة، وفي كوننا أقلية تعتمد المؤسسة معنا سياسات تفكيك هويتنا بقسماتها الاساسية، وانتمائنا وآدميتنا وإنسانيتنا.
حالة من التناقض الشعوري تحكمنا
هذه الايام نعيش لحظة فارقة من تاريخ جدل العلاقة مع المؤسسة الاسرائيلية برسم صهيونيتها ويهوديتها ولا أبالغ إذا قلت إننا دخلنا مرحلة العض على النواجذ، ومسألتنا في هذه النازلة مسألة صبر وجَلَد وفقه وتفقه بمفاهيمها الشرعية والمدنية واليومية، والبعيدة المدى، وما يصحب ذلك من تخطيط وتنظيم وعمل، ومن ملك مادة الفقه والعلم والتعلم كان أصبر في العض على النواجذ.
نحن ابناء الداخل الفلسطيني ككل شعوب الأرض نريد أن نحيا على أرضنا وفي وطننا بكرامة وحرية وإباء، ليس فقط لأنه لا يوجد لنا وطن سواه بل ولأننا إنسيون نأنسُ ونؤنسُ ونستأنسُ ونُأنسنُ الحياة وما تحيط بنا من حركة دائمة، وحبنا للحياة لا ينبع من الدينونة لها بل لأنها محطة العمل الدنيوي الموصل لأفراح الآخرة وفقا للعقيدة الاسلامية التي أنتمي لها وأقدسها وأعمل بمقتضاها، وهذه الحياة التي نحن مكلفون أن نعبد الله فيها حق العبادة من مقتضياتها الاساسية قيادة ركب الحياة بما يكفل كرامة الانسان وحريته وتحقيق العدالة والعدل معه وله.
وفي استشهاد هذه الكوكبة في عام 2000 على إثر اقتحام شارون للمسجد الاقصى وعلى إثر العدوان الظالم على أهلنا في المناطق المحتلة عام 1967، يتحول هؤلاء الشهداء الى أيقونة مقدسة ذلكم أننا لا نقدس الانسان كانسان بل يقدسُ الناس أعمالهم وهل هناك أعظم عملا من ان يقدم الانسان روحه ثمنا وفداء لقيم ومعتقدات وثوابت يؤمن بها، تلكم الثوابت المتعلقة بالأرض والانسان والاوقاف والمقدسات.
حالة من التناقض الشعوري التي تستحوذ علينا هذه الأيام بين نفحات هبة القدس والاقصى وما تحمل من ذكرى عطرة وبين حالة القتل الدامية التي يتعرض لها شبابنا يوميا بسبب الجرائم والجريمة المنظمة ومخلفاتها وتداعياتها السلبية القاتلة، أو بسبب العمل وارتقاء شهدائنا اثناء العمل وهم يجاهدون للحصول على لقمة حلال يسدون بها ثغرات الحياة سعيا للعيش بكرامة أو بسبب حوادث الطرق التي عادة ما تحدث بسبب تهور شبابنا وفتياتنا اثناء السياقة.
هذا الشعور المتناقض بين حزن بكبرياء على شهداء هبة القدس والاقصى وحزن ممزوج بقلق وغضب والتوجس خيفة على مستقبلنا في ظل استفحال القتل بيننا، يشتت فكرنا وتصوراتنا ويشككنا بعضنا ببعض، نتلاوم وننسى وضع النقاط على الحروف وإحداث مراجعات صادقة مع أنفسنا وذواتنا فردا ومجتمعا وشعباَ.
هذا التناقض يجعلنا نعيش حالة من المأزومية الثقافية برسم أن الثقافة هي مجموع القيم والاخلاقيات والسلوكيات والعادات والممارسات الاجتماعية والأشكال التعبيرية ومجموع المعارف العلمية والمعرفية والروحية واقعا ملموسا، وهذه المأزومية تتعاظم سلبا كلما تخلخلت واهتزت منظوماتنا الاجتماعية وهو ما سيؤثر سلبا على منظومة الثوابت في حياتنا وفي مقدمتها الإنسان الذي هو أغلى ما نملك، وهو في الحقيقة رأس مالنا الأساس، وقد بات واضحا لكل ذي لبِ أنَّ المؤسسة الاسرائيلية تعمل من خلال أدواتها الرسمية وغير الرسمية كمثل مؤسسات المجتمع المدني المتورطة اسرائيليا، بتفكيك مجتمعنا من خلال العنف والجريمة وبث السلاح المرخص وغير المرخص، وإن صح الحديث عن وجود 400 ألف قطعة سلاح في الداخل الفلسطيني، فنحن في نكبة تقارب بل وتتفوق على نكبتنا الأولى.
مجموعة من التناقضات باتت تحكمنا فنحن مجتمع يريد أن يتحلل من الجريمة والعنف والفساد دون أن يدفع أدنى ثمن، ويكثر بيننا القيل والقال والانتقادات الشديدة للقيادات السياسية، وبخاصة لجنة المتابعة وكأنَّ لجنة المتابعة هي ليست تعبيرا لتلكم القيادات التي اختارها هؤلاء الناقدون، وللأسف بات بعضنا يعيش هاجس انتقاد لجنة المتابعة على اي قرار تتخذه فسياسة التشكيك والاحباط هي سيد الموقف عند هؤلاء، وإذا تحدثنا معهم ان الشعوب الساعية للخلاص تراكم تجاربها ونضالاتها وهناك من يقف بظهرها خلافا لحالتنا في الداخل الفلسطيني التي تتطلب موقفا مسؤولا وحازما قارئا للواقع على أكثر من جبهة وجهة، ولى مدبرا ولم يعقب. ونحن بدلا من أن نصارح أنفسنا في تناقضاتنا المعيشية، نلوم الآخرين وننسى أن أهلنا هم من تقدموا للحصول على قروض ربوية قاتلة من رجالات الربا الفاحش، ومنهم من لجأ الى الجريمة المنظمة وغير المنظمة، لنيل حقا له وهو من روجَّ لها وننسى أنَّ من يتعاطى السموم ويتاجر بالسلاح هم فلذات أكبادنا، ونحن بدلا من أن نصارح أنفسنا نتلمس طريق الخلاص نبقى في غينا سادرين، نلطم كفا بكف وعادةَّ ما نتهم المؤسسة التي وبحق متورطة من الألف إلى الياء في الجريمة والعنف ونشر السلاح، ولكن المؤلم من كان يتوقع أن تفعل المؤسسة غير ذلك، وهي ما زالت تراوح مكانها بل أشد وأنكى من حيث عنصريتها وفاشيتها.
هبة القدس والاقصى وثوابتنا المستباحة
تقوم ثوابتنا في الداخل الفلسطيني على أساس من كرامة الانسان وعدالة قضيتنا وحقنا الديني والشرعي والسياسي والاخلاقي على هذه الارض “المقدسة”.
عندما نستذكر كوكبة الشهداء في هبة القدس والأقصى وننظر الى تلك الازهار اليانعة التي ارتقت إلى باريها وهي تنافح عن ثوابتنا الدينية والوطنية والقومية التي مناط تحقيقها الإنسان العربي الفلسطيني تساورنا أفكار جميلة ومجيدة تجعلنا نشعر أننا شعب قد خطا خطواته الاولى آنذاك نحو هدفه الذي يروم، هدف الحرية والانتماء والمساواة والبقاء والتجذر والاعتزاز بهويته الفلسطينية في قسماتها الإسلامية والوطنية والقومية وتعزيز الذاكرة الجمعية والانتماء الجمعي والجماعي تشكلنا فسيفساء جميلة من المدارس والافكار والتيارات حيث يجمعها قاسم مشترك تلك الهوية الجمعية القائمة على ثوابت المقدس الديني والوطني.
عندما نتحدث عن الثوابت في سياق هبة القدس والاقصى يكون في مقدمة هذه الثوابت الحفاظ على الانسان الفلسطيني: كرامته وانتمائه وآدميته والحفاظ على المقدس الديني، ممثلا بديننا الحنيف وثوابته الاساسية العقدية والتعبدية والأخلاقية، وممثلا بالمسجد الاقصى المبارك والحفاظ على أوقافنا ومساجدنا ومآذننا، والحفاظ على وطننا الذي نجترح عليه حيواتنا، فعلى أرضنا هذه نُعمر البيت والمسكن والمسجد ودور العبادة نأكل من خيراتها ونتفيأ ظلالها ونستذكر تاريخها، فعلى ترابها عاش الأولياء والصديقون والمجاهدون والصحابة، واستوعبتهم في بطنها حتى يكاد هذا التراب يقص علينا قصصهم لو كان يتكلم فُيُستنطق بحضاراتهم التي بقيت رسومها وآثارها في القدس والساحل والجليل والمثلث والنقب. هكذا تتخلق عندنا ونحن نستذكر شهداء هبة القدس والاقصى، هذه المجموعة من الثوابت التي تعيننا على استبصار الطريق ووضع الرؤية وتحديد الاهداف.
في ذكرى هبة القدس والاقصى ونحن ننظر مليا في مآلات تلكم الهبة التي تلاها استشهاد أكثر من خمسين من ابناء شعبنا على يد السلطات الاسرائيلية وسقوط أكثر من 1300 شاب وفتاة بأيدينا نتيجة للعنف الذي لطم المجتمع الفلسطيني في الداخل وبدأت معالمه بعد هبة القدس والاقصى تتبدى يوميا، ندرك حجم المأزق الذي دفعتنا نحوه المؤسسة الاسرائيلية بفعل فلذات أكبادنا فما فشلت المؤسسة على مدار سبعة عقود في تحقيقه معنا من سياسات فرق تسد والقتل المباشر، نجح فيه بعض أبناء جلدتنا في اقل من عقدين. فمجتمعنا اليوم أكثر فقرا من ذي قبل، ولئن رأيت فيه الفيلل والعمارات الشاهقات والسيارات الفارهات، فمعظم ما تراه إن هو الا انعكاس لسيل عرم من الديون والمديونيات لطم مجتمعنا، ديون للبنوك وديون للمرابين وما أكثرهم في مجتمع اليوم.
مجتمعنا اليوم في ظل الانتكاسة القيمية والاخلاقية وحالتي التردي الثقافي والاخلاقي التي يعيشها هذه الايام بفعل ما جنته أيدينا من سوء تربية لأولادنا، هو مجتمع منكوس، وقد بتنا نعيش على هامش الحياة بعد أن كانت هذه الكوكبة المباركة قد وضعت النقاط على الحروف ووجهته الوجهة الصحيحة، فنحن اليوم على مفترق طرق بات الحليم فيه حيرانا بعد أن دب واستشرى بيننا القتل على الشبهة ولمجرد الخلاف، فضلا عن الحرب المسعورة التي تشنها جماعات “الخاوة” على المحال التجارية تهدمها رميا بالرصاص وتصيب أصحابها لإلزامهم بدفع مال حرام لهم يذكرنا بقصص العيارين وقطاع الطرق وعندنا في الأصول أن من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، فعنْ أَبي الأعْوَر سعيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرو بنِ نُفَيْل، أَحدِ العشَرةِ المشْهُودِ لَهمْ بالجنَّةِ، قَالَ: سمِعت رسُول اللَّهِ ﷺ يقولُ: منْ قُتِل دُونَ مالِهِ فهُو شَهيدٌ، ومنْ قُتلَ دُونَ دمِهِ فهُو شهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهو شهيدٌ، ومنْ قُتِل دُونَ أهْلِهِ فهُو شهيدٌ. رواه أَبو داود، والترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعنْ أَبي هُريرة، قالَ: جاء رجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَال: يَا رسولَ اللَّه أَرأَيت إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلا تُعْطِهِ مالكَ قَالَ: أَرأَيْتَ إنْ قَاتلني؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرأَيت إنْ قَتلَني؟ قَالَ: فَأنْت شَهيدٌ قَالَ: أَرأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ رواهُ مسلمٌ.
الاخطاء الخمسة
ونحن نستذكر هبة القدس والاقصى ونقوم بمراجعات لاستدراك ما نحن فيه أرى أننا أخطأنا في سياقات خمسة ندفع منذ سنوات ثمنا باهظا لارتكاب هذه الأخطاء من جهة، ولوضع رأسنا في الرمال كالنعامة وكأن شيئا لم يحدث وكأن هذا قدر لا مفر منه وكأنه ابتلاء لا مناص منه وهو فكر مخروم عقيدة وسياسة، إذ الاصل في موروثنا الشرعي تحقيق التوبة في شؤوننا كافة وليس في الشأن التعبدي فقط.
إنَّ عدم الاتفاق على أهداف محددة والعمل على إنجازها خطوة بعد خطوة وفقا لمخطط مدروس محسوب النتائج يُراكم نضالاتنا، معتمدا هبة القدس والاقصى أُساسا نبني ونراكم عليه زخمنا وتجربتنا النضالية على مختلف الصُعُدِ، يعتبر الخطأ الأساس في منظوماتنا القيادية التي آثرت العمل الموسمي على العمل الجاد المُراكم المؤسس لفعل حضاري يتحدى الواقع. وثانيا، حين أطلت الجريمة برأسها ولم نعمل على قطعها فور ظهورها متحسبين ومتهيبين، وحين أطلَّ السلاح يوم أطلَّ بالأعراس والمناسبات وبرر من برر هذا السلاح وسكتنا عنه ولم نعمل عملا جماعيا يقف لهؤلاء التجار والفسدة بالمرصاد، وثالثا حين أضعنا البوصلة في تحديد التحديات ومن هو الذي يناصبنا العداء وينتظر تلكم اللحظة التي ينهي وجودنا العيني فيها، في حين انه يعتبرنا خطرا استراتيجيا، ورابعا حين فشلنا في تربية أبنائنا التربية الصحيحة والسليمة الجامعة بين الكرامة والعدالة وتحقيق الذات من خلال مجموعة من قيمنا الدينية والأخلاقية والسياسية، وخامسا حين فشلت الاحزاب والحركات السياسية في خلق حالة من التوعية السياسية والنضالية بين صفوف الشباب وآثر بعضها وهم قلة تربية حزبية ضيقة همها الوحيد أن يقال إنه الحزب أو القوة الاولى في داخلنا الفلسطيني.