أخبار عاجلةعرب ودوليمرئياتومضات

ماذا تخفي كواليس إستراتيجية إسرائيل للمناطق العازلة؟ صحف فرنسية تجيب (فيديو)

من غزة إلى جنوب لبنان وجنوب سوريا، تتسع المناطق التي تفرض إسرائيل سيطرتها عليها تحت عنوان حماية الحدود ومنع التهديدات الأمنية، لكن تقارير صحفية من الجبهات الثلاث ترصد ملامح سياسة تتجاوز، بحسب مصادرها وشهاداتها، الاعتبارات الأمنية المباشرة، لتشمل تغيير الواقع الميداني، وتقييد حركة السكان، وإقامة مواقع عسكرية، وتعزيز النفوذ عبر أدوات تتراوح بين القوة المسلحة والمساعدات الإنسانية.

وتستند هذه القراءة إلى ثلاثة تقارير نشرتها صحف فرنسية هي لوموند، ولوفيغارو، وليبراسيون، تتناول الأولى إستراتيجية المناطق العازلة في غزة ولبنان وسوريا، في حين تركز الثانية على استخدام المساعدات الغذائية والطبية في جنوب سوريا، وترصد الثالثة تصاعد التوغلات الإسرائيلية وانعكاساتها على سكان محافظة القنيطرة وأراضيهم الزراعية.

واقع يتجاوز التبرير الأمني
تتقاطع التقارير الثلاثة عند رصد اتساع الحضور العسكري الإسرائيلي في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل أو تتوغل فيها على الجبهات الثلاث، وما يرافق ذلك من قيود على السكان وتغييرات في الواقع المحلي. وتتمثل المسألة الأساسية في الفجوة بين التبرير الإسرائيلي القائم على إنشاء أحزمة أمنية لحماية الحدود، والنتائج الميدانية التي قد تجعل هذه المناطق نطاقات خاضعة لسيطرة طويلة الأمد.

في غزة، يوضح تقرير “لوموند” أن الخط الأصفر، الذي كان يُفترض أن يمثل مرحلة أولى من الانسحاب الإسرائيلي بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تحوّل عمليا إلى حدود داخلية تفصل بين مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية وأخرى يتكدس فيها السكان وسط الدمار. ثم وسّع الخط البرتقالي نطاق المنطقة المقيدة، التي باتت، وفق الأمم المتحدة، تغطي نحو 65% من مساحة القطاع.

وتنقل الصحيفة عن محمود أبو ركبة، وهو عامل سابق يبلغ (42 عاما) اضطر إلى النزوح مع أسرته مرات عدة، أمنيته العودة إلى منزله في جباليا، قائلا: “لو استطعنا على الأقل العودة إلى حينا، وإعادة بناء شيء ما باستخدام الأغطية أو ما يمكن أن نجده هناك”.

وتكشف شهادته الجانب الإنساني لهذه التغييرات، إذ لا تقتصر آثارها على فقدان المنازل، بل تشمل أيضا حرمان السكان من العودة إلى مناطقهم.

وتربط لوموند بين هذه الوقائع وما يجري في جنوب لبنان وجنوب غرب سوريا، حيث تتكرر، بحسب التقرير، أنماط التوغلات العسكرية وتدمير الممتلكات وتهجير السكان وتقييد الحركة.

وتذكّر بأن مفهوم المنطقة العازلة في الاستخدام الأممي يشير عادة إلى مساحة محايدة تفصل بين قوات متنازعة، في حين أن المناطق التي تصفها إسرائيل بهذا الاسم تقوم، وفق التقرير، على فرض السيطرة على أراض من جانب واحد.

وتحذر جوليا غريغنون، المتخصصة في القانون الدولي الإنساني، من أن مصطلح “المنطقة العازلة” قد يوحي بإجراء أمني، بينما ما يجري فعليا قد يكون احتلالا للأرض، وربما ضمها بالقوة، وهو ما يحظره القانون الدولي.

القوة والمساعدات
وإذا كانت لوموند تقدم الإطار الإقليمي الأوسع، فإن لوفيغارو تكشف، من خلال تحقيق ميداني في القنيطرة، جانبا آخر من أساليب ترسيخ الحضور الإسرائيلي في جنوب سوريا: الجمع بين الانتشار العسكري وتقديم المساعدات الغذائية والخدمات الطبية.

ويروي التحقيق أن الجيش الإسرائيلي بدأ توزيع سلال غذائية على سكان قرى سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم أضاف الوقود إلى المساعدات مع اقتراب الشتاء.

وفي قرية الحميدية، يقول أحد السكان، الذي عرّفته الصحيفة باسم مستعار هو بلال، إن وسيطا محليا أبلغهم بأن رفض المساعدات قد يؤدي إلى نقلهم إلى قرية أخرى.

وفي الوقت نفسه، تستمر الدوريات والاعتقالات وإقامة الحواجز العسكرية.

ويرى التحقيق أن هذه المساعدات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من محاولة بناء علاقات مع السكان المحليين وتوظيف الاحتياجات المعيشية في منطقة تعاني الفقر والتهميش، ويشمل هذا الحضور إنشاء نقاط طبية وعيادات بدعم إسرائيلي.

ففي قرية حَضَر الدرزية، أقيمت عيادة بالتعاون مع منظمة “سمرِتِنز بيرس” الأمريكية، في حين أفاد مصدر في الجيش الإسرائيلي بأن المنشأة استقبلت 500 مريض درزي منذ 7 مايو/أيار 2025.

وتقدم هذه المبادرات خدمات يحتاج إليها السكان في ظل بُعد المستشفيات ونقص الموارد، لكنها تثير أيضا تساؤلات بشأن أهدافها السياسية والاجتماعية.

ويبرز التحقيق انقسام المواقف المحلية: فبينما يرى بعض السكان في المساعدات ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، يخشى آخرون أن تسهم في تعميق التوترات بين الدروز والسنة، وتعزيز النفوذ الإسرائيلي على حساب العلاقة مع دمشق.

ويلخص أحد السكان، واسمه المستعار ماهر، هذه المخاوف بالقول إن “التسميات الطائفية يصنعها الإسرائيليون لتقسيمنا”، مؤكدا أن الدروز والسنة ينتمون إلى المجتمع السوري نفسه.

القنيطرة.. توغلات واعتقالات
أما ليبراسيون فتركز على التصعيد الميداني في جنوب غرب سوريا، حيث تصف توغلات إسرائيلية متكررة داخل القرى، ترافقها حواجز وتفتيش واعتقالات وقيود على حركة السكان.

وتروي الصحيفة كيف اندفع سكان بلدة جباثا الخشب لمراقبة رتل عسكري إسرائيلي اقترب من البلدة في 8 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، في مواجهة استمرت نحو ساعتين قبل انسحاب القوات.

وتنقل عن محمد مروّد، أحد وجهاء المنطقة، قوله إن “جنوب سوريا أصبح، بعد جنوب لبنان والضفة الغربية وغزة، أرضا تريد إسرائيل إخضاعها لهيمنتها”.

ويشير التقرير إلى أن التوغلات امتدت إلى مناطق في درعا ومحيط دمشق، وأن مركز “سِجِل” البحثي وثّق ارتفاعا في الانتهاكات خلال سبتمبر/أيلول 2026، شمل زيادة الضربات المدفعية بنسبة 50% مقارنة بالشهر الذي سبقه.

وتحتل الأضرار الزراعية مساحة بارزة في التحقيق، إذ يعتمد أكثر من 70% من سكان القنيطرة على الزراعة، ويقول مروّد إن الجرافات جرفت مساحات من الأراضي واقتلعت الأشجار.

ويضيف أنه هو وإخوته مُنعوا من إمكانية الوصول إلى أكثر من 700 دونم من الأراضي التي يزرعونها قرب الحدود، كما يثير مخاوف بشأن موارد المياه والري، متحدثا عن تضرر منشآت مائية في المنطقة.

ووفق بيانات “سِجِل” التي نقلتها الصحيفة، قُتل ما لا يقل عن 36 سوريا في المنطقة خلال الشهور الـ18 السابقة للتقرير، واعتُقل 248 شخصا بين ديسمبر/كانون الأول 2024 وسبتمبر/أيلول 2026، ظل نحو 40 منهم محتجزين لدى إسرائيل وفق الإحصاءات المذكورة.

إستراتيجية طويلة
تتفق المواد الثلاث على أن المناطق العازلة ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل ترتبط بتغييرات عسكرية وسكانية واقتصادية قد تستمر آثارها حتى بعد انتهاء العمليات القتالية.

لكنها تختلف في زاوية المعالجة: فلوموند تضع هذه السياسة ضمن تصور إقليمي أوسع للنفوذ، ولو فيغارو تكشف أدواتها المدنية والإنسانية في جنوب سوريا، في حين توثق ليبراسيون آثارها المباشرة على السكان والأرض.

ومع ذلك، لا تبدو استدامة هذه السياسة محسومة، فبحسب لوموند، يرى الجنرال الإسرائيلي المتقاعد إسرائيل زيف أن المناطق العازلة تمثل “استجابة تكتيكية” لا إستراتيجية قابلة للاستمرار، نظرا إلى ما تتطلبه من قوات وإمدادات وموارد، معتبرا أن الانسحاب التدريجي ونقل المسؤولية إلى سلطات محلية يحتاجان إلى اتفاق سياسي.

وبينما تتمسك إسرائيل بتبرير هذه المناطق باعتبارات الأمن، تثير الوقائع التي ترصدها التقارير سؤالا أوسع: هل تبقى هذه الأحزمة إجراءات مؤقتة، أم تتحول إلى نطاقات نفوذ تفرض واقعا جديدا على الأراضي والسكان؟

لا تقدم المواد إجابة نهائية، لكنها تشير إلى أن مستقبل هذه المناطق سيتوقف على التوازن بين المتطلبات الأمنية المعلنة، وكلفة الوجود العسكري، وحقوق السكان، وإمكان التوصل إلى تسويات سياسية تضمن استعادة السيادة والاستقرار.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى