انزل صلِّ في الأقصى.. نقطة، أول السطر؛ مسؤوليتك الفردية قبل الجماعية

المحامي خالد زبارقة
هناك مبادرات لا تحتاج إلى كثير من التفسير، ولا تقبل التأويل، ولا تترك مجالًا للمساومة أو التردد. و”انزل صلِّ في الأقصى.. نقطة، أول السطر” هي واحدة من تلك المبادرات الحاسمة التي تختزل في طياتها الكثير من المعاني والدلالات. إنها ليست مجرد دعوة عابرة لأداء شعيرة دينية، بل هي نداء صارخ للروح، واستنهاض للهمم، ودعوة للعودة إلى الجذور والارتباط بأقدس البقاع. تأتي هذه المبادرة لتقطع حبل الأعذار الواهية التي ننسجها في حياتنا اليومية، ولتؤكد حقيقة طالما غفلنا عنها: الأقصى مسؤوليتك أنت، كفرد، قبل أن يكون مسؤولية المجموع.
تفكيك الأعذار: نقطة القوة
نحن نعيش في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتراكم فيه الانشغالات، وتتعدد فيه المبررات. فقد يقول قائل: “الوقت غير مناسب”، أو “الظروف المحيطة صعبة”، أو “أنا مشغول هذه الأيام، وسأذهب عندما أجد متسعًا من الوقت”، إلى جانب كثير من الأعذار التي لا يتسع المجال لذكرها، وهي معروفة للجميع.
هنا تأتي قوة هذه المبادرة التي تملك القدرة على أن تشكل جدارًا صلبًا تتحطم عليه كل هذه المبررات النفسية؛ فتنتهي المناقشة، وينتهي التردد والمماطلة. ابدأ بداية جديدة، واتخذ قرارًا حاسمًا تجاه ذاتك، وافعل فعلًا حقيقيًا على أرض الواقع.
إن الصلاة في المسجد الأقصى لا ينبغي أن تكون قرارًا مؤجلًا، أو خطة ثانوية نضعها في ذيل جدول أعمالنا المزدحم، بل أولوية قصوى تتجاوز العقبات. إن اتخاذ القرار بترك كل شيء والذهاب للصلاة هناك هو، بحد ذاته، انتصار على النفس، وعلى الركون إلى الراحة.
الأقصى مسؤولية فردية أولًا
من أسهل الحيل النفسية التي يمارسها الإنسان للهروب من التزاماته تذويب مسؤوليته داخل المجموع. فعندما يقول المرء: “ماذا يمكنني أن أفعل وحدي؟”، أو “الأمر يحتاج إلى أمة بأكملها للتحرك”، فإنه، في الواقع، يصنع مبررًا نفسيًا للقعود والكسل، ويبني حاجزًا وهميًا بينه وبين الفعل.
والحقيقة الواقعية والتاريخية تؤكد أن الجماعة ليست إلا حاصل جمع أفراد. فإذا تخلى كل فرد عن دوره بانتظار تحرك الآخرين، فلن يتحرك أحد. إن الأقصى يحتاج إلى المبادرة الفردية التي تسبق، وتؤسس لأي جهد جماعي صلب. فالفرد الذي يقرر أن ينزل ويصلي، والفرد الذي يقرر أن يقرأ ويتعلم، هو النواة الحقيقية لأي حراك جماعي فاعل. والجماعة القوية تتكون من أفراد يتحملون مسؤولياتهم الشخصية بشجاعة.
كيف تترجم المسؤولية الفردية على أرض الواقع؟
المسؤولية الفردية تجاه المسجد الأقصى ليست مجرد شعار عاطفي، أو حماسة مؤقتة تزول بانتهاء الحدث، بل هي ممارسات عملية يومية يمكن لكل شخص أن يتبناها:
- التواجد الجسدي: جسدك الذي يملأ فراغًا في ساحات الأقصى هو إسهام حقيقي وملموس، لا يمكن لأي شخص آخر أن ينوب عنك فيه. فالأقصى لا يحتاج فقط إلى الدعاء عن بُعد، مع أهميته، بل يحتاج أيضًا إلى أن تصدح جنباته بخطوات القادمين إليه.
- بناء الوعي والمعرفة: مسؤوليتك الفردية تبدأ بمعرفة تاريخ هذا المكان، وتفاصيل معالمه، ومساحته الحقيقية، وحقيقة التحديات التي يواجهها. فالجهل هو أولى خطوات التضييع.
- التنشئة المستمرة: غرس حب الأقصى في نفوس الأبناء والمحيطين بك، وتحويله من مجرد “خبر عابر” إلى جزء أصيل من الوعي الأسري والحياة اليومية.
- الدعم الاقتصادي: مساندة أهل القدس وتجارها بكل الوسائل، وأبسطها دعم اقتصادهم ومحالهم التجارية عند زيارة البلدة القديمة.
المسجد الأقصى ليس كأي بقعة جغرافية؛ إنه أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وعندما تتخذ قرارك الفردي بالنزول والصلاة في الأقصى، فأنت لا تؤدي حركات وركعات فحسب، بل تعيد إحياء ارتباطك الروحي والتاريخي.
الصلاة هناك لها طعم آخر، وأجر مضاعف. ففي كل خطوة تخطوها نحو باحاته، تتساقط عنك هموم الدنيا، وتتبدد غيوم القلق، لتمتلئ روحك بالسكينة التي لا يمكن أن تجدها في قاعات العمل المزدحمة. إن استشعار قدسية المكان، وتذكر أن الأنبياء والصالحين قد وطئوا هذه الأرض، يجعل من كل سجدة فيه سموًّا روحيًا فريدًا، يرتقي بالنفس ويطهر القلب.
رحلة الروح عبر أزقة القدس العتيقة
لا تبدأ رحلة الصلاة في الأقصى عند بواباته فحسب، بل تبدأ من اللحظة التي تتخذ فيها القرار. تبدأ الرحلة عندما تمر عبر أزقة القدس القديمة، وتلامس بيدك حجارتها العتيقة التي تروي قصص آلاف السنين من الصمود.
رائحة الكعك المقدسي، وعبق البخور المنبعث من الأسواق القديمة، وصوت الباعة، وابتسامات المارة؛ كلها تفاصيل تمهد قلبك وعقلك للدخول إلى المسجد الأقصى المبارك. وعندما تقترب من أبواب الأقصى وتشاهد قبة الصخرة المشرفة بلونها الذهبي، تشعر وكأنك تعبر من بوابة الزمن الصاخب إلى عالم من الطمأنينة المطلقة، مغتسلًا من كل أدران الحياة المعاصرة.
وفي عالم طغت عليه المادة، وتحكم فيه صخب الحياة، تأتي الصلاة في الأقصى علاجًا ناجعًا للروح المنهكة. و”انزل صلِّ في الأقصى.. نقطة، أول السطر” هي دعوة صريحة للانعتاق من سجن الروتين اليومي.
فعندما تقف بين يدي الله في هذا المكان المهيب، تدرك صغر حجم الدنيا وما فيها. وهذا الانفصال المؤقت عن صخب الحياة يعيد برمجة عقلك وقلبك، ويمنحك طاقة إيجابية هائلة، قادرة على تغيير نظرتك إلى الأمور برمتها. إنها فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات، وللتزود بشحنة إيمانية تعينك على مواجهة تحديات الحياة.
إن قطرة الماء وحدها قد تبدو ضعيفة، ولكنها إذا تجمعت مع قطرات أخرى تحولت إلى سيل كبير ومبارك. كذلك هو جهدك الفردي وحضورك؛ قد يبدوان متواضعين، ولكنهما يمتلكان قوة التأثير، والقدرة على إحداث العدوى الإيجابية.
“انزل صلِّ في الأقصى.. نقطة، أول السطر”
لا تدع الأيام تسرق منك هذه الفرصة، ولا تنتظر اللحظة المثالية؛ لأن اللحظة المثالية هي الآن، والوقت المناسب هو اللحظة التي تقرر فيها التغلب على ترددك، وعلى أوهامك، وعلى السجن الذي سجنت نفسك فيه. قم، وشد الرحال، واقصد هذا البيت المبارك. وعندما تلامس جبهتك أرضه الطاهرة، ستدرك يقينًا كم كنت محرومًا من نعمة الأقصى. انهض؛ انزل صلِّ في الأقصى.. نقطة، أول السطر.