تسنيم مصري لـ “موقع موطني 48”: مواقع التواصل تعزز الفردانية وقد تدفع الأزواج إلى الهروب العاطفي

مارِيّة محاجنة
في ظل الحضور المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي في تفاصيل حياتنا اليومية، لم تعد تأثيراتها بعيدة عن العلاقات الأسرية والزوجية، بل أصبحت جزءًا من التحديات التي تواجه الأزواج في التواصل والحوار وبناء الثقة.
حول هذا الموضوع، التقى “موقع موطني 48” بالمرشدة والمستشارة الزوجية تسنيم مصري، من مدينة كَفر قرع، للحديث عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على العلاقات الزوجية، وأبرز المخاطر المرتبطة بالاستخدام المفرط، إلى جانب نصائح عملية للحفاظ على علاقة زوجية صحية ومتوازنة.
موقع موطني 48: حدثينا عن مسيرتك في مجال الإرشاد والعلاج الزوجي.
مصري: أعمل مرشدة ومستشارة أسرية، حاصلة على اللقب الأول في علم النفس، واللقب الثاني في الاستشارات الفردية والزوجية. أعمل منذ سنوات على إعادة ترميم العلاقات داخل الأسر وبين الأزواج، ويتمحور عملي حول بناء علاقات صحية من الجذور.
ومن خلال عملي، ساعدت العديد من الأزواج على إعادة بناء الثقة والتواصل السليم، وحل المشكلات والخلافات بينهم. أعمل أيضًا على تقديم دورات ولقاءات تحضيرية للحياة الأسرية، وقد ساعدت العشرات من الشابات على تأسيس علاقات زوجية صحية.
أؤمن بأن الأسرة هي حجر الأساس لبناء المجتمع القويم، ورؤيتي هي العمل على بناء أسر عصامية متينة، ترقى بمجتمعنا إلى الأفضل.
موقع موطني 48: كيف غيّرت مواقع التواصل الاجتماعي طبيعة العلاقات الزوجية؟ وهل ترين أنها سبب للمشكلات، أم أنها تكشف مشكلات كانت موجودة أصلًا؟
مصري: لا يمكن القول إن مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب الرئيس في المشكلات الزوجية، إذ إن غالبية المشكلات الزوجية تتأثر بعوامل عديدة ومركبة. ولكن قد يؤثر الاستعمال غير الواعي لهذه المواقع في زيادة حدة المشكلات وعمقها، وقد يكون عاملًا إضافيًا مساهمًا في إضعاف العلاقات، وحتى الوصول إلى فشلها.
وذلك لعدة أسباب، منها أن مواقع التواصل الاجتماعي تعمل على تشكيل وتصميم وعي جديد لدى الأفراد، والذي يُبنى بدوره على تصورات مشوهة حول العلاقات.
ومن أكثر ما انتبهت إليه من خلال عملي مع الأزواج، هو أن مواقع التواصل تعزز الفردانية لدى الأفراد، والتي تعكّر طريق الشراكة والاندماج في الحياة الزوجية. كذلك، تعزز فكرة الاستغناء عن الآخر وعدم بذل الجهد الكافي للتقارب والاندماج.
ومن جهة أخرى، تعزز مواقع التواصل الشعور بالفوقية، والذي يفتك بمنظومة موازنة الأدوار وتقاسم المهام الضرورية داخل الأسرة.
موقع موطني 48: ما أكثر السلوكيات أو الأخطاء المرتبطة باستخدام مواقع التواصل التي تؤدي إلى الخلافات أو تضعف الثقة والتواصل بين الزوجين؟
مصري: من مضار وسائل التواصل فيما يخص العلاقات الزوجية، شيوع ظاهرة التشتت والانفصال العاطفي، حتى مع وجود الأزواج في مكان واحد أو على مقربة من بعضهم بعضًا.
وهناك مصطلح أُطلق حديثًا، وهو “Phubbing” وهو مصطلح مكوّن من كلمتي “phone” و”snubbing”، ويشير إلى حالة يكون فيها الشخص موجودًا مع أشخاص آخرين، لكنه يقلب صفحات التواصل بلا هدف، مما يضعف حضوره واهتمامه بالآخر، ويشكّل حالة من الاستياء والشعور بعدم الرضا لدى الطرف الآخر.
ومن العوامل التي ساهمت أيضًا في تعميق الخلافات بين الأزواج، حالة “الهروب” التي يلجأ إليها الأزواج عند وقوع المشكلات، أو عند تراجع العلاقة أو حتى فتورها.
عندما يحصل تراجع أو فتور في العلاقة لأي سبب كان، فإن ذلك يؤثر بشكل مباشر على مشاعر الرضا بين الزوجين، وهذا عادةً ما يعطي إشارة إلى أن هناك أمرًا يتعين عليهما إصلاحه. شعور الرضا الزائف الذي ينتج عن استخدام وسائل التواصل يجعل الزوجين أقل رغبة في مواجهة الواقع وإحداث تغييرات ضرورية في العلاقة، والعمل على تقويتها وتحسينها، ما قد ينتج عنه بُعد عاطفي تدريجي خطير.
ومن الظواهر التي انتشرت أيضًا، ولها تأثير سلبي على الرغم من أنها تبدو إيجابية للوهلة الأولى، حالة الانفجار المعلوماتي وكثرة التوجيهات والمعلومات المتعلقة بالعلاقات، والتي تُنشر على مواقع التواصل بلا رقابة وبشكل يُعدّ خطيرًا.
إن ما يحتاجه الأزواج لتعزيز العلاقة هو مهارات، وليس معلومات فقط. ثم إن المعلومات، في كثير من الأحيان، تقدم من أشخاص لا يملكون أي تأهيل لإرشاد الأزواج.
موقع موطني 48: كيف تؤثر المقارنات بالحياة المثالية التي تُعرض على مواقع التواصل، إلى جانب الإفراط في استخدام الهاتف، على الرضا الزوجي والحوار بين الزوجين؟
مصري: ظاهرة أخرى تساهم في إضعاف العلاقات الزوجية وتعزيز مشاعر الاستياء، هي ظاهرة المشاهدة المتكررة لأشكال حياة وعلاقات تبدو عبر الشاشات علاقات “مثالية”. فعادةً ما يختار الأشخاص مشاركة أفضل ما لديهم على مواقع التواصل، وقد يعتقد المشاهد، الذي قد يمضي ساعات كثيرة في تقليب هذه الصفحات، بأن ما يُعرض أمامه هو واقع الآخرين، والذي يختلف تمامًا عما يعيشه هو، فيتعزز لديه شعور عدم الرضا والاستياء.
وقد يلقي باللوم على الشريك، أو يحمل مشاعر اللوم والسخط في داخله، مما يزيد من حدة المشكلات ويباعد بين الأزواج.
موقع موطني 48: ما أبرز النصائح العملية التي تقدمينها للأزواج لحماية علاقتهم من التأثيرات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي؟ ومتى يصبح من الضروري اللجوء إلى معالج أو مستشار أسري؟
مصري: إن مواقع التواصل والعالم الرقمي جزء أساسي من حياتنا العصرية، وقد يكونان سلاحًا ذا حدين. فبالإضافة إلى مساوئ الاستخدام المفرط والأعمى لمواقع التواصل، هناك إيجابيات للاستخدام الواعي والحكيم لهذه الوسائل، فهي تفتح أمام الأزواج والعائلات عوالم وآفاقًا، وتكشفهم على جوانب كثيرة تعود عليهم بالمنفعة.
ولذلك، أنصح الأزواج بأمور تساعدهم على الاستخدام الواعي:
أولًا: الرقابة الذاتية والوعي الذاتي عند استعمال مواقع التواصل، والسؤال الدائم للذات: “ماذا أرى؟” و”لماذا أرى ذلك؟” و”كيف يؤثر ما أشاهده على حياتي؟”. هذه الأسئلة كفيلة بجعل استخدامنا لمواقع التواصل واعيًا ومراقبًا.
ثانيًا: الحد من وقت الاستخدام إلى أدنى فترة ممكنة يوميًا. من المهم أيضًا أن تكون أوقات المشاهدة محددة ومراقبة، وألا نجعل الهاتف ومواقع التواصل متاحين في كل وقت.
ثالثًا: عدم استعمال الهاتف في أوقات الاجتماع العائلي، سواء التجمعات الرسمية، مثل المناسبات أو الاجتماع حول مهمة معينة، أو التجمعات العفوية، مثل الالتقاء في المطبخ صدفةً في ساعات النهار، ولا سيما في الأوقات الخاصة بين الزوجين، مثل الاجتماع في نهاية اليوم بعد خلود الأطفال إلى النوم. فقد تكون هذه الأوقات هي الفرص الذهبية لتقوية العلاقة.
أنصح كذلك بالحديث الواعي ومشاركة الطرف الآخر في حال كان الشخص منزعجًا من استخدام شريكه للهاتف. وهذه مسألة مهمة جدًا، فقد لاحظت تجنب الأزواج الحديث عن هذا الأمر لحساسية الطرف الآخر تجاه الموضوع، وخوفه من الانتقاد.
أنصح بأن يعقد الأزواج اتفاقًا على أن يتقبل كل فرد منهم النصيحة من الشريك حول استخدام الهاتف، إذا ما رأى منه انهماكًا مفرطًا في الهاتف. أو بالإمكان الاتفاق على كلمة أو إشارة معينة يستخدمها الشخص إذا رأى شريكه منهمكًا في استخدام الهاتف، في وقت يحتاج فيه إلى أن يوليه اهتمامه.
وأخيرًا، أنصح بتخصيص وقت يومي تكون فيه الأجهزة والشاشات مغيّبة تمامًا، حتى ولو كانت المدة قصيرة؛ فإن جودة العلاقات لا تتحدد بطول المدة، بل بجودة التواصل والحضور.
أما فيما يتعلق باللجوء إلى أهل الاختصاص والمستشارين، فإن التوجه إليهم يساعد الأزواج على اكتساب مهارات تواصل صحي وآمن، مما يزيد من مشاعر الرضا والتقارب بين الأزواج، والذي بدوره يساعد على التقليل من اللجوء إلى مواقع التواصل للهروب العاطفي، كما ذكرنا سابقًا.
والتوجه إلى المختصين مبكرًا، مع وجود إشارات حمراء أو فور الشعور بالتباعد وعدم الرضا، قد يساعد في التشخيص المبكر وحل المشكلة، ومنع حدوث تراكمات خطيرة قد تؤدي إلى مشكلات كبيرة مستقبلًا.
