أخبار وتقاريرمقالاتومضات

اللهم إن أمريكا قد أقبلت بجيشها وحديدها، اللهم أرنا فيها قدرتك

الشيخ كمال خطيب

لقد أمر الله تبارك وتعالى المسلم إذا همّ بعمل يعمله أن يأخذ بالأسباب، ويحسب لذلك الفعل كل حساب من أجل ضمان نجاحه. وفي موازاة الأخذ بالأسباب يكون التوكّل على ربّ الأرباب سبحانه. إن المهندس الذي يخطط لبناء عمارة، فإنه يقوم بالقياسات الدقيقة، ولعلّه يستعين بأهل الاختصاص من خبراء التربة والخرسانة والحديد، لضمان أن يكون البناء بأحسن مواصفات السلامة وأن يكون قادرًا على مواجهة عوامل الطبيعة المختلفة كالرياح والأمطار والزلازل، إنه بعد إذ يحسن التخطيط، فعليه أن يحسن التوكل على الله سبحانه {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [59 سورة آل عمران].

لكن المسلم يؤمن كذلك أنه وبعد إذ يأخذ بالأسباب ويحسب لكل شيء حساباته وتقديراته، فإنه يكون على إيمان عميق أن الله سبحانه الذي أحسن التوكّل عليه، يمكن أن يعطّل القوانين والنواميس التي خلقها. إنه الله سبحانه الذي سلب من الماء خاصيّة الإغراق كرامة لنبيّه وكليمه موسى عليه السلام فأنجاه من البحر، وإنه سبحانه الذي سلب من النار خاصيّة الإحراق كرامة لنبيّه وخليله إبراهيم عليه السلام فأنجاه من النار.

فوحقّه لأسلّمن لأمره         في كل نازلة وضيق خناق

موسى وإبراهيم لما سلّما     سَلِما من الإغراق والإحراق

ومثلما عطّل الله تعالى ناموسه الذي خلقه بأن جعل البحر لا يُغرق، وجعل النار لا تُحرق، فإنه سبحانه عطّل قانون الكثرة لما قال عز وجل: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [249 سورة البقرة]. {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} [123 سورة آل عمران].

وإن أساس تسخير الله للطبيعة وللنواميس الكونية لتكون في صالح عباده، أن يكون هؤلاء العباد قد حفظوا حقوق الله سبحانه وخافوه في السرّ والعلن، فحفظهم سبحانه وأخاف منهم عباده، “احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك”.

يقول محمد بن المنكدر رحمه الله: “إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ الله وستر”.

عندما يتمرّد الفيل والأسد

ما أكثرها الأمثلة التي رويت في التاريخ عمّن حفظوا الله فحفظهم وسخّر لهم بعضًا من خلقه ليكونوا في خدمتهم، كما قال ابن رجب رحمه الله: “ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المفترسة والمؤذية بطبعها حافظة له ممن يؤذيه، كما جرى لخادم رسول الله ﷺ وكان يدعى “سفينة”، فكان يومًا في مركب في البحر، فراح يتمشى فيها حتى ضاع في أطرافها، فكسَر به المركب ولم يعد بمقدوره أن يبحر به، فنزل في جزيرة كانت بالقرب منه، وإذا به يرى أسدًا في طريقه وجهًا لوجه، فما كان من الأسد إلا أن لازمه وراح يمشي بمحاذاته حتى لكأنه يحميه ويحرسه حتى دلّه على الطريق، فلمّا أوقفه عليها جعل يُهمهم كأنه يودّعه ثم رجع عنه.

ولعلّ ما هو أشدّ غرابة من سلوك الأسد، فإنه سلوك الفيل، إنه فيل أبرهة الأشرم الأكثر شهرة من بين الفيلة التي جاء بها لهدم الكعبة وذلك لقوته وضخامة جسمه، فإنهم ولما أرادوا التوجّه إلى الكعبة وقد وصلوا أطرافها، فإنه برَك ورفض السير نحو الكعبة، بينما إذا وجّهوه نحو اليمين ركض مسرعًا، وقد ذكر ذلك محمد بن إسحاق وابن كثير في السيرة النبوية: “وأصبح أبرهة بالمغمس وقد تهيّأ للدخول وعبّأ جيشه وقرّب فيله وحمل عليه ما أراد وهو قائم، فلما حرّكه وقف وكاد أن يرزم إلى الأرض فيبرك، فضربوه بالمعول على رأسه فأبى، فأدخلوا محاجن لهم تحت مراقه ومرافقه فأبى، فوجّهوه إلى اليمين فهرول، فصرفوه إلى الحرم فوقف….”.

ولا يقلّ دهشة عن سلوك الأسد والفيل، أن تتصرف في غير طباعها، وأن ذلك يكون بأمر الله سبحانه الذي خلق فيها سلوك الافتراس ولكنها لا تفعله حين يريد الله ذلك، أقول إنه لا يقلّ دهشة وعجبًا ما جرى مع الصحابي الجليل عقبة بن نافع في طريق فتوحاته في شمال أفريقيا، وقد أراد أن يبني مدينة في بلاد تونس، وقد وصل إلى وادٍ كبير لكنه كثير الأشجار كثير الوحوش والحيّات والهوام، فنصحه بعض أصحابه أن المكان غير مناسب، لكن عقبة بن نافع رضي الله عنه قام ووقف على صخرة عالية في طرف الوادي وراح ينادي بأعلى صوته: “أيتها الحيّات، أيتها السباع، أيتها الوحوش، إنا أصحاب محمد ﷺ، وإنّا نازلون فارتحلوا رحمكم الله….”، وقد رُؤيت الذئاب والضباع تحمل جراءها بأفواهها، ورُؤيت الأفاعي تمضي ومعها فراخها، وكانت المدينة التي بنيت هي مدينة القيروان.

وبعد عودته من فتوحاته التي وصل بها إلى شاطئ المحيط الأطلسي، وقد وقف على ظهر حصانه يخاطب المحيط قائلًا: “اللهم ربّ محمد، لو أني أعلم أن خلف هذا البحر أرضًا لخضت البحر لإعلاء كلمتك يا رب العالمين”. وفي طريق عودته استشهد ودفن هناك في مدينة القيروان، وما يزال قبره فيها رضي الله عنه.

أطعنا الله صغارًا فحفظنا كبارًا

إننا نعلم أن هذه الأحداث يعتبرها العلمانيون وأصحاب الإيمان الضعيف أنها من الخرافات والهرطقات، لأنهم يؤمنون بقوة الطبيعة المجرّدة ولا يؤمنون بأن خالق الطبيعة وخالق الخلائق كلها، هو الله سبحانه الذي أودع فيها بعض نواميسه وهو قادر أن ينزعها منها متى شاء سبحانه أو أن يبارك فيها فتزداد قوة إلى قوتها.

كان أبو الطيب الطبري وقد تجاوز عمره مائة عام، ولكنه ظلّ متمتعًا بعقله معافى في جسده، حتى أنه ركب البحر يومًا برفقة إخوة له وأصدقاء، فلمّا اقتربت السفينة من الشاطئ، وإذا به يثب وثبة قوية وسريعة من مقدمة السفينة أوصلته إلى الشاطئ، فاندهش واستغرب من كانوا معه من هذه الوثبة، وقالوا له: “نحن أصغر منك عمرًا ولا نستطيع فعل ما فعلته وأنت قد تجاوزت المئة عام؟”، فقال لهم وهو يبتسم: هذه جوارحنا حفظناها عن المعاصي في الصّغر، فحفظها الله لنا في الكبر”.

إن المسلم يعلم أن هذه الجوارح قد أعطاه الله إياها ليستخدمها في طاعته، ويعلم أنه مسؤول عنها يوم القيامة فيجتهد ألّا يعصي بها الله سبحانه، فيبارك الله له فيها كحال ذلك الرجل ابن المائة عام {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [36 سورة الإسراء].

ومن غريب ما ذكر في بيان إكرام الله لعباده المتّقين إلى درجة أن السنن الكونية ونواميس الطبيعة قد تخرج عن مألوفها وما خلقها الله عليه خدمةً وعونًا لعباد الله إذا أراد الله ذلك {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [82 سورة يس].

فقد روي أن شيبان الراعي رحمه الله، كان يشهد له بالصلاح والتقوى، فإنه كان يرعى غنمًا له في البريّة، فإذا جاء يوم الجمعة وحان وقت الصلاة خطّ بعصاه خطًا حول موقع قطيعه، ثم ذهب وشهد صلاة الجمعة والخطبة مع جماعة المسلمين، ثم عاد إلى قطيعه ليجد أغنامه داخل ذلك الخطّ لم تتحرك ولم تتجاوزه ولو شاة واحدة.

قال مسروق بن الأجدع في بيان حفظ الله للعبد إن هو حفظ الله في سرّه وعلنه ولم يعصِه، فقال: “من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه”.

ولمّا قال الحسن البصري كلمة الحق في وجه الحجاج بن يوسف حتى أنه أغضب الحجاج الذي راح يهدّد ويتوعّد الحسن البصري، هرب الحسن البصري واختفى عن الأنظار حتى وصلت وشاية للحجاج أن الحسن البصري مختبئ في بيت رجل يدعى حبيب أبو محمد. فما أن طرقت زبانية وشرطة الحجاج الباب، وإذا بصاحب البيت يقول للحسن البصري: يا أبا سعيد أليس بينك وبين ربك ما تدعوه فيسترك من هؤلاء؟ دخلت الشرطة إلى البيت فلم يجدوه ولم يعثروا له على أثر. فذُكر ذلك للحجاج فقال: بل كان في البيت ولكن الله طمس أعينهم فلم يروه.

يقول الدكتور حسان شمسي باشا في كتابه النافع العيش مع الله: “ولما ضاع ليعقوب ولده الحبيب يوسف وتذكر أن الذئاب سوف تأكله قال عليه السلام: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [64 سورة يوسف]، وكأن الله عزّ وجل يريد أن يخاطب كل مسلم فيقول له: يا من تريد أن تحفظ نفسك من الظالمين والماكرين احفظ الله، فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.

إذا كان الله معك فمن تخاف؟

إن الوقوف على باب الله والاعتماد عليه هو من أفعال المؤمنين المتوكّلين على الله وليس من أفعال المتواكلين. وإن الاستقواء بالله ليست دليل ضعف، وإنما هو علامة قوة، وقد قيل على لسان أحد السلف يوصي أخًا له بالله قائلًا: “فإن كان الله معك فممن تخاف؟ وإن كان الله عليك فمن ترجو؟”.

وإن أعظم الخلق إيمانًا هو حبيب الله محمد ﷺ، فإنه كان إذا لقي عدوًا أو خاف قومًا دعا الله قائلًا: “اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم”. وإننا في الزمان الذي تكالب علينا فيه الأعداء وخذلنا الأشقاء وظلمنا وبغى علينا الزعماء، فما أحوجنا أن نلجأ إلى الله سبحانه ونكون على يقين أنه ربّ الأرباب ومدبّر الأسباب، وأنه القادر على أن يدمّر الأحزاب سبحانه.

فالذين يعتبرون أن الإيمان بقدرة الله على التحكّم بنواميس الكون هو إيمان بغيبيات وهرطقات وهروب من الواقع، فإنما هم الذين يعتدون بقدراتهم البشرية المادية، ويعتبرون أن الأخذ بالأسباب وحده “وهو ضروري بل وواجب” هو الضمين بتحقيق النتائج المرجوّة، هؤلاء أقرب الناس إلى المادية والعلمانية حتى وإن لبسوا ثوب الإسلامية العلمية. وما أجمل ما قيل في بيان اللجوء إلى قوة الله وحفظه عند النوائب والهموم والكربات: “إذا وقفت أمامك البلايا والهموم مثل السدود فعليك بأواخر سورة هود، {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [123 سورة هود].

يا شاكيًا همّ الحياة وضيقها         أبشر فربّك قد أبان المنهجا

من يتق الرحمن جلّ جلاله        يجعل له من كل ضيق مخرجا

وإذا كان رسول الله ﷺ وقد رأى قريشًا يوم بدر قد جاءت بخيلها وفرسانها لتقاتل رسول الله ﷺ ومن معه، فإنه رفع يديه إلى السماء يقول: “اللهم إن هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم احنهم الغداة”.

وإننا على هدي رسول الله ﷺ فإننا ونحن نرى أعداء الله تتقدمهم أمريكا، قد جاءت بحملة صليبية صهيونية جديدة تستهدف الأمة كلها، فإننا نقول: “اللهم إن هذه أمريكا قد أقبلت بأساطيلها وطائراتها وغوّاصاتها وصواريخها ومعها حلفاؤها وعملاؤها تريد أن تحارب دينك وعبادك ودعوتك، اللهم فاحنهم الغداة، اللهم شتّت شملهم ومزّق صفهم. اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندفعك في نحورهم يا رب العالمين. اللهم اكفناهم بما شئت وفيما شئت. اللهم إن أمريكا قد استقوت علينا بقدرتها على ضعفنا فأرنا فيها قدرتك يا رب العالمين. اللهم ربّ الأرباب ومنزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم يا رب العالمين.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى