أخبار وتقاريرأدب ولغةومضات

العربيّة لغتنا – إطلاق المفرد وإرادة الجمع

العربيّة لغتنا

د. رضا اغبارية- رئيس مبادرة “العربية لغتنا”

(33)

إطلاق المفرد وإرادة الجمع

هو أسلوب لُغويّ بلاغيّ من أساليب اللغة العربيّة، وهو منتشر في الشعر والنثر عند العرب؛ وبما أنّ القرآن الكريم قد نزل بلغتهم؛ لهذا نجد هذا الأسلوب موجود أيضًا فيه. وإليكم هنا بعض الأمثلة والشواهد:

قال الشاعر يصف شدّة الزّمان ، ويوصي بـالتوسّط في الأكل، والتقليل منه، وكأنّهم يأكلون في بعض بطونهم؛ لتحقيق العفّة عن كثرة الأكل، والقناعة باليسير، خاصّة في أوقات القحط والجوع، وهو المقصود بالزمن الخميص:

كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمْ تَعِفُّوا     فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ

والشاهد هنا أنّه قد استعمل المفرد وأراد الجمع، في قوله: بطنكم بدلًا من بطونكم.

وقال عقيل بن علفة المرّيّ:

وَكَانَ بَنُو فَزَارَةَ شَرِّ عَمٍّ     وَكُنْتُ لَهُمْ كَشَرِّ بَنِي الْأَخِينَا

والشاهد هنا قوله: (شرّ عمّ) بالإفراد، وقد أراد (شرّ أعمام) بالجمع.

ولهذا جاء في القرآن الكريم هذا الأسلوب أيضًا؛ فقد قال الله تعالى: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ  ” (البقرة، 257)، فجمع سبحانه وتعالى خبر (الطاغوت)، بقوله: (يخرجونهم)، مع أنّ (الطاغوت) واحد.

وقوله عزّ وجلّ: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ” (البقرة، 29)؛ فقد أفرد هنا تعالى لفظ (السَّمَاءِ)، وردّ عليه الضمير بصيغة الجمع في قوله: (فَسَوَّاهُنَّ).

ويقول الشاعر العبّاس بن مرداس السلميّ، يُنادي بالصلح والإخاء، مؤكّدًا زوال الأحقاد. والمعنى: دعَوْناهم للدخول في السلم (الإسلام/الصلح) لأنّنا إخوة، وقد طَهُرت قلوبنا من الأحقاد والعداوة (الإحَن جمع إِحْنة):

فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ     وَقَدْ سَلِمَتْ مِنَ الْإِحَنِ الصُّدُورُ

والشاهد هنا استعمال (أخوكم) بالمفرد، والمراد (إخوانكم/ إخوتكم) بالجمع.

يقول الشاعر مخاطبًا لوائمَه بالكفّ عن لومه والزيادة في ذلك؛ لأنّه لن يستمع لهنّ ولن يصغي للومنهنّ إذ هنّ لسن بأميرات عليه ولا صاحبات سلطة عليه فيطيعهنّ.

يَا عَاذِلَاتِي لَا تَزِدْنَ مَلَامَةً     إِنَّ الْعَوَاذِلَ لَيْسَ لِي بِأَمِيرِ

والشاهد هنا استعمال (أمير) بالمفرد، وإرادة (أمراء) بالجمع.

ومنه قوله تعالى: “وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ” (التحريم، 4)؛ حيث ورد المفرد (ظهير)، وأراد به الجمع (ظهراء).

ويقول علقمة بن عبدة، يصف طريقًا بَعيدًا شاقًّا على مَنْ سَلَكه، فَجِيَفُ المُعْيِيَةُ من الإبِلِ (الحَسْرَى) مستَقِرَّةٌ فيه. قد أكَلَتِ السِباعُ والطيرُ ما عليها من اللحمِ فَتَعَرَّتْ وبَدَا وَضَحُها، وجلودها يابسة:

بِها جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظامُها     فِبيضٌ وأمّا جلْدُها فَصَليبُ

والشاهدُ فيه وَضْعُ الجِلدِ موضعَ الجُلودِ.

ويقول المسيّل بن زيد مناة الغنويّ، وقد وَصَف كيف أنّهم قَتَلوا من قَومٍ كانوا قَدْ سَبَوْا من قَومِه:

لا تُنْكِروا القَتْلَ وقَدْ سُبِينا     في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينا

أي: لا تُنْكرِوا قَتْلَنا لكم وقد سَبَيْتُم مِنّا، ففي حُلَوقِكم عَظْمٌ بقَتْلِنا لكم، وقد شَجِينا نَحنُ [أيضًا] أي: غَصصنا بسَبْيكم لِمَنْ سَبَيْتُم مِنّا. والشاهدُ فيه وَضعُ الحَلْقِ موضعَ الحُلوقِ.

ويقول الآخر في وصف لؤم قوم إذا شبعوا، ومدى شرّهم حين يجوعون:

وَإِذَا هُــمُ طَعِمُــوا فَـأَلأَمُ طَـاعِمٍ      وَإِذَا هُـمُ جَـاعُوا فَشَـرُّ جِيَـاعِ

والشاهد في قوله (طاعم) بالمفرد، ويريد (طاعمين) بالجمع.

ومثله ما ورد في القرآن الكريم: “وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ” (البقرة، 42). والشاهد (كافر) بالمفرد، بدلًا من (كافرين) بالجمع. أي: ولا تكونوا أول فريق كافر به، يعني أوّل الكافرين به من أهل الكتاب.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى