أخبار عاجلةأدب ولغة

الخالدي والكتابة التاريخية.. التأثير في المجال السياسي

تُفتح برحيل وليد الخالدي بعد قرن من الحياة والعمل الفكري، أبوابٌ لأسئلة أوسع تتعلّق بالمعرفة التاريخية الفلسطينية، وهو الذي كرّس حياته لتوثيق تاريخ البلاد، وإعادة تثبيت روايتها في مواجهة محاولات الطمس والإنكار، عبر كتبٍ ومشاريع بحثية أصبحت من المراجع الأساسية في دراسة النكبة وتاريخ المجتمع الفلسطيني.

غير أنّ البحث عن خلاصة شافية ووافية لمجمل التجربة يدفع إلى التفكير في مسألة تتجاوز سيرة الرجل وإرثه العلمي: إلى أي حد استطاعت المعرفة التاريخية التي أنتجها المؤرخون من أبناء البلد والعرب المعنيين بالمسألة أن تتحول إلى قوة مؤثرة في الفضاء السياسي العالمي، لا مجرد ذاكرة موثقة في الكتب والأرشيفات؟

كان الخالدي من أبرز الشخصيات التي آمنت بأنّ معركة الحق السليب ليست عسكرية أو سياسية فحسب، وإنما هي أيضاً معركة على الرواية والذاكرة. ولذلك انصرف منذ وقت مبكر إلى بناء مشروع معرفي، يسعى إلى تثبيت الوقائع التاريخية، وتوثيق حياة المجتمع قبل النكبة وبعدها، ومواجهة سرديات حاولت تقديم فلسطين أرضاً بلا شعب أو تاريخ.

ومع ذلك، فإن المفارقة التي رافقت هذا الجهد طوال عقود تكمن في أن قوة التوثيق التاريخي لم تكن دائماً كافية لتحويل الحقيقة إلى تأثير سياسي مباشر في عالم تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه قوة الحجة.

من هذه الزاوية يمكن قراءة مشروع وليد الخالدي، من جهة أنه محاولة مستمرة لردم الفجوة بين المعرفة والتأثير. فقد أدرك أن حماية الرواية الحقيقية عمّا جرى في النكبة وما قبلها، لا تتحقق عبر الكتابة الفردية وحدها، بل تحتاج إلى عمل مؤسسي يضمن تراكم المعرفة واستمرارها.

ولهذا كان من أبرز المساهمين في تأسيس العمل البحثي المنظم داخل “مؤسسة الدراسات الفلسطينية”، التي تحولت إلى أحد أهم المراكز المعرفية المعنية بتوثيق تاريخ فلسطين ودراسته.

وفي الوقت نفسه، امتد مشروعه بعد كتابة التاريخ السياسي للصراع، إلى محاولة إعادة كتابة الجغرافيا الفلسطينية نفسها.

ففي أعمال توثيقية رائدة مثل “كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرت عام 1948″، تجاوز الهدف مجرد تسجيل أسماء القرى المدمرة، لإعادة إحياء عالم كامل كان قائماً قبل النكبة: القرى، والبيوت، والحقول، والعلاقات الاجتماعية التي شكلت نسيج الحياة. وبهذا المعنى تحولت الكتابة التاريخية عند الخالدي إلى شكل من أشكال استعادة المكان، إذ أصبحت القرى التي أزيلت من الخريطة السياسية حاضرة في الذاكرة التاريخية والوعي الجمعي.

كما تشكلت تجربة الخالدي في سياق موقع خاص للمثقف الفلسطيني في المنفى، إذ عمل ودرّس في جامعات ومؤسسات بحثية دولية، وكتب في فضاء أكاديمي يخاطب العالم بلغة البحث العلمي.

وقد أتاح له هذا الموقع أن يطرح القضية في سياق النقاشات الأكاديمية العالمية، وأن يسعى إلى إدخال الرواية الفلسطينية إلى الحقل المعرفي الدولي. غير أن هذا الموقع نفسه وضعه دائماً أمام توتر صعب بين الحفاظ على استقلاله الفكري من جهة، والتعامل مع الضغوط السياسية التي تحيط بالقضية الفلسطينية في المؤسسات الأكاديمية الغربية من جهة أخرى.

ولم يكن الخالدي معتزلاً للسياسة كفعل واضح وصريح، فقد صقل عمله العلمي عبر الاحتكاك بمسارات سياسية مهمة جداً، تمثلت في مجالات أساسية: الدبلوماسية، والتدخل الفكري في النقاش السياسي دون مواربة، والعمل المؤسسي لخدمة النضال التحرري.

ففي مرحلة مبكرة من حياته شارك في العمل الدبلوماسي العربي، وكان مستشاراً في الوفد العراقي إلى الأمم المتحدة عقب حرب 1967، إذ شارك في النقاشات الدولية المتعلقة بمصير القدس والقضية الفلسطينية، كما عبّر عن مواقف سياسية واضحة من القضايا العربية الكبرى، ومن أبرزها استقالته من منصبه في جامعة أكسفورد سنة 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي (البريطاني، الفرنسي، الإسرائيلي) على مصر خلال أزمة السويس، وهو موقف عكس التزامه السياسي بالقضايا العربية.

ومن خلال نشاطه العلمي والأكاديمي تحولت دراساته وأبحاثه ومقالاته إلى منصة أساسية لإنتاج المعرفة والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في العالم، وكذلك اقتراح الحل الدائم للقضية، ولا سيّما مقالته الشهيرة المنشورة في مجلة “فورين أفيرز” الأميركية 1978، التي تحدث فيها عن الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع.

حاول الخالدي استخدام البحث التاريخي أداةً للتأثير في الرأي العام وصنّاع القرار. بهذا المعنى، جمع الخالدي بين دور المؤرخ ودور المثقف المتدخل في المجال السياسي، من خلال الدبلوماسية والبحث والمؤسسات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى