أخبار وتقاريرتقارير ومقابلاتتكنولوجيامرئيات

الدكتورة آية زريقي لـ”موقع موطني 48”: المعلم سيبقى صانع الوعي مهما تطورت التكنولوجيا.. وأطمح إلى جعل علوم الفضاء جزءًا من التعليم اليومي

مارية محاجنة

في وقتٍ يشهد العالم ثورة علمية وتكنولوجية متسارعة، تبرز الدكتورة آية خالد زريقي، من كفر كنا، بوصفها نموذجًا للباحثة التي نجحت في توظيف المعرفة لخدمة الإنسان والتعليم، من خلال الجمع بين البحث العلمي والتطبيق الميداني في مجالي الفلك والتربية العلمية.

وخلال مسيرتها الأكاديمية والمهنية، شاركت الدكتورة زريقي في عدد من المشاريع العلمية الدولية البارزة، من بينها مشاركتها وكيلةً حصرية في البلاد مع وكالة “NASA” وشركة “StemRad” في مشروع تطوير أول بدلة فضائية مخصصة لحماية رواد الفضاء من الإشعاعات الكونية، وهي التقنية التي استُخدمت ضمن برنامج “Artemis”. كما أسهمت في إعداد بحث علمي أُرسل إلى محطة الفضاء الدولية لدراسة تأثير انعدام الجاذبية الصغرى على الخلايا، لتصبح أول باحثة عربية تشارك في هذا النوع من الأبحاث.

ولم تتوقف إنجازاتها عند هذا الحد، إذ شاركت أيضًا في تصميم وبناء قمر اصطناعي نانوي ضمن مشروع “Tevel”، أُطلق إلى الفضاء عام 2025 على متن صاروخ تابع لشركة “SpaceX”، وما يزال يرسل بياناته العلمية حتى اليوم.

في هذا الحوار مع “موقع موطني 48”، تتحدث الدكتورة زريقي عن محطات رحلتها العلمية، وشغفها بالفلك، ورؤيتها لمستقبل التعليم، ورسالتها إلى الطلبة والباحثين.

موقع موطني 48: بداية، نود أن يتعرف القراء عليكِ أكثر، فهل تعرّفيننا بنفسكِ وبأبرز محطاتكِ العلمية والمهنية؟

زريقي: أنا الدكتورة آية خالد زريقي، باحثة ومحاضِرة متخصصة في الفلك والتربية العلمية، وأعمل منذ أكثر من عشر سنوات في مجالي تعليم العلوم والابتكار. كرّست مسيرتي لتوظيف علوم الفضاء والتقنيات الحديثة في تطوير العملية التعليمية، وإعداد برامج تفاعلية تسهم في تنمية التفكير العلمي والإبداع لدى الطلبة.

أؤمن بأن المعرفة الحقيقية تكتمل عندما تتحول إلى أثر في حياة الناس، ولذلك أسعى إلى الربط بين البحث العلمي والتطبيق العملي، وإلهام الطلبة لخوض مجالات العلوم والفضاء والابتكار بثقة وطموح.

وخلال مسيرتي، شاركت في مشاريع علمية عالمية مع مؤسسات مرموقة، منها وكالة ناسا، ومحطة الفضاء الدولية، ومشروع القمر الاصطناعي “Tevel”. كما حصلت، بفضل مواكبتي أحدث التطورات العلمية والتكنولوجية، على الوكالة الحصرية لتقنيات الواقع الافتراضي المتقدمة من الشركة الأمريكية “Light Art VR”، التي تقدم محتوى بدقة عرض تصل إلى “8K”، بما يوفر تجربة غامرة وعالية الجودة.

وتشمل هذه الوكالة مجموعة من الأفلام التعليمية والتاريخية والدينية المصممة بتقنيات الواقع الافتراضي، بما يتيح تقديم محتوى معرفي وتفاعلي وفق أحدث المعايير العالمية.

موقع موطني 48: ماذا أضافت لكِ هذه التجارب على الصعيدين العلمي والإنساني؟

زريقي: كانت هذه التجارب بمثابة مدارس علمية حقيقية، إذ أتاحت لي العمل ضمن فرق بحثية متعددة التخصصات والثقافات، والتعرف إلى آليات البحث العلمي في المشاريع الدولية الكبرى. كما عززت لديّ قناعة بأن الكفاءة والاجتهاد هما اللغة المشتركة في ميادين العلم، وأن الباحث العربي قادر على الإسهام في الإنجازات العالمية متى توفرت له الفرصة والإرادة.

أما على الصعيد الإنساني، فقد منحتني هذه التجارب شعورًا أكبر بالمسؤولية تجاه نقل المعرفة وإلهام الطلبة لدخول مجالات العلوم والفضاء والابتكار.

موقع موطني 48: بعد هذه الرحلة الأكاديمية الطويلة، ماذا يعني لكِ الحصول على درجة الدكتوراه في هذا التخصص؟

زريقي: يمثل حصولي على درجة الدكتوراه محطة مهمة في مسيرتي العلمية والمهنية، جاءت بعد سنوات طويلة من التعلم والعمل والتطوير المستمر. وأرى في هذا الإنجاز بدايةً لمرحلة أوسع من البحث والإسهام العلمي، وليس نهاية الطريق.

وما يمنح هذا الإنجاز قيمة إضافية أن موضوع البحث جاء امتدادًا لسنوات من الخبرة العملية في مجالات الفلك والتعليم والابتكار، الأمر الذي أضفى عليه بعدًا تطبيقيًا يتجاوز الإطار الأكاديمي إلى إحداث أثر مباشر في الميدان التربوي.

موقع موطني 48: اخترتِ توظيف علوم الفلك والتقنيات الحديثة في إدارة الابتكار التربوي، فما الذي جذبكِ إلى هذا المجال؟

زريقي: منذ أكثر من عشر سنوات أعمل في مجال الفلك والتربية العلمية، وخلال هذه السنوات كنت ألاحظ التحولات المتسارعة في اهتمامات الطلبة وطرق تفاعلهم مع المعرفة. ومع دخول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة إلى مختلف مجالات الحياة، أصبح من الضروري إعادة النظر في أساليب التعليم التقليدية.

وأؤمن بأن دور المعلم اليوم لم يعد يقتصر على نقل المعلومات، فالمعرفة أصبحت متاحة للجميع، بينما تكمن رسالته في توجيه الطلبة، وتنمية التفكير والإبداع لديهم، ومساعدتهم على توظيف المعرفة بصورة صحيحة.

ومن هنا جاء اهتمامي بتوظيف علوم الفلك والتقنيات الحديثة كوسائل تعليمية تفاعلية، تربط الطلبة بالعلوم المعاصرة، وتفتح أمامهم آفاقًا أوسع للمشاركة في المشهد العلمي العالمي.

موقع موطني 48: ما أبرز التحديات التي واجهتكِ خلال مرحلة البحث، وكيف تمكنتِ من تجاوزها؟

زريقي: كان من أبرز التحديات تحقيق التوازن بين متطلبات البحث الأكاديمي، والعمل الميداني، والمسؤوليات اليومية، إلى جانب مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.

غير أن ما خفف من هذه الصعوبات أن موضوع الدراسة لم يكن مجرد فكرة نظرية، بل تجربة عملية نطبقها على أرض الواقع منذ سنوات. فقد كنا نعيش البحث قبل أن نكتبه، ثم عملنا على توثيق تلك التجارب وتحويلها إلى دراسة علمية وفق المعايير الأكاديمية، بما يضمن الاستفادة منها واستمرار أثرها. وهذا ما منح البحث بعدًا تطبيقيًا، وجعل نتائجه أكثر ارتباطًا باحتياجات الميدان.

موقع موطني 48: كيف ترين دور التكنولوجيا والعلوم الحديثة في تطوير العملية التعليمية مستقبلًا؟

زريقي: أعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد تحولات كبيرة تقودها التكنولوجيا، من خلال الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والمحاكاة الرقمية، والتعلم التفاعلي، بما يجعل الطالب أكثر مشاركة في عملية التعلم.

لكن، ورغم هذا التطور، سيبقى المعلم محور العملية التعليمية، لأنه القادر على الإلهام، والتوجيه، وبناء شخصية الطالب. ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي يكمن في تحقيق التكامل بين التكنولوجيا والدور التربوي والإنساني للمعلم، بما يسهم في إعداد جيل يمتلك مهارات التفكير والإبداع والقدرة على المنافسة عالميًا.

موقع موطني 48: ما الرسالة التي تودين توجيهها لكل طالب أو باحث يسعى إلى تحقيق حلمه الأكاديمي؟

زريقي: أدعو كل طالب وباحث إلى أن يجعل الشغف دافعه الأول، وأن يؤمن بأن الإنجازات الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة ومتواصلة. فلا يخلو أي طريق علمي من التحديات، لكن الإصرار والاستمرار هما مفتاح النجاح.

كما أشجع الباحثين على اختيار موضوعات ترتبط باحتياجات المجتمع وقضاياه، لأن قيمة البحث لا تكمن في إنتاج المعرفة فحسب، بل في قدرته على تقديم حلول عملية وإحداث أثر إيجابي يسهم في بناء مستقبل أفضل.

موقع موطني 48: بعد كل هذه الإنجازات، ما الحلم العلمي الذي ما زلتِ تسعين إلى تحقيقه؟

زريقي: أطمح إلى إنشاء منظومة تعليمية متكاملة تجعل علوم الفضاء والابتكار جزءًا من التجربة التعليمية اليومية للطلبة، وأن أرى مزيدًا من الباحثين العرب يشاركون في المشاريع العلمية الدولية.

كما أتطلع إلى مواصلة البحث العلمي، وتطوير برامج تعليمية تسهم في إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارة والثقة للمنافسة على المستوى العالمي.

في ختام هذا اللقاء، تؤكد الدكتورة آية خالد زريقي أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن توظيف العلوم والتقنيات الحديثة في التعليم يمثل فرصة حقيقية لبناء جيل أكثر إبداعًا وقدرة على مواكبة المتغيرات، دون التفريط بالدور المحوري للمعلم بوصفه صانعًا للوعي، وملهمًا للأجيال، وشريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى