ثلاث قوى عالمية متخيلة.. هل صارت خريطة جورج أورويل الروائية واقعا؟

في الفصل التاسع من روايته “1984”، يجلس بطل الرواية المتخيّل وينستون سميث في خوف مكتوم يقرأ كتابا محظورا يشرح حقائق عالمه.
في ذلك العالم المتخيّل روائيا ثلاث قوى عظمى تتقاسم الكرة الأرضية، تتقاتل في مناطق نفوذ حدودية لا تنتهي، وتبدّل تحالفاتها دون سابق إنذار، ثم تعيد كتابة الأرشيفات بأكملها كأن التحالف الجديد هو الذي كان دائما. العدو يتغير في منتصف الخطبة. اللافتات الخاطئة تلقى على المخربين. وفي اليوم التالي، لا أحد يتذكر شيئا مختلفا.
ظلت هذه الرؤية لعقود توصف بأنها أضعف ما في رواية الكاتب البريطاني جورج أورويل (1903-1950) وأكثره تصنعا، حتى جاءت الأعوام الأخيرة لتقلب هذا الحكم رأسا على عقب.
قمة ترامب-بوتين في ألاسكا، التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا واختطاف رئيسها، الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، والتهديدات الصينية المتصاعدة بضم تايوان، في وقت تمارس فيه واشنطن ضغطا علنيا على غرينلاند وكندا وقناة بنما. مشهد لم تعرف له حقبة سابقة مثيلا: ثلاث كتل نووية ترسم مناطق نفوذها بينما تخوض حروبا مفتوحة وبالوكالة على الأراضي الفاصلة بينها.
أورويل لم يتخيل من فراغ
كثير من قراء الرواية لا يعرفون أن هذا التقسيم لم يولد في مكتب أديب يتخيل بل بناه أورويل من تجربته الشخصية ومن أخبار الحرب العالمية الثانية التي عاشها بعيون مفتوحة.
في مقالته الشهيرة “أنت والقنبلة الذرية” (نشرها عام 1945) – التي صاغ فيها للمرة الأولى تعبير “الحرب الباردة” – كتب أورويل ما يشبه مسودة أولى للرواية، متوقعا عالما تتقاسمه دولتان أو ثلاث مسلحة بأسلحة نووية، عاجزة عن تدمير بعضها، تعيش في توتر متجمد أشبه بـ”إمبراطوريات العبيد في العصور القديمة” – مستقر على نحو مرعب.
وفي مقالة لاحقة عام 1947، رسم أورويل خريطته الروائية بوضوح أكبر: ثلاث كتل يقود كلا منها زعيم متألّه، فيما يعيش الناس أسفل البناء الاجتماعي ما يشبه العبودية الصريحة.
وقرأ برنارد كريك، كاتب سيرة أورويل، هذه الفقرات وقال ببساطة: “هذه هي رواية 1984”.
ويرجع الباحثان إمرة أتاسوي من جامعة وارويك وجيفري واسرشتروم من جامعة كاليفورنيا، الإلهام المباشر للرواية إلى حدث مؤتمر طهران عام 1943، حين جلس روزفلت وستالين وتشرشل يتحدثون عن تقسيم عالم ما بعد الحرب بالمسطرة، في تحليلهما المنشور على منصة “ذا كونفرسيشن” (The Conversation) الأكاديمية.
الخارطة تتشكّل من جديد
في يناير/كانون الثاني 2026، نشرت المؤرّخة آن أبلباوم في مجلة “ذا أتلانتيك” (The Atlantic) مقالًا عنوانه “هيمنة ترامب الأمريكية قد لا تُبقي لنا شيئًا”، افتتحته باستدعاء مباشر للرواية، ثم صاغت جملتها المفتاحية: “عالم أورويل خيال، لكن ثمة من يريد تحويله واقعًا”.
لم تدفع أبلباوم إلى هذا الاستنتاج مجرد التشابه البصري بين الخرائط، ففكرة العالم الثلاثي -آسيا تهيمن عليها الصين، وأوروبا تهيمن عليها روسيا، ونصف الكرة الغربي تهيمن عليه أمريكا- كانت تتداول منذ سنوات في أوساط يروّج لها، والآن يبدو أن الفكرة وجدت من يترجمها واقعا جديدا.
ويلفت محللون لتشابه الأعداء المتبدلين في الخطاب الأمريكي الرسمي مع عالم أورويل، ففي الخطاب الأمريكي السائد هناك أعداء متبدلون منهم “الأوروبيون المتطفلون”، و”البنميون المراوغون”، و”الفنزويليون الأشرار” -وهو ما يشبه مشهد “دقيقتي الكراهية” الأورويلي: عدو جاهز للاستهلاك اليومي، قابل للاستبدال.
وفي تصورات ترامب للعالم كما يقاربها محللون هناك ما يشبه “إستراتيجية الكتل القارية الثلاث”: روسيا تهيمن على محيطها الأوروبي، والصين سيدة آسيا، والولايات المتحدة تُحكم قبضتها على القارة الأمريكية بأسرها (نصف الكرة الغربي) بما في ذلك كندا وغرينلاند والمكسيك وقناة بنما وحتى أمريكا اللاتينية ضلوعًا في بنية إمبراطورية واحدة.
التحالف يتبدّل، والأرشيف يُعاد كتابته
من أشهر مشاهد عالم أورويل المتخيّل روائيا: أوشيانيا تحارب أوراسيا، ثم في منتصف خطبة جماهيرية يتغيّر العدو إلى إيستآسيا.
لكن الخطيب لا يتعثر، وفورًا اللافتات الخاطئة يشار إليها أنها من عمل مخرّبين، ويقضي وينستون وزملاؤه 90 ساعة في إعادة كتابة كل وثيقة حتى لا يبقى في أي مكان أثر للتاريخ القديم. الخلاصة: “أوشيانيا كانت دائمًا في حرب مع إيستآسيا”.
وإذا كانت القوة تصنع الحق، فلا حاجة للشفافية أو الديمقراطية أو الشرعية لتبرير شيء.
وبالعودة للواقع المعاصر، وُصف تحوّل ترامب نحو بوتين بأنه “أكبر وأسرع تحوّل في العلاقات الأمريكية-الروسية منذ الحرب العالمية”، فبعد عقود من العداء الأمريكي المشترك تجاه موسكو، أجرى ترامب مكالمة “مثمرة للغاية” مع بوتين في فبراير/شباط 2025، ووبّخ زيلينسكي في المكتب البيضاوي، وبحلول أغسطس/آب كان يستضيف بوتين في ألاسكا -وهو أول لقاء مباشر في بلد غربي منذ غزو أوكرانيا-.
في الوقت ذاته، صارت أوروبا الغربية وكندا والمكسيك -الحلفاء التقليديون- موضع ضغط وتوبيخ علني من الرئاسة الأمريكية، ووثيقة الأمن القومي الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025 وصفت روسيا بأنها “تهديد قابل للإدارة”، فردّ الكرملين بأنها “متسقة إلى حد كبير مع رؤيتنا”.
محلل بلومبرغ (Bloomberg) جون أوثرز علّق في مقاله: “يبدو أنه عالم ترامب-بوتين-شي، لكنه في الحقيقة عالم أورويل”، وقال: “حين يلتقي بوتين وترامب في أرض باعتها روسيا لأمريكا ذات يوم، يبدوان وكأنهما يديران نظامًا عالميًا يشبه بشكل مقلق ذلك الذي تخيّله أورويل قبل سبعة وسبعين عامًا”.
الحرب هي السلام
“الحرب هي السلام” -أحد الشعارات المتناقضة المعلّقة على جدران وزارة الحقيقة في الرواية- يُعبّر عن فكرة أورويل تجاه الحرب وتجاه الأحداث التي عاشها، ويقول إن الحرب ليست فشلًا في السياسة بل أداة في خدمتها؛ فالصراع الدائم الذي لا يمكن كسبه يُبقي الشعوب في حاجة وتوتر وانتباه مصروف إلى الخارج، وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة التي تريد “الحفاظ على بنية المجتمع سليمة”، على حد تعبير كتاب غولدشتاين المتخيّل في الرواية.
الحرب الأمريكية-الإيرانية منحت هذا الإطار ملمسًا معاصرًا، في يونيو/حزيران 2025، شنّت إسرائيل هجومًا مدمّرًا على المنشآت النووية الإيرانية، ثم انضمت أمريكا بضربات مباشرة. ردّت إيران بمئات الصواريخ والمسيّرات. صمد وقف لإطلاق النار بضعة أشهر، قبل أن تنطلق في فبراير/شباط 2026 ضربات أمريكية-إسرائيلية منسّقة أودت بحياة المرشد خامنئي وقيادات الحرس الثوري. أغلق الإيرانيون مضيق هرمز وهاجموا السفن العابرة، فاضطرب خُمس النفط العالمي وقفز سعر برميل برنت فوق 126 دولارا.
في هذا الجو، لاحظ معهد تودا للسلام أن ترامب أعاد تسمية وزارة الدفاع “وزارة الحرب”، ونشر البيت الأبيض مقاطع دعائية تمزج مشاهد قتال حقيقية بلقطات من أفلام هوليوودية. المبررات تنتقل بسلاسة بين منع الانتشار النووي وتغيير النظام وأمن إمدادات النفط -ذرائع قابلة للتبديل في أي وقت، بالضبط كما وصفها أورويل-.
ما الذي تبقّى من الخيال؟
ما يجعل موجة المقارنات الأورويلية في 2025-2026 مختلفة عن سابقاتها -تلك التي أُثيرت بعد تسريبات سنودن أو بعد “الحقائق البديلة” في ولاية ترامب الأولى- أن بؤرتها ليست المراقبة ولا البروباغندا، بل البنية الجيوسياسية ذاتها. الجزء الذي وُصف بأنه أكثر عناصر الرواية تصنّعًا وبعدًا عن الواقع -عالم الكتل الثلاث- هو الذي تحقق أولًا.
قبل 77 عامًا، كتب أورويل أن الحرب الحديثة “تشنّها كل مجموعة حاكمة ضد رعاياها، وهدفها ليس تحقيق فتوحات بل الحفاظ على بنية المجتمع سليمة”.
ويمكنك قراءة هذه الجملة كخيال أدبي. ويمكنك قراءتها كتشريح لما تراه على شاشة الأخبار، المفارقة أن أورويل كتبها قبل عقود وهو يظن أنه يحذر من مستقبل محتمل، لا يصف حاضرا قادما.
