نمو بالأرقام وأزمات معيشية.. هل يحسم الاقتصاد انتخابات الكونغرس؟

تدخل الولايات المتحدة المرحلة الأخيرة قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 وسط مفارقة اقتصادية واضحة، فالمؤشرات الكلية لا تشير إلى ركود شامل والناتج المحلي الإجمالي يواصل النمو لكن شريحة واسعة من الأمريكيين ترى أن قدرتها على تحمل تكاليف المعيشة تتراجع.
والناخب لا يقيس الاقتصاد عادة عبر معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي وحده، وإنما يقيسه بالفارق بين دخله الشهري وما يدفعه للسكن والوقود والطاقة والغذاء والرعاية الصحية وخدمة الديون.
فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي 2.2% في الربع الثاني من عام 2026، واستمر الاستهلاك والاستثمار والصادرات في دعم النشاط الاقتصادي، لكن تضخم أسعار المستهلكين تسارع في سبتمبر/أيلول، مدفوعا بدرجة كبيرة بالطاقة والبنزين. وتباطأ نمو الوظائف وتراجعت الأجور الحقيقية خلال الشهر.
لذا قد تكون الرسالة الاقتصادية الأكثر حضورا في حياة الناخب ليست أن “الاقتصاد ينمو”، بل إن “الفاتورة الشهرية ترتفع”.
لماذا لا ينعكس النمو على جيوب المواطنين؟
نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الأمريكي بمعدل سنوي 2.2% في الربع الثاني من عام 2026، بعد نمو بلغ 2.5% في الربع الأول، وأسهم الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار والصادرات في هذا النمو، وارتفعت المبيعات النهائية الحقيقية للمشترين المحليين من القطاع الخاص 4.6% على أساس سنوي، وارتفع الدخل المحلي الإجمالي الحقيقي 2.6%.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الاقتصاد لا يمر بانكماش واسع أو ركود تقليدي.
لكن رقم النمو يحتاج إلى وضعه في سياقه الصحيح، فمعدل 2.2% هو معدل سنوي؛ أي يحوّل وتيرة النمو المسجلة خلال ربع واحد إلى تقدير لما قد تكون عليه خلال عام كامل إذا استمرت الوتيرة نفسها، أما النمو الفعلي بين الربعين الأول والثاني فقد بلغ نحو 0.6% فقط.
كما أن هذا الرقم ليس نهائيا، إذ رُفع تقدير نمو الربع الثاني من 1.5% إلى 2.2% بعد المراجعة السنوية للحسابات القومية، التي أظهرت أرقاما أفضل للاستثمار والإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الحكومي.
ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام الكلية بعيدة نسبيا عن تجربة الأسر اليومية، فارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لا يعني بالضرورة أن يشعر الجميع بزيادة مماثلة في الدخل الحقيقي أو تحسن في قدرتهم على تغطية الإيجار والغذاء والطاقة والديون.
وتساعد طبيعة النمو في تفسير محدودية أثره المباشر على الشعور العام، فقد جاء التوسع من الاستهلاك والاستثمار وقطاعات الخدمات والسلع الخاصة، وهذه مؤشرات مهمة للنشاط الكلي، لكنها لا تعني بالضرورة تحسنا متساويا وفوريا في دخول جميع الأسر أو قدرتها الشرائية.
كما أن الإصدار نفسه يظهر أن مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي ارتفع في الربع الثاني بمعدل سنوي 5.0%، وهو رقم يعكس حجم الضغط السعري الذي رافق هذا النمو، ومن ثم، يمكن للاقتصاد أن يسجل نموا حقيقيا بينما لا يشعر العامل أو المستأجر أو صاحب الدخل الثابت بتحسن مماثل في ميزانيته الشهرية.
صدمة الطاقة وشبح التضخم
تشير بيانات سبتمبر/أيلول الصادرة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهي أحدث بيانات متاحة، إلى أن التضخم العام ارتفع 0.6% على أساس شهري و3.7% على أساس سنوي، بعد أن بلغ 3.4% في أغسطس/آب، أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، فقد ارتفع 0.3% شهريا و2.6% سنويا.
وكان قطاع الطاقة، لا سيما البنزين، من أبرز محركات تسارع الأسعار في سبتمبر/أيلول، فقد ارتفع البنزين 9.1% خلال شهر واحد، وشكل أكثر من نصف الزيادة الشهرية في مؤشر الأسعار العام، وعلى أساس سنوي، ارتفع البنزين 34.2% وارتفع مؤشر الطاقة ككل 20.4%، كما ارتفع مؤشر السكن 0.4% خلال سبتمبر/أيلول، وارتفعت الكهرباء 4.4% سنويا، وزاد الغذاء 2.5% على أساس سنوي.
ولهذا الارتفاع خلفية جيوسياسية، فصدمة الطاقة مرتبطة بالنزاع مع إيران، وأشارت جامعة ميشيغان إلى أن توقعات التضخم الحالية تتجاوز كثيرا مستوى 3.4% المسجل في فبراير/شباط قبل بدء الحرب على إيران.
وتُرجع تحليلات السوق جانبا كبيرا من التضخم الحالي إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل إمداد الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
ويسلط ذلك الضوء على الحساسية السياسية لأسعار الوقود، فالمستهلك لا يتعامل مع معدل التضخم العام في حياته اليومية بقدر ما يراه على لوحة الأسعار أمام محطة الوقود أو في فاتورة الكهرباء والإيجار، وتتميز أسعار الوقود بأنها متكررة وواضحة وسهلة الملاحظة، ما يجعل قفزاتها أكثر حضورا في الوعي العام من تغيرات الأسعار الأقل وضوحا.
كما ارتفع مؤشر أسعار المنتجين للطلب النهائي 6.3% سنويا في سبتمبر/أيلول، وهي أكبر زيادة سنوية منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، ولا تعني هذه الزيادة أن ارتفاع التكلفة سينتقل بالكامل أو فورا إلى المستهلكين، لكنها قد تشير إلى استمرار ضغوط التكلفة على الشركات والنقل والخدمات في بعض القطاعات.
مؤشرات حذرة في سوق العمل
أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف وظيفة فقط في سبتمبر/أيلول، وارتفع معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.2% من 4.1% في أغسطس/آب، وجاء جزء من الارتفاع من دخول أشخاص أكثر إلى سوق العمل أو عودتهم إليها، إذ ارتفع معدل المشاركة من 61.6% إلى 61.8%.
كما جرى خفض تقدير يوليو/تموز من إضافة 21 ألف وظيفة إلى خسارة 10 آلاف، وخفض تقدير أغسطس/آب من 162 ألفا إلى 133 ألفا، وجاء رقم سبتمبر/أيلول بعد متوسط زيادات شهرية بلغ 45 ألف وظيفة خلال الأشهر الـ12 السابقة.
ولا تشير هذه القراءة وحدها إلى موجة تسريح جماعي أو انهيار في سوق العمل، لكنها تعكس تباطؤا واضحا في وتيرة التوظيف، فالمحللون يصفون السوق بأنها تتسم بديناميكية “توظيف منخفض وتسريح منخفض”.
ويرجح المحللون أن يضر تباطؤ التوظيف خصوصا بالباحثين الجدد عن العمل والشباب ومن يريدون تغيير وظائفهم بحثا عن دخل أفضل، كما قد يحد من قدرة العاملين على التفاوض على زيادات أكبر في الأجور في وقت ترتفع فيه تكاليف الحياة.
وارتفع متوسط الأجر الاسمي في الساعة للعاملين في القطاع الخاص 0.1% خلال سبتمبر/أيلول و3.0% على أساس سنوي، وهذا النمو السنوي أقل من التضخم السنوي البالغ 3.7% بنحو 0.7 نقطة مئوية.
وعلى أساس شهري، انخفض متوسط الأجر الحقيقي بالساعة 0.5% بعد احتساب التضخم، وهذه النتيجة لا تعني بالضرورة تراجع الأجر الحقيقي لجميع العاملين أو في كل القطاعات، لكنها تشير إلى أن الزيادة الاسمية لم تواكب قفزة الأسعار.
ماذا تقول استطلاعات الرأي عن كلفة المعيشة؟
في استطلاع لغالوب نُشر في أبريل/نيسان 2026، قال 55% من الأمريكيين إن الزيادات الأخيرة في الأسعار سببت مشقة في قدرتهم على الحفاظ على مستوى معيشتهم.
وفي قياس آخر أوردته غالوب ضمن تقريرها، قال 55% إن وضعهم المالي الشخصي يتجه إلى الأسوأ، ووصفت غالوب هذه النسبة بأنها قراءة غير مسبوقة في سلسلتها المنشورة، كما ذكر 31% أن التضخم وارتفاع الأسعار هما أكبر مشكلة مالية تواجه أسرهم، بينما تحدث 13% عن كلفة الطاقة و13% عن كلفة السكن.
وتعطي بيانات مركز بيو للأبحاث صورة أكثر تحديدا للضيق المعيشي، فقد قال 44% من البالغين الأمريكيين إنهم واجهوا خلال الـ12 شهرا السابقة صعوبة في تحمل ضرورة أساسية واحدة على الأقل: الرعاية الطبية أو النقل اليومي أو الإيجار أو الرهن أو الحصول على الغذاء من بنك أو مخزن طعام.
وترتفع النسبة إلى 71% لدى ذوي الدخل المنخفض، وذلك في استطلاعات أجريت بين 20 يوليو/تموز و30 أغسطس/آب، أي قبل قفزة تضخم سبتمبر/أيلول.
والمغزى السياسي المحتمل هو أن الغلاء ليس تجربة موحدة، فالأسر الأعلى دخلا تملك عادة هامشا أكبر لتقليص الادخار أو الإنفاق الاختياري، بينما تنفق الأسر الأدنى دخلا نسبة أكبر من مواردها على الضروريات، ولذلك تكون الزيادة نفسها في الوقود أو الإيجار أو الكهرباء أشد وطأة على الأسر ذات الاحتياط المالي المحدود.
لماذا لا يقتنع الناخب بأرقام النمو؟
لا يرفض الناخب بالضرورة صحة أرقام النمو، لكنه قد يستخدم معيارا مختلفا للحكم على الاقتصاد.
أولا- الناتج المحلي الإجمالي يقيس الإنتاج الكلي، لا جودة الحياة أو القوة الشرائية أو توزيع الدخل بين الأسر. لذلك يمكن أن يرتفع الناتج لأن الاستهلاك والاستثمار زادا، من دون أن يجيب ذلك مباشرة عن سؤال الأسرة: هل يكفي الدخل حتى نهاية الشهر؟
ثانيا- يميل المستهلك، بحسب ما تفترضه الأدبيات السلوكية، إلى تذكر مستوى الأسعار الذي يدفعه أكثر من معدل تغيرها.
فتراجع التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني فقط أنها ترتفع بوتيرة أبطأ. ولذلك تبقى الزيادات المتراكمة في الإيجار والغذاء والوقود حاضرة في التجربة اليومية.
ثالثا- تكون السلع والخدمات الضرورية أكثر تأثيرا من السلع الاختيارية. فالوقود والسكن والطعام والكهرباء والرعاية الصحية لا يمكن خفضها بسهولة.
وحين ترتفع هذه البنود قد يظل الشعور بالضغط قويا حتى إن استقرت أسعار بنود أخرى أو تراجعت.
رابعا- أظهرت أحدث قراءة شهرية تراجعا في متوسط الأجر الحقيقي بالساعة، في وقت تباطأ فيه التوظيف.
ولا يثبت ذلك وحده تراجعا طويل الأجل في أحوال جميع العاملين، لكنه يساعد في تفسير سبب عدم شعور بعض الأسر بأن سوق العمل يعوضها بما يكفي عن ارتفاع كلفة الحياة.
معنويات المستهلكين وتوقعات التضخم
تعزز القراءة الأولية لجامعة ميشيغان لأكتوبر/تشرين الأول هذا التفسير، إذ بلغ المؤشر الذي يقيس معنويات المستهلكين 46.3 نقطة، مقابل 48.1 في سبتمبر/أيلول و53.6 قبل عام، وهذا مستوى قريب من أدنى مستوى على الإطلاق البالغ 44.8 المسجل في مايو/أيار 2026.
وارتفعت أيضا توقعات التضخم للعام المقبل من 4.6% إلى 4.7%، كما ارتفعت توقعات التضخم طويلة الأجل من 3.4% إلى 3.5%.
ورغم وصف مديرة الاستطلاع التغير في المؤشر العام بأنه طفيف، بانخفاض 1.8 نقطة، فإن المكونات تباينت، إذ هبط مؤشر الظروف الحالية من 50.9 إلى 44.7، بينما ارتفع مؤشر التوقعات من 46.3 إلى 47.3.
وأشارت الجامعة إلى أن معنويات ذوي الدخول الأقل وأصحاب المحافظ الاستثمارية الأصغر هبطت بحدة، وهي فئات أقل قدرة على تحمل ارتفاع الأسعار.
تكمن أهمية هذه البيانات في أنها لا تقيس الأسعار الحالية فقط، بل تقيس توقعات الناس للمستقبل، وإذا اعتقد المستهلك أن الغلاء سيستمر، فقد يصبح أقل استعدادا لتقييم الاقتصاد بإيجابية حتى مع بقاء النمو الكلي موجبا.
خريطة الغلاء.. أين تتركز أعباء المعيشة في أمريكا؟
لا توجد قراءة رسمية شهرية موحدة لمؤشر أسعار المستهلكين في كل ولاية أمريكية، لكن يمكن الحصول على مؤشرات من خلال مستوى الأسعار الهيكلي والتضخم الإقليمي وفوارق الدخل والنمو بين الولايات وصدمات الوقود والسياسات المحلية.
مستوى الأسعار الهيكلي
تقيس بيانات تعادل الأسعار الإقليمية الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي مستوى الأسعار في الولايات مقارنة بالمتوسط الوطني، الذي يساوي 100، إذ تتناول الفروق في مستويات الأسعار والقوة الشرائية بين الولايات في سنة محددة.
ووفق أحدث بيانات متاحة لعام 2024، كانت كاليفورنيا الأعلى بمؤشر 110.7، تليها هاواي عند 110.0، ثم مقاطعة كولومبيا عند 109.9، ونيوجيرسي عند 108.8.
وفي الطرف المقابل، كانت أركنساس عند 86.9، وميسيسيبي عند 87.0، وأيوا وأوكلاهوما عند 87.8.
ويظهر أثر السكن بصورة أوضح، فقد بلغ مؤشر إيجارات السكن 154.3 في كاليفورنيا و155.0 في مقاطعة كولومبيا، مقابل 54.2 في فرجينيا الغربية، وهذا يعني أن الاختلاف بين الولايات لا يتعلق بالسلع اليومية وحدها، بل بكلفة السكن، وهو أكبر بند ثابت في ميزانية عدد كبير من الأسر.
التضخم الإقليمي
في سبتمبر/أيلول، بلغ التضخم السنوي 4.2% في الشمال الشرقي و4.2% في الغرب الأوسط، وهما أعلى من المتوسط الوطني البالغ 3.7%.
وسجلت المدن الصغيرة والمتوسطة في الغرب الأوسط تضخما سنويا بلغ 4.8%، وفي المقابل، بلغ التضخم 3.4% في الجنوب و3.4% في الغرب.
وعلى مستوى مناطق حضرية مختارة، بلغ التضخم السنوي 4.5% في منطقة نيويورك – نيوارك – جيرسي سيتي، و4.4% في سياتل – تاكوما – بلفيو، و4.2% في فيلادلفيا، مقابل 1.3% في هيوستن، وهي أرقام تؤكد اختلاف تجربة الغلاء بين المناطق.
الدخل والنمو بين الولايات
لا يقتصر التفاوت على الأسعار، فقد نما الناتج الحقيقي في 44 ولاية ومقاطعة كولومبيا خلال الربع الثاني من عام 2026، لكن النمو تراوح بين 4.0% في نيويورك وانكماش 2.3% في فرجينيا الغربية.
كما تراوح نمو الدخل الشخصي بين زيادة 6.4% في ويسكونسن وانخفاض 4.2% في داكوتا الشمالية.
أما الدخل من العمل، الذي يشمل التعويضات ودخل أصحاب الأعمال الفردية وهو غير أرباح الشركات، فتراوح بين زيادة 7.3% في مينيسوتا وانخفاض 9.3% في داكوتا الشمالية.
وهذا يعني أن الولاية الأرخص ليست بالضرورة الأقل ضغطا اقتصاديا أو سياسيا، فقد تكون كلفة المعيشة أقل، لكن نمو الدخل أو الوظائف أضعف.
والعكس صحيح، قد تكون الولاية مرتفعة الكلفة، لكن نمو دخل سكانها أقوى، لذلك يبقى المقياس الأهم هو العلاقة بين الأسعار والدخل وفرص العمل.
كيف تؤثر قرارات الولايات في الشعور بالغلاء؟
لا تستطيع الولايات التحكم في التضخم على المستوى الوطني أو أسعار النفط العالمية، لكنها تستطيع تخفيف بعض الأعباء أو زيادتها عبر الضرائب والتنظيم والإسكان والطاقة.
ويشير تقرير ستيتلاين المنشور في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى اتخاذ جورجيا وإنديانا وأوهايو ويوتا إجراءات مؤقتة لتعليق ضريبة البنزين على مستوى الولاية أو خفضها.
كما كانت 10 ولايات قد خففت قيود استخدام الديزل المعفى من الضرائب في قطاعات مثل الزراعة والنقل وبعض الأنشطة خارج الطرق، قبل صدور إجراء فدرالي مماثل.
وتعكس هذه القرارات إدراكا سياسيا بأن سعر الوقود قضية انتخابية مباشرة، لكنها تظل حلولا جزئية ومؤقتة، لأن حكومات الولايات لا تتحكم في أسعار النفط أو التكرير أو النقل أو التطورات الجيوسياسية.
كما أن خفض ضرائب الوقود قد يضغط على الإيرادات المخصصة للطرق والبنية التحتية ما لم يُعوَّض من الاحتياطيات أو من مخصصات مالية بديلة.
وعلى المدى الطويل، قد تكون سياسات الإسكان أكثر تأثيرا في القدرة على تحمل المعيشة، فقواعد تقسيم المناطق وسرعة التراخيص ومعروض الأراضي وحماية المستأجرين والضرائب العقارية، كلها عوامل تؤثر في الإيجارات وأسعار المنازل.
كما قد تؤثر سياسات الولايات في تكلفة المعيشة من خلال تنظيم الكهرباء والمرافق وقوانين التأمين والحد الأدنى للأجور وضرائب المبيعات والدخل.
معضلة الفيدرالي.. محاربة التضخم وإرهاق المقترضين
رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي في 16 سبتمبر/أيلول 2026 نطاق سعر الفائدة الفدرالية ربع نقطة مئوية إلى 3.75%–4.00%، وهو أول رفع منذ عام 2023، وقال إن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية وإن الإنفاق المحلي ظل مرنا، لكن التضخم ما زال مرتفعا.
وأظهر محضر الاجتماع الصادر في 7 أكتوبر/تشرين الأول أن معظم المشاركين رأوا أن زيادة أخرى في نطاق الفائدة ستكون مناسبة على الأرجح بحلول نهاية العام.
وتضع هذه السياسة الأسر أمام معادلة مزدوجة، فقد تساعد أسعار الفائدة الأعلى في خفض التضخم مع الوقت، لكنها تبقي كلفة الاقتراض مرتفعة على بطاقات الائتمان وقروض السيارات والرهون الجديدة، وفي المقابل، فإن تخفيف السياسة النقدية بسرعة في بيئة تضخمية قد يزيد مخاوف استمرار ارتفاع الأسعار أو عودتها.
وسيكون الاجتماع المقبل للجنة في 27–28 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، أي قبل الانتخابات بـ6 أيام، وتتوقع الأسواق أن يُبقي الفدرالي الفائدة دون تغيير في أكتوبر/تشرين الأول، مع ترجيح قوي لرفعها في ديسمبر/كانون الأول، وهذا يعني أن كلفة الاقتراض مرشحة لأن تظل مرتفعة، وربما أكثر ارتفاعا، بعد الانتخابات.
ويكتسب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي أهمية خاصة لأنه المقياس الذي يفضله الاحتياطي الفدرالي لمراقبة التضخم، وبلغ في أغسطس/آب 3.4% على أساس سنوي، و3.0% للمؤشر الأساسي، ومن المقرر، وفق جدول مكتب التحليل الاقتصادي، أن يصدر تقرير سبتمبر/أيلول في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بالتزامن مع التقدير الأول للناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث، أي قبل الانتخابات بـ5 أيام.
الحصيلة السياسية قبل الانتخابات
لا يمكن الجزم بأن التضخم أو كلفة المعيشة وحدهما سيحسمان انتخابات التجديد النصفي، فالنتائج تتأثر بالمرشحين المحليين، والانتماء الحزبي، وقضايا الهجرة والرعاية الصحية والسياسة الخارجية، ونسب المشاركة، وطبيعة الدوائر الانتخابية.
وتخلص قراءة البيانات إلى أن كلفة المعيشة مرشحة لأن تكون عاملا مهما في تقييم الناخبين للوضع الاقتصادي للأسباب التالية:
– تسارع التضخم في آخر قراءة رسمية متاحة، مدفوعا بدرجة كبيرة بالطاقة والبنزين.
تراجع متوسط الأجر الحقيقي بالساعة في سبتمبر/أيلول وثبات الدخل المتاح الحقيقي في أغسطس/آب.
– تباطؤ نمو الوظائف من دون تحول واضح إلى موجة تسريح واسعة.
– قول 55% من الأمريكيين في استطلاع غالوب إن ارتفاع الأسعار سبب مشقة في الحفاظ على مستوى المعيشة.
– إبلاغ 44% من البالغين عن صعوبة في تحمل ضرورة أساسية واحدة على الأقل خلال العام السابق.
– تراجع معنويات المستهلكين إلى مستوى قريب من أدنى مستوى على الإطلاق مع ارتفاع توقعات التضخم.
– اختلاف التجربة الاقتصادية بين الولايات والمناطق، فبعض الناخبين يبدؤون من كلفة سكن مرتفعة، بينما يواجه آخرون تضخما إقليميا أعلى أو ضعفا في نمو الدخل والوظائف.
والخلاصة هي أن الناخب لا يرفض أرقام النمو بالضرورة، لكنه قد يقيس الاقتصاد بمعيار مختلف: هل أصبح دخله يكفي أكثر أم أقل؟
وحين يلتهم الوقود والسكن والطاقة وخدمة الدَّين حصة أكبر من الميزانية، قد تكون الفاتورة الشهرية أكثر إقناعا سياسيا من رقم الناتج المحلي الإجمالي.
