للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين.. التعاطف الأمريكي مع الفلسطينيين يتجاوز الإسرائيليين

للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين، تجاوز التعاطف مع الفلسطينيين نظيره مع الإسرائيليين في أحد أقدم مؤشرات الرأي العام الأمريكي بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في نتيجة تعكس، وفق مؤشرات متراكمة، تأثير الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في إعادة تشكيل نظرة الأمريكيين إلى “إسرائيل” والقضية الفلسطينية.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة “كوينيبياك” الأمريكية أن 38% من المشاركين قالوا إن تعاطفهم يميل أكثر إلى الفلسطينيين، مقابل 35% قالوا إنهم يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين، فيما لم يبدِ 27% موقفًا محددًا.
وتمثل هذه النتيجة أعلى مستوى يسجله التعاطف مع الفلسطينيين منذ كانون الأول/ ديسمبر 2001، عندما بدأت الجامعة طرح السؤال على المشاركين، في حين تراجع التعاطف مع الإسرائيليين إلى أدنى مستوى له خلال الفترة ذاتها.
وفي مؤشر آخر على تغير المواقف تجاه السياسة الأمريكية تجاه “إسرائيل”، رأى 48% من المشاركين أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا مفرطًا لها، بينما اعتبر 34% أن مستوى الدعم مناسب.
وشمل الاستطلاع تقييم أداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ بلغت نسبة المؤيدين لطريقة إدارته لمنصبه 33%، مقابل 59% قالوا إنهم لا يؤيدون أداءه الرئاسي.
وفيما يتعلق بسياسة ترامب تجاه إيران، أظهر الاستطلاع أن 29% يؤيدونها، مقابل 65% لا يوافقون على موقفه تجاه الملف الإيراني.
وتكتسب النتيجة دلالتها من كونها المرة الأولى التي يتقدم فيها الفلسطينيون على الإسرائيليين منذ بدء الجامعة طرح هذا السؤال في ديسمبر/كانون الأول 2001، كما سجل التعاطف مع الفلسطينيين أعلى مستوى له في تاريخ قياسات الجامعة، في حين تراجع التعاطف مع الإسرائيليين إلى أدنى مستوى خلال الفترة ذاتها.
حرب غزة في قلب التحول
ولا تأتي هذه الأرقام في فراغ سياسي أو اجتماعي، بل بعد سنوات من الحرب الإسرائيلية على غزة التي وضعت الممارسات الإسرائيلية والدعم الأمريكي لها أمام تدقيق شعبي غير مسبوق في الولايات المتحدة.
فمنذ بدء الحرب، تصاعد حضور صور القتل والدمار والنزوح والأزمة الإنسانية في غزة في المشهد الإعلامي الأمريكي، بالتزامن مع اتساع الاحتجاجات الشعبية والطلابية الرافضة للحرب، وتزايد النقاش حول مسؤولية الولايات المتحدة عن استمرار تقديم الدعم السياسي والعسكري لـ”إسرائيل”.
وفي هذا السياق، تبدو النتيجة الجديدة امتدادًا لمسار أخذ يتبلور خلال الحرب، إذ لم يعد التعاطف مع الفلسطينيين محصورًا في دوائر الناشطين المؤيدين للقضية الفلسطينية، وإنما بدأ يظهر بصورة أوضح في مؤشرات الرأي العام الأمريكي الأوسع.
وتشير استطلاعات أخرى خلال العام الجاري إلى الاتجاه ذاته؛ فقد أظهر استطلاع لـ”غالوب” أن 46% من الأمريكيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقابل 28% مع الإسرائيليين، مع تحول واضح بين مختلف الفئات العمرية.
فيما أظهر “بيو” أن 60% من الأمريكيين باتوا ينظرون إلى “إسرائيل” بصورة سلبية، وهي نسبة ارتفعت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي ذلك في سياق أوسع من تراجع القدرة الإسرائيلية على الحفاظ على صورتها التقليدية لدى قطاعات من الرأي العام الغربي، في ظل استمرار الحرب وما رافقها من مشاهد الدمار والقتل في غزة، وتصاعد الانتقادات الدولية للدعم السياسي والعسكري الأمريكي لـ”إسرائيل”.
وامتد أثر الحرب إلى الجامعات الأمريكية، حيث أصبحت الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين واحدة من أبرز ساحات الجدل الداخلي حول الحرب والعلاقة مع “إسرائيل”.
ويبرز الفارق العددي المحدود بين الطرفين في نتائج كوينيبياك، وإنما اتجاه الحركة: الفلسطينيون يسجلون أعلى مستوى من التعاطف منذ أكثر من عقدين، بينما يتراجع التعاطف مع الإسرائيليين إلى مستوى قياسي منخفض في هذا القياس.
كما أن 48% من المشاركين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا أكبر مما ينبغي لـ”إسرائيل”، وهي أعلى نسبة تسجلها الجامعة منذ بدء طرح هذا السؤال عام 2017، مقابل 38% رأوا أن مستوى الدعم مناسب.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن التحول في الرأي العام الأمريكي يوازي تحولًا مماثلًا في السياسة الرسمية لواشنطن؛ فالفجوة بين الموقف الشعبي والسياسة الخارجية لا تزال قائمة، وهو ما يجعل نتائج الاستطلاع أقرب إلى مؤشر على تغير طويل الأمد في البيئة السياسية والاجتماعية الأمريكية، وليس إعلانًا عن تحول فوري في الموقف الرسمي من “إسرائيل”.
وبذلك، تكشف حرب غزة عن أثر يتجاوز حدود القطاع؛ فإلى جانب الخسائر الإنسانية الهائلة والدمار الواسع، يبدو أنها أحدثت هزة في صورة “إسرائيل” لدى قطاعات متزايدة من الرأي العام، ودفعت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية إلى مساحة أكبر من النقاش والمساءلة، بعدما ظلت لعقود من القضايا ذات الحساسية السياسية العالية في الولايات المتحدة.
