أخبار رئيسيةمقالاتومضات

عندما بكى الحبيب

الشيخ كمال خطيب

 

ونحن ما زلنا في أفياء ذكرى المولد النبوي الشريف، فما أحوجنا في زمن قسوة القلوب والجرأة على الذنوب، للحديث عن واحدة من صفاته وشمائله ﷺ، إنها بكاؤه ودموعه بأبي هو وأمي.

يقول ابن القيم رحمه الله في وصف بكاء النبي ﷺ: “أما بكاؤه فكان من جنس ضحكه، فلم يكن بشهيق ورفع صوت كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمة بالميت وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية شالله تعالى، وتارة عند سماع القرآن”.

كذب الذين قالوا إن الرجال لا يبكون، وكيف لا يبكي الرجال وهو سيد الرجال ﷺ قد عرف عنه كثرة البكاء. ولقد كان غزير الدمعة، سخيّ العين لأنه كان رقيق القلب وأكثر الخلق خشية لله تعالى.

يقول عقبه بن عامر رضي الله عنه: “يا رسول الله ما النجاة؟! فقال له ﷺ: أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك”.

وقال ﷺ في الحديث عن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله وذكر منهم :”ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه”. وقال ﷺ: من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذّبه الله يوم القيامة”. وقال ﷺ: “حرمتّ النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله”. وقال ﷺ: “لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخريّ مسلم أبدًا”. وقال ﷺ: “لا يبكي عبد فتقطر عيناه من خشية الله فيدخله الله النار أبدًا حتى يعود قطر السماء إليها”.

لم تكن هذه الأحاديث الشريفة لتتحدث عن فضل البكاء خوفًا وخشيه لله تعالى إلا لأنها خرجت من قلب خاشع وعين دامعة، وما أكثرها المواقف والمشاهد التي سطرتها السيرة العطرة الشريفة لرسول الله ﷺ وهو يبكي ويسيل الدمع على وجنتيه الطاهرتين ﷺ.

 

بكاؤه عند سماع القرآن

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: اقرأ عليّ القرآن، فقلت يا رسول الله أعليك أقرأ وعليك أنزل؟ فقال النبي ﷺ، نعم فإني أحب أن أسمعه من غيري. قال ابن مسعود فافتتحت بالنساء حتى إذا بلغت (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) آية 41 سورة النساء. فإذا عيناه تذرفان ويقول حسبك يا ابن مسعود ،ثم يقول وقد اضطرب لحياه وجنباه أي اهتزت وارتجفت فكّاه وشفتاه “أي ربّ أشهد على من أنا بين أظهرهم فكيف أشهد على من لم أرهم”.

وروي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها سُئلت عن أعجب ما رأته من رسول الله ﷺ، فبكت ثم قالت: كان كل أمره عجبًا، أتاني في ليلتي التي يكون فيها عندي، فاضطجع بجنبي حتى مسّ جلدي جلده، ثم قال: يا عائشة ألا تأذنين لي أن أتعبد ربي عز وجل؟ فقلت: يا رسول الله والله إني لأحب قربك، وأحب هواك -أي أحب أن لا تفارقني وأحب ما يسرّك وما تهواه-. قالت :فقام إلى قربة ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء ثم قام يصلي ويتهجد فبكى في صلاته حتى بلّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الفجر رآه يبكي، فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال له: ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ هذه الليلة هذه الآيات: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ……} آية 189-200 آل عمران، فقرأها إلى آخر السورة، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر بها”.

 

بكاؤه على من لم يسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي ﷺ قبر أمه في الطريق، وكنا قرابة ألف رجل، فنزل وصلّى بنا ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان بعد أن جلس يناجي القبر طويلًا وقد ارتفع نحيب رسول الله ﷺ فبكى وبكينا معه، فقال له عمر: فداك أبي وأمي يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال ﷺ: “استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكّر بالموت”. قال القاضي في بيان ما جرى معه ﷺ: إن بكاءه عليها على ما فاتها من إدراكه وهو نبي والإيمان به”.

وأغارت خيل للمسلمين على هوازن وأخذت الشيماء بنت الحارث بن عبد العزّى أخت الرسول ﷺ من الرضاعة سبيّة، فقالت لهم وكانت كافرة: أنا أخت صاحبكم. فلمّا قدموا بها على النبي ﷺ قالت: يا محمد أنا أختك وعرّفته بعلامة عرفها فرحّب بها وبسط رداءه فأجلسها عليه ودمعت عيناه، وقال لها: فإن أحببت فأقيمي عندي مكرمة محببة، وإن أحببت أن ترجعي إلى قومك أوصلتك؟ فقالت: بل أرجع إلى قومي، فأعطاها النبي ﷺ هدايا ثم أسلمت بعد ذلك رضي الله عنها.

 

 

بكاؤه حرصًا على الدعوة

جاء جلاوزة وطواغيت قريش إلى أبي طالب عم رسول الله ﷺ قائلين له: “إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنّا والله لا نصبر على شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيّب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك ثم انصرفوا”. ثم حدّث أبو طالب رسول الله ﷺ بما قالوا، وقال له: “ابق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني ما لا أطيق” فظنّ النبي ﷺ أن عمه سيخذله ويسلمه لهم وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، وقال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيما تركته، ثم استعبر ﷺ فبكى ثم قام، فلمّا ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي، فقال: فأقبل رسول الله ﷺ فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا”.

وروي أن أبا طالب زاد على ذلك قائلًا بيتين من الشعر قال فيهما:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التراب دفينا

فامض لأمرك ما عليك غضاضة أبشر وقرّ بذاك عيونا

 

بكاؤه رحمة بأمته

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إبراهيم ﷺ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} آية 36 سورة إبراهيم، وقول عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آية 118 سورة المائدة، فرفع يديه وقال: “اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، فأخبره رسول الله ﷺ بما قاله وهو أعلم، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك”.

 

بكاؤه شفقة على ما أصاب أصحابه من المرض والبلاء

فقد ورد في صحيح البخاري أن سعدًا بن عبادة اشتكى فدخل عليه النبي ﷺ فوجده في غاشية أهله فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا فقال : ألا تسمعوا أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا ، وأشار إلى لسانه – أو يرحم.

وبكى صلوات ربي وسلامه عليه عند مقتل حمزة وعند مقتل جعفر وعند وفاة ابنه إبراهيم وعند وفاة ابن لإحدى بناته. وبكى عندما وقف على شفير القبر في جنازة أحد أصحابه، وبكى لما نزل قول الله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} آية 68 سورة الأنفال. وكان إذا صلّى سمع من صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان أصحابه الكرام رضي الله عنهم يبكون لبكائه صلوات الله وسلامه عليه.

 

دموع الوداع

إنها الدموع والعبرات التي سكبها النبي ﷺ عند وفاته وساعة جاءه الأجل.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “نعي إلينا حبيبنا ونبينا ﷺ قبل موته بستّ فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة فنظر إلينا ﷺ فدمعت عيناه وبكى، وقال: مرحبًا بكم وحيّاكم الله، حفظكم الله، آواكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، هداكم الله رزقكم الله، وفقكم الله، أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم وأستخلفه عليكم، إني نذير مبين، ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإن الله قد قال لي ولكم: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} آية 38 سورة القصص، ثم قال: قد دنا الأجل والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى والكأس الأدنى والرفيق الأعلى. قلنا: يا رسول الله فمن يغسّلك، فقال رجال من أهل بيتي الأدنى فالأدنى. قلنا: فيما نكفنك، فقال: في ثيابي هذه إن شئتم أو في حلية يمنية أو في بياض مضر. قلنا: فمن يصلّي عليك منا يا رسول الله؟ فبكى النبي ﷺ وبكينا ثم قال: مهلًا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرًا، إذا غسلتموني ووضعتموني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري فاخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي علي خليلي وجليسي جبريل عليه السلام ثم ميكائيل ثم إسرائيل ثم ملك الموت مع جنوده ثم الملائكة صلى الله عليهم جميعًا، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا فصلّوا عليّ وسلموا تسليمًا ولا تؤذوني في باكية، وليبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي ثم أنتم بعد، وأقرؤوا أنفسكم مني السلام، ومن غاب من إخواني فأقرؤوه مني السلام، ومن دخل معكم في دينكم بعدي فإني أشهدكم أني أقرأ السلام عليه وعلى كل من تبعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة. قلنا: يا رسول الله فمن يدخل قبرك؟ قال: رجال من أهل بيتي مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا ترونهم.

هكذا إذن كانت مشاعره فيّاضة وأحاسيسه مرهفة صلوات ربي وسلامه عليه. فلم تكن دموع الوهن والضعف وإنما دموع الحنو على الناس والخوف والخشية من رب الناس سبحانه وتعالى.

فما أجدرنا وما أحرانا ونحن لا زلنا قريبين من ذكرى مولده ﷺ أن نتخلق بأخلاقه ونهتدي بهديه، وأن تصبح موازيننا في كل الأشياء هي سنته وسيرته الشريفة ﷺ، وأن لا نظل نردد ولا نصدق ما قيل أن الرجال لا يبكون وإنما أن يكون قدوتنا سيد الرجال ﷺ.

 

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالدي بالمغفرة

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى