أخبار رئيسيةأخبار عاجلةمقالاتومضات

اليمين في إسرائيل وأسباب تقدمه..

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي

لا يزال صدى نتائج الانتخابات الأخيرة للكنيست يضرب الواقع السياسي الإسرائيلي، خاصة النتائج التي تحصَّلت عليها قائمة “الصهيونية الدينية” التي تضم حزب “عوتسما يهوديت” الحاصل على سبعة مقاعد من القائمة، وزاد الطينُ بلة عند من أصابهم القلق والدوار أن من صوَّت لهذه القائمة وتحديدًا لحزب “عوتسما يهوديت” هم من الشباب، خاصة في صفوف الجيش.

عمليًا، هذه النتائج يجب أن لا تقلق علماء السياسة والاجتماع الإسرائيلي ممن لهم دراية في التحولات الجارية في المجتمع الإسرائيلي في العقود الأخيرة، ولا السياسيين أنفسهم، ففي نهاية المطاف يُحصَدُ ما يتم زرعه. وفي قراءة متواضعة في المناهج التربوية والتعليمية الإسرائيلية، ومتابعة سريعة للخطاب الإسرائيلي منذ قيام إسرائيل والى هذه اللحظات، سنجد أنَّ وجود أكثر من ثمانين نائبا في الكنيست محسوبون على التيار الديني بغض النظر عن مدارسهم ومدى حالة التدين، وهؤلاء في الكنيست منذ مطلع هذه الالفية، وهذا بحد ذاته بيانًا وتعبيرًا عن الحالة السياسية-الاجتماعية التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي على اختلاف مشاربه وعرقياته ومستوياته الاجتماعية والتعليمية والطبقية، وهو يؤكد الخلفية التربوية والتعليمية والثقافية للناخبين.

ويدفع نحو تأكيد الخلفيات اليمينية الثاوية في المجتمع الإسرائيلي قراءة ومتابعة للإعلام الإسرائيلي، سواءً الفضائيات أو المواقع الإلكترونية أو صفحات التواصل الاجتماعي، حيث التطبيل والتزمير وإضفاء الهالات على اليمين الصهيوني الديني وخاصة المجموعة الكهانية المتمثلة بـ “عوتسما يهوديت”، ومن تابع كيفية تجسير الهوة بين رئيس “عوتسما يهوديت” بن غفير والقائد العام للشرطة كوبي شفتاي واجتماعهما على هامش لقاء جمع عددًا من قيادات الشرطة وكان الوسيط بينهما مجموعة من الشخصيات الأمنية المتقاعدة ورجل اعمال مشهور داعم لسياسات بن غفير، وأكدَّ شفتاي أنه سيتعاون معه رغم أنه اتهمه بالمسؤولية عن هبَّة الكرامة في العام الماضي، وعن الاستفزازات المستمرة في الشيخ جراح.

 

الخلفيات المباشرة وغير المباشرة لهذه الظاهرة…

العقلية الجيتوية والتربية المُستقدمة من الجيتو والمواقف المترسخة من الآخر اثناء الشتات سواء في البلدان العربية والإسلامية أو من خلف البحار، والثقافة الدينية التوراتية التي رسخت في النفسية اليهودية علو اليهود وانهم شعب الله المختار، واستثمار الحركة الصهيونية لحالة الخوف والقلق التي يعيشها اليهودي وأدلجتها وتذويتها تربويا في المدارس والمعاهد وثقافيا في الكتب والقصص والمسارح والأفلام وغير ذلك وتمكين التيار الصهيوني الديني من الاستيطان واعتباره طلائعيًا في الاستيطان وتركه يدير الشأن الديني في البلاد إلى جانب التيار الحاريدي المنغلق على نفسه والمؤثر والمتأثر من السيولة السياسية ومواقفه السياسية من الآخر تحديدا أصحاب البلاد والمتجلية عيانًا بتصريحات حاخام الحاريدية السفاردية عوفاديا يوسف العنصرية والاستفزازية اتجاه العرب والمسلمين وغيره من الحاخامات الحاريدية، فضلًا عن حاخامات المدرسة الصهيونية الدينية فضلًا عن مواقف اليمين الليبرالي المتمثل ماضيًا في الليكود الوريث للجابوتنسكية ونظريته المشهورة بالجدار الحديدي والتي طبقها عمليًا عديد رؤساء إسرائيل وفي مقدمتهم بن غوريون.

حيث يقول: “عرب أرض إسرائيل” كما وصفهم، أو “سكان البلاد الأصليين” كما عرّفهم، أنه “لا مجال للحديث عن قبول الفلسطينيين وتسليمهم بوجودنا، ليس الآن، ولا في حدود المستقبل المنظور،  ذلك لأنه من المستحيل أن يقبل الفلسطينيون عن طيب خاطر تحويل بلادهم من أرض عربية إلى أرض ذات أغلبية يهودية”. ويضيف: “مَن لا يقبل رأيي هذا ويعرف تاريخ الاستيطان في بلاد أخرى، عليه أن يأتيني بحالة واحدة قبِل فيها السكان الأصليون أن يستوطن الغرباء بلادهم. كان السكان الأصليون، متحضّرين أو غير متحضّرين. لقد حاربوا بعناد ضد المستوطنين، متحضّرين كانوا أو غير متحضّرين.

أما أساليب عمل المستوطنين، فلم تغيّر مطلقًا من موقف السكان الأصليين من المستوطنين”. وهذا الطرح الذي طرحه جابوتنسكي شكلَّ ولا يزال الرؤية الصهيونية للآخر الفلسطيني، ومن ثم فالصراع سيبقى موجودًا بل ويتعاظم ما دام الفلسطيني على ارضه. بل ذهب جابوتنسكي إلى ابعد من ذلك فقال: “صانعو السلام بيننا يحاولون إغراءنا بأن العرب إما أغبياء، ويمكن خداعهم بنصوص “لطيفة” لأهدافنا، أو أنهم أهل جشع، سيتنازلون لنا عن أحقيتهم في بلادهم مقابل بعض أرباح التحضُّر والمال”. ويردّ على هذا القول: “أنا أرفض نهائيًا قبول هذه الفرضية في ما يخصّ الفلسطينيين. لأن هذه النظرية، في أساسها، نابعة من نظرة عرقية فوقية تجاه العرب”. ثمَّ يكمل في نفس الفقرة المذكورة آنفًا فيقول: “كل شعب يحارب المستوطنين ما بقي لديه بقية أمل بأنه يستطيع التخلص من خطر الاستيطان. هكذا فعلوا وهكذا سيفعل عرب فلسطين ما دام لديهم بقية أمل”. وبالتالي فنحن امام سيولة في الصراع لن تتوقف الا يوم ان يحسم الصهيوني واليهودي صراعه بما يسمى في عالم المصارعة بالضربة القاضية.

 

مجتمع يميني بطبعه

المجتمع الإسرائيلي برسم خلفياته الدينية الثاوية في النفسية الإسرائيلية تربيةً وثقافةً ونشأةً يميني بقيمه وسلوكياته أتجاه الآخر وتحديدًا العربي والفلسطيني والمسلم، فمنذ قيام إسرائيل والى اللحظة، هو مجتمع يميني في مواقفه السياسية اتجاه القضية الفلسطينية ومن ضمن ذلك ما تعلقَّ بالداخل الفلسطيني، ولعلّ العقيدة الأمنية والعسكرية بيانٌ لما نذهب إليه.

ويعتقد كاتب هذه السطور أنَّ ثمة أسباب ثاوية وغير مرئية تتعلق بهذه التوجهات اليمنية سواء ممن جاؤوا من خلف البحار من الاشكناز ومن يدور في فلكهم أو من البلاد العربية والإسلامية، ويتعلق ذلك ابتداءً بالعقلية الجيتوية (عقلية الجيتو) التي لا تزال راسخة في النفسية اليهودية. ومن البيان في هذا الباب الإشارة على سبيل المثال لا الحصر إلى المواقف البين داخلية والى الجغرافيا السكانية لهم والى مواقفهم الداخلية من بعضهم البعض، ونظراتهم الطبقية والعرقية وبقاء الجيتو المُحدَثْ قائما الى هذه اللحظات، يفسر حالة التشدد التي يعيشونها، وما تصريحات رئيسهم السابق رؤفين ريفلين في مؤتمر هرتسليا عام 2016 المعروف بخطاب القبائل الا بيانًا لبعض التحولات الجارية في إسرائيل، وقد أشار الى تَعَمُقْ الفجوات بين الصهيونية الدينية والحاريدية وعموم المجتمع الإسرائيلي من حيث المواقف السياسية والاجتماعية وكافة محاولات التأثير الهائل على المجتمع الحاريدي فشلت بسبب تربيته الجيتوية وعمق الارتباط القبلي-الديني خاصة التيار الديني الأرثوذكسي خاصة الاشكنازي المعروف بتشدده الخلاصي.

ومواقفهم من العربي ومن المسلم ومن الآخر تنبع أساسًا من الرؤية التوراتية ومن مواقف الحاخامات وهذا الأخير اكثر تجليًا في الدينية الصهيونية من الحاريدية وثمة مواقف مستجلبة وبقيت حاضرة في الذهنية اليهودية تعود الى أيام حياة اليهود في الشتات ومواقف الآخرين منهم، وكيفية حياتهم وشعورهم الأقلياتي المُلاحق وهو ما تم استبقاؤه في العقل الإسرائيلي بعد قيامها لبقاء السيطرة وهندسة العقول الناشئة تخويفًا من الآخر العربي الفلسطيني في حالتنا الخاصة، هذا إلى جانب شعورهم الدائم انهم الضحية وأنَّ العالم يجب أن يتعامل معهم على أساس من ذلك -راجع مواقفهم الرسمية ممن يحاول مجرد محاولة مقارنة مذابح أي شعب بالمذابح التي تعرضوا لها في العصر النازي علمًا أنَّ المحارق اصابت شعوبًا واقليات اكثر منهم كما حصل مع التتار المسلمين في بولندا على سبيل المثال لا الحصر وهذا الموضوع ثمة حاجة لإثارته علميًا ومن خلال الوثائق التي شرعت عديد الحكومات الأوروبية في الافراج عنها، فضلًا عن شهادات جمعت ولا تزال بهذا الشأن-.

ومن ثم فنحن أمام صيرورات تاريخية يتم أدلجتها لتلعب دورًا هامًا في بناء العقلية الإسرائيلية وتشددها اليميني، وفي ذات السياق فمنذ مطلع هذه الالفية ازدادت اعداد المدارس والكليات الدينية ولعب التيار الديني الصهيوني الاستيطاني دورًا كبيرًا في تأليب الشباب والناشئة على العرب واليسار الإسرائيلي وعلى كل من يخالف مواقفهم. ومن بيان ذلك التسريبات التي سبقت الانتخابات الأخيرة والتي ظهر فيها سيموطريتش يسب نتنياهو ويتهمه باتهامات كبيرة، حيث نعته بالكذاب ابن الكذاب، فإذا كان هذا موقفه من نتنياهو الذي لعب دورا كبيرًا في توحيد قائمته التي كانت مهددة بالسقوط مع حزب عوتسما وحزب نوعم المكون الثالث لهذه القائمة، فما مواقفه من الآخرين العلمانيين اليهود والعرب وهو الذي صرَّح انه لا يريد أن تكون زوجته في غرفة واحدة مع امرأة عربية في المستشفى.

المجتمع الإسرائيلي ينتقل عمليًا من مجتمع يميني خاصة بعد رفع شعار “الشعب قرر” وهو شعار معبر عن المرحلة التي يعيشها راهنًا المجتمع الإسرائيلي اليميني، والذي يتجه مسرعًا نحو الفاشية الموجودة أصلًا في سياسات ومفاصل السياسات الإسرائيلية، وبالتالي فنحن قادمون على مجموعة من الأزمات تستوجب من الفلسطينيين عمومًا ومن الداخل الفلسطيني خصوصًا موقفا عمليًا مؤسسا على فعل جمعي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى